الإقتصادي

ريشمونت تبدأ عامها المالي بقفزة مبيعات تقودها كارتييه

بداية أقوى من التوقعات لمالك كارتييه

افتتحت مجموعة Compagnie Financière Richemont السويسرية، المالكة لعلامات فاخرة على رأسها Cartier وVan Cleef & Arpels وMontblanc، عامها المالي 2026/2027 بنتائج فصلية جاءت أفضل من التوقعات، في إشارة جديدة إلى أن شريحة المجوهرات الراقية ما زالت الأكثر صمودًا داخل قطاع الرفاهية العالمي. وأعلنت المجموعة في 15 يوليو 2026 أن مبيعات الربع الأول المنتهي في 30 يونيو 2026 بلغت 6.329 مليار يورو، بزيادة 20% بأسعار الصرف الثابتة و17% بالأسعار الفعلية.

أهمية هذه الأرقام لا تتعلق فقط بتجاوز التقديرات السوقية، بل أيضًا بكونها تؤكد استمرار الزخم الذي أنهت به الشركة سنتها المالية الماضية، حين سجلت إيرادات سنوية بقيمة 22.42 مليار يورو في العام المنتهي في 31 مارس 2026. هذا المسار يمنح المستثمرين إشارة إلى أن ريشمونت ما زالت تحصد ثمار تمركزها القوي في المجوهرات الراقية، وهي الفئة التي تبدو أقل حساسية من بعض فئات الرفاهية الأخرى تجاه تباطؤ الطلب العالمي.

المجوهرات تواصل حمل النمو

المحرك الرئيسي للنتائج كان قطاع Jewellery Maisons، الذي يضم كارتييه وفان كليف أند آربلز وبوتشيلاتي وVhernier. هذا القطاع سجل مبيعات بقيمة 4.732 مليار يورو خلال الربع الأول، بزيادة 24% بأسعار الصرف الثابتة و21% فعليًا. وتقول ريشمونت إن هذا يمثل الربع السابع على التوالي من النمو المزدوج الرقم في هذه الأنشطة، وهو ما يعكس استمرارية الطلب على المجموعات الأيقونية والساعات والمجوهرات عالية القيمة.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة مهمة للغاية: فعندما ترتفع أسعار الذهب عالميًا وتزداد تكلفة المواد الخام، عادة ما تتعرض شركات المجوهرات لضغط على الهوامش. لكن ريشمونت أوضحت في تحديثاتها السابقة أن دور المجوهرات داخل محفظتها يمنحها قدرة أفضل على تمرير زيادات الأسعار بشكل محسوب، مستفيدة من قوة العلامة التجارية والطلب المرتبط بالفئة الأعلى دخلًا.

أين جاء النمو جغرافيًا؟

النتائج الفصلية أظهرت اتساع قاعدة النمو جغرافيًا، وليس اعتمادًا على سوق واحدة فقط. ففي الأمريكيتين ارتفعت المبيعات إلى 1.67 مليار يورو بنمو 27% بأسعار الصرف الثابتة. وفي آسيا والمحيط الهادئ بلغت 2.068 مليار يورو بنمو 21%. أما أوروبا فسجلت 1.429 مليار يورو بنمو 11%، بينما قفزت اليابان إلى 632 مليون يورو بزيادة 36% على أساس ثابت، مستفيدة من الطلب المحلي والإنفاق السياحي. كذلك عادت الشرق الأوسط وأفريقيا إلى النمو بنسبة 3% لتصل المبيعات إلى 530 مليون يورو.

وتلفت هذه الأرقام الانتباه إلى أن الشركة لم تعتمد فقط على السياحة الشرائية في أوروبا، بل استفادت أيضًا من الطلب المحلي في الولايات المتحدة والأسواق الآسيوية، إلى جانب تحسن نسبي في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبالنسبة للأسواق القريبة من مصر، فإن عودة المنطقة إلى النمو تحمل دلالة على استمرار شهية الإنفاق لدى الشرائح المقتدرة رغم الاضطرابات الجيوسياسية وتقلب أسعار العملات.

الساعات تتحسن.. لكن المجوهرات ما زالت الأقوى

قطاع صانعي الساعات المتخصصين لدى ريشمونت، الذي يضم علامات مثل Vacheron Constantin وJaeger-LeCoultre وA. Lange & Söhne، سجل مبيعات بقيمة 873 مليون يورو، بزيادة 8% بأسعار الصرف الثابتة. ورغم أن هذا التحسن يعد إيجابيًا بعد فترة صعبة في سوق الساعات الفاخرة، فإنه يظل أبطأ بوضوح من قطاع المجوهرات.

أما قطاع Other، الذي يشمل الأزياء والإكسسوارات وأنشطة أخرى مثل Montblanc وPeter Millar وGianvito Rossi وWatchfinder & Co، فقد ارتفع 9% إلى 724 مليون يورو. وهذا يعني أن النمو كان واسع النطاق، لكن المجوهرات بقيت العمود الفقري للنتائج بلا منازع.

