الإقتصادي

سامسونج وSK hynix توسعان شراكات الرقائق بأمريكا إلى 950 مليار دولار

شراكات أمريكية ضخمة تعيد تموضع عملاقي الذاكرة الكوريين

دخلت Samsung Electronics وSK hynix مرحلة جديدة في سباق أشباه الموصلات العالمي بعد الإعلان عن مشروعات تعاون مع شركات تقنية أمريكية كبرى بقيمة إجمالية تصل إلى 950 مليار دولار. ويأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية لسوق الرقائق، حيث تقود تطبيقات الذكاء الاصطناعي طلباً غير مسبوق على شرائح الذاكرة عالية الأداء، ولا سيما تلك المستخدمة في مراكز البيانات وأنظمة التدريب الضخمة للنماذج الذكية.

وبحسب ما أعلنه كيم يونغ-بوم، كبير مستشاري السياسات في الرئاسة الكورية الجنوبية، خلال فعاليات عقدت في سان فرانسيسكو يوم 24 يوليو 2026، فإن الاتفاقات تشمل تعاوناً واسع النطاق بين مجموعات كورية جنوبية وشركات تكنولوجية عالمية، تتقدمها NVIDIA وBroadcom، مع تركيز واضح على تأمين الإمدادات طويلة الأجل من الرقائق المطلوبة في طفرة الذكاء الاصطناعي.

كيف يتوزع رقم 950 مليار دولار؟

الأرقام المعلنة تُظهر أن الحصة الأكبر تذهب إلى SK Group، التي تضم SK hynix، عبر اتفاقات بقيمة 750 مليار دولار لتوريد أشباه موصلات عالية الأداء على المدى الطويل لشركات تقنية عالمية، من بينها NVIDIA. ووفق التقارير المنشورة في 25 يوليو 2026، فإن شراكة SK hynix مع إنفيديا وحدها تتجاوز 500 مليار دولار ضمن هذا الإطار الأوسع.

في المقابل، أعلنت Samsung Electronics توسيع التعاون مع Broadcom في اتفاق قد تتجاوز قيمته 200 مليار دولار حتى 2030. ولا يقتصر التعاون هنا على رقائق الذاكرة فقط، بل يشمل أيضاً التصنيع التعاقدي للرقائق والتغليف المتقدم، وهو ما يمنح سامسونج فرصة لتعزيز موقعها أمام المنافسين في سلاسل القيمة الأعلى ربحية داخل قطاع أشباه الموصلات.

لماذا يهم هذا الخبر أسواق الشرق الأوسط ومصر؟

من منظور القارئ في مصر والمنطقة، لا تبدو هذه الصفقات مجرد أرقام أمريكية-كورية بعيدة جغرافياً، بل هي مؤشر مباشر على اتجاهات السوق العالمية التي تنعكس على تكلفة الخوادم، والاستثمار في مراكز البيانات، وتسعير البنية التحتية الرقمية في الشرق الأوسط. فكلما اشتد التنافس على رقائق الذاكرة المتقدمة ووحدات الحوسبة اللازمة للذكاء الاصطناعي، زادت أهمية الدول القادرة على اجتذاب استثمارات في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات الإقليمية.

هذا البعد مهم بشكل خاص لدول الخليج التي تضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، كما يهم مصر التي تتحرك لتوسيع البنية التحتية التكنولوجية وخدمات التعهيد ومراكز البيانات. أي اختناقات أو زيادات في أسعار الرقائق المتقدمة قد تؤثر لاحقاً على كلفة التوسعات الرقمية في المنطقة، سواء في الخدمات الحكومية، أو الاتصالات، أو البنوك، أو الشركات الناشئة المعتمدة على الحوسبة السحابية.

سامسونج: رهان على أمريكا وسلسلة إمداد أكثر قرباً من العملاء

التحرك الحالي لا يأتي من فراغ. فسامسونج تمتلك بالفعل قاعدة تصنيع مهمة في ولاية تكساس. وكانت الشركة قد أعلنت في 2021 عن مشروع مصنعها الجديد في تايلور باستثمار أولي لا يقل عن 17 مليار دولار. ثم أكدت لاحقاً، في أبريل 2024، أنها ستحصل على تمويل مباشر يصل إلى 6.4 مليار دولار ضمن قانون CHIPS and Science Act الأمريكي، مع توقعات بأن يتجاوز إجمالي استثماراتها في المنطقة 40 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

وتقول سامسونج إن مواقعها في أوستن وتايلور صُممت لتوسيع القدرة الإنتاجية للرقائق المنطقية المتقدمة وخدمة العملاء الأمريكيين بشكل أسرع، في وقت أصبحت فيه اعتبارات الأمن الصناعي ومرونة سلاسل الإمداد جزءاً من قرارات الاستثمار، وليس فقط تكلفة الإنتاج. كما أشارت الشركة إلى أن نشاطها في تكساس أسهم في ضخ 10.9 مليار دولار في اقتصاد وسط الولاية خلال 2025، بينما يُتوقع أن يصