سابك تتجه لاقتناص 50% من مشروع مواد متقدمة تابع لرونغشنغ في الصين
سابك تعمّق حضورها في الصين عبر اتفاقية جديدة مع رونغشنغ
تتحرك الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) بخطوة جديدة داخل السوق الصينية، بعدما أعلنت في 16 يوليو 2026 توقيع اتفاقية تطوير مشروع مع رونغشنغ بتروكيميكال وإحدى شركاتها المملوكة بالكامل، رونغشنغ نيو ماتيريالز (تشوشان)، بهدف دراسة تطوير مشروع جينتانغ نيو ماتيريالز للمواد المتقدمة في مدينة تشوشان التابعة لمقاطعة تشجيانغ الصينية.
وبحسب البيان الرسمي الصادر عن سابك، فإن الاتفاقية لا تعني إتمام صفقة نهائية بشكل فوري، لكنها تفتح الباب أمام تقييم استثمار رأسمالي محتمل يمكن أن يمنح سابك حصة تصل إلى 50% في مشروع رونغشنغ نيو ماتيريالز. وهذا الفارق مهم للمستثمرين؛ لأن ما جرى الإعلان عنه هو إطار لتطوير المشروع ودراسة الجدوى الاستثمارية، وليس إغلاقًا نهائيًا لصفقة استحواذ مكتملة.
ما الذي تستهدفه الصفقة المحتملة؟
الرسالة الأساسية من هذه الخطوة أن سابك تريد ترسيخ وجودها في أكبر سوق آسيوي للكيماويات والمواد الصناعية المتقدمة. الشركة أوضحت أن المشروع في تشوشان يستهدف تعزيز القدرات الإنتاجية للمواد الكيميائية المتقدمة لتلبية الطلب المتزايد من الصناعات التحويلية الرئيسية في الصين وآسيا. وهذا يشمل قطاعات ترتبط عادة بالإلكترونيات، والمعدات الذكية، والسيارات، والطاقة، وسلاسل التصنيع ذات القيمة المضافة.
بالنسبة للقارئ في مصر، تكمن أهمية الخبر في أنه يعكس استمرار إعادة رسم خريطة الاستثمار الصناعي العالمي نحو آسيا، خصوصًا الصين، في وقت تبحث فيه شركات البتروكيماويات الكبرى عن أسواق ذات طلب أعمق وقدرة أعلى على استيعاب المنتجات المتقدمة مقارنة بالأسواق التي تعاني تباطؤًا أو فائض طاقات إنتاجية.
لماذا الصين تحديدًا؟
اختيار الصين ليس جديدًا في استراتيجية سابك. الشركة أكدت في موادها التعريفية وتقاريرها السابقة أن لديها حضورًا تشغيليًا في 14 مدينة صينية، إلى جانب مصانع في شنغهاي وقوانغتشو وتشونغتشينغ، ويعمل ضمن منظومتها هناك نحو 1500 موظف. كما افتتحت مركزها التقني في شنغهاي عام 2013، وهو جزء من شبكة البحث والتطوير العالمية للشركة.
هذا الانتشار يوضح أن الاتفاقية الجديدة ليست تحركًا منفصلًا، بل امتداد لمسار طويل من التوسع في الصين. والأهم أن سابك لديها بالفعل مشروع ضخم آخر هناك، هو مجمع سابك فوجيان للبتروكيماويات، الذي سبق أن أعلنت بشأنه قرار الاستثمار النهائي، مع طاقة سنوية متوقعة لإنتاج 1.8 مليون طن من الإيثيلين، واستعدادات للتشغيل من النصف الثاني من 2026. وجود أكثر من مشروع في الصين يعكس بوضوح أن السوق الصينية أصبحت محورًا رئيسيًا في استراتيجية النمو الصناعي للشركة.
رونغشنغ.. شريك صيني ثقيل الوزن
أما رونغشنغ بتروكيميكال فهي من أبرز الأسماء في قطاع البتروكيماويات الصيني. ووفق ملخص تقريرها السنوي لعام 2024 المنشور عبر منصة الإفصاحات الصينية CNINFO، سجلت الشركة إيرادات تشغيلية بلغت 326.48 مليار يوان خلال العام، ما يعكس حجمها الكبير داخل سلسلة القيمة الصناعية للنفط والكيماويات في الصين.
كما أن اسم رونغشنغ يرتبط أيضًا بقطاع التكرير والبتروكيماويات في مقاطعة تشجيانغ، وهي منطقة تُعد من أهم المراكز الصناعية واللوجستية الصينية المطلة على البحر، ما يعزز من جاذبية أي مشروع صناعي موجه للتصدير أو لتغذية المصانع المحلية الضخمة.