قوة قنوات البيع المباشر

من بين المؤشرات المهمة أيضًا، أن قنوات البيع كافة سجلت نموًا في الربع الأول. فقد ارتفعت مبيعات المتاجر المباشرة إلى 4.504 مليار يورو بزيادة 24% بأسعار الصرف الثابتة، ومثلت 71% من إجمالي مبيعات المجموعة. كما زادت المبيعات عبر الإنترنت 18% إلى 373 مليون يورو، في حين ارتفعت مبيعات الجملة وعوائد الامتياز 9% إلى 1.452 مليار يورو.

هذا التوزيع مهم للمستثمرين لأنه يعكس قدرة ريشمونت على تعزيز نموذج البيع المباشر إلى العميل، وهو النموذج الذي يمنح شركات السلع الفاخرة تحكمًا أعلى في التسعير وتجربة العميل والهوامش. وفي سوق مثل مصر، حيث يراقب المستهلكون باستمرار فروق الأسعار بين الشراء المحلي والخارجي، فإن هذا النموذج يفسر كيف تحافظ العلامات العالمية على تماسك علامتها وسياستها السعرية عبر الأسواق المختلفة.

ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين ولقطاع الرفاهية؟

الرسالة الأهم من نتائج ريشمونت هي أن قطاع الرفاهية لم يعد يتحرك ككتلة واحدة. فالطلب على الحقائب أو الأزياء قد يتباطأ في بعض الأسواق، لكن المجوهرات الراقية تظل أكثر تماسكًا بفضل طبيعتها الادخارية والرمزية وارتباطها بالمناسبات الكبرى. الشركة نفسها كانت قد أشارت في نتائجها السنوية إلى أن ارتفاع أسعار الذهب وتذبذب العملات فرضا ضغوطًا على التكاليف، لكنها قابلت ذلك بزيادات سعرية محسوبة وانضباط تشغيلي.

وعند نهاية يونيو 2026، بلغت السيولة النقدية الصافية لدى المجموعة 9.1 مليار يورو، مقارنة مع 7.4 مليار يورو قبل عام، بما في ذلك تدفق نقدي قدره 0.4 مليار يورو من بيع حصتها في Avolta. هذه القاعدة النقدية تمنح ريشمونت مرونة كبيرة في الاستثمار، والتوزيعات، ومواجهة أي تباطؤ محتمل في الأسواق.

زاوية مصر: لماذا تهم هذه النتائج القارئ المحلي؟

رغم أن ريشمونت شركة عالمية بعيدة جغرافيًا عن السوق المصرية، فإن نتائجها تهم القارئ في مصر لسببين رئيسيين. الأول أن كارتييه وغيرها من علامات المجوهرات الفاخرة تعد مرآة لحركة الإنفاق العالمي على الذهب والمجوهرات الراقية. والثاني أن السوق المحلية في مصر شديدة الحساسية لتحركات الذهب العالمية. ومع استمرار ارتفاع تكلفة المعدن النفيس، تظل نتائج شركات مثل ريشمونت مؤشرًا على ما إذا كان المستهلك العالمي ما زال قادرًا على استيعاب الأسعار الأعلى.

وفي السوق المصرية، أظهرت تغطيات محلية حديثة استمرار تذبذب أسعار الذهب خلال يوليو 2026، مع تداول عيار 21 قرب مستويات 5835 جنيهًا في بعض التعاملات المحلية، بينما تختلف الأسعار النهائية حسب المصنعية والضريبة والدمغة. لذلك، فإن صمود الطلب العالمي على المجوهرات الفاخرة رغم ارتفاع الذهب يمنح قراءة أوسع عن استمرار جاذبية المعدن ليس فقط كزينة، بل أيضًا كوعاء للقيمة.

نظرة إلى ما بعد الربع الأول

يقود ريشمونت حاليًا نيكولا بوس كرئيس تنفيذي للمجموعة، بينما يترأس مجلس الإدارة المؤسس يوهان روبرت. ومن المقرر أن تعلن الشركة نتائجها نصف السنوية في 13 نوفمبر 2026. وحتى ذلك الموعد، ستبقى الأسواق تراقب ثلاثة ملفات رئيسية: استمرار قوة الطلب الأمريكي، مسار الإنفاق في الصين وهونج كونج وماكاو، وقدرة المجموعة على امتصاص ارتفاعات الذهب والعملات دون التأثير على الهوامش.

في المحصلة، جاءت بداية العام المالي الجديد أفضل من المتوقع بالنسبة إلى ريشمونت، وأكدت مجددًا أن كارتييه وشقيقاتها داخل قطاع المجوهرات ما زلن المصدر الأوضح للنمو داخل المجموعة. وفي وقت تواجه فيه شركات رفاهية كثيرة تباطؤًا متفاوتًا، تبدو ريشمونت حتى الآن من بين الأسماء الأكثر قدرة على الدفاع عن النمو وتحويل قوة العلامة إلى أرقام فعلية على الأرض.