ما الذي يعنيه ذلك لسابك ماليًا واستراتيجيًا؟
تأتي الخطوة في وقت تواصل فيه سابك إعادة ترتيب محفظتها الاستثمارية عالميًا. ففي نتائج الربع الأول من 2026، أعلنت الشركة تسجيل 4.15 مليار ريال سعودي أرباحًا قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء (معدلة)، بزيادة 25% مقارنة بالربع الرابع من 2025. كما قالت إنها تواصل تنفيذ مسار لتحسين المحفظة والتركيز على النمو المنهجي المدروس.
من هذه الزاوية، تبدو الشراكة المحتملة مع رونغشنغ متسقة مع توجه سابك إلى تعزيز الانكشاف على المواد المتقدمة والأسواق الأعلى نموًا، بدل الاكتفاء بالرهان على المنتجات التقليدية أو المناطق التي تتعرض فيها هوامش الربحية لضغوط قوية. ويمكن قراءة الاتفاقية أيضًا كجزء من مسار أوسع لإعادة تمركز الشركات الخليجية الكبرى داخل آسيا، حيث يتركز الطلب الصناعي الأضخم خلال السنوات المقبلة.
هل أُنجزت الصفقة بالفعل؟
الجواب الأقرب للدقة هو: ليس بعد بشكل نهائي. الإعلان الرسمي من سابك استخدم صيغة “تقييم استثمار محتمل” بنسبة قد تصل إلى 50%، ما يعني أن التنفيذ النهائي ما زال مرتبطًا بنتائج الدراسات، والاتفاقات النهائية، وربما الموافقات التنظيمية المعتادة. لذلك فمن الأدق وصف التطور الحالي بأنه اتفاقية تمهّد لاستثمار استراتيجي محتمل، وليس استحواذًا مكتمل الإجراءات.
وهذا التفصيل مهم في التغطية الاقتصادية، لأنه يفرق بين أثر فوري على الملكية والميزانية، وبين خطوة أولى في مسار تفاوضي قد يتطور لاحقًا إلى صفقة نهائية إذا توافرت الشروط التجارية والتنظيمية المناسبة.
دلالات أوسع على الأسواق العالمية
التحرك الجديد من سابك يأتي في لحظة تتسم فيها صناعة البتروكيماويات العالمية بمزيج معقد من فائض المعروض في بعض المناطق، وتحولات في سلاسل الإمداد، وسعي متزايد نحو منتجات أعلى قيمة مضافة. ومن ثم، فإن الاستثمار قرب مراكز الطلب الصناعي في الصين يمكن أن يمنح الشركات ميزة في الوصول إلى العملاء، وتقصير سلاسل الإمداد، وتسريع تطوير المنتجات بالتعاون مع المصنعين المحليين.
وبالنسبة للأسواق الناشئة، ومنها مصر، فإن مثل هذه التحركات تظل مؤشرًا مهمًا على اتجاهات رأس المال الصناعي العالمي: الشركات الكبرى لم تعد تبحث فقط عن الطاقة الإنتاجية، بل عن الموقع داخل منظومات التصنيع والنمو. ولهذا السبب يبدو الرهان على الصين منطقيًا لشركة بحجم سابك، خاصة في قطاع تتداخل فيه التجارة، والتكنولوجيا، والطاقة، والتصنيع المتقدم.
- تاريخ الإعلان: 16 يوليو 2026
- الأطراف: سابك ورونغشنغ بتروكيميكال ورونغشنغ نيو ماتيريالز (تشوشان)
- طبيعة الاتفاق: اتفاقية تطوير مشروع وتقييم استثمار محتمل
- الحصة المحتملة: حتى 50%
- موقع المشروع: تشوشان، مقاطعة تشجيانغ، الصين
- القطاع المستهدف: المواد الكيميائية والمواد المتقدمة
الخلاصة أن سابك لم تعلن مجرد توسع جغرافي جديد، بل كشفت عن محاولة لاقتناص موطئ قدم أعمق داخل قلب الصناعة التحويلية الآسيوية. وإذا تحولت الاتفاقية إلى صفقة نهائية، فقد تصبح واحدة من أبرز رهانات الشركة السعودية في الصين خلال 2026، إلى جانب مشروع فوجيان، بما يعزز مكانتها في سباق البتروكيماويات العالمي خلال مرحلة تتغير فيها خرائط الإنتاج والطلب بسرعة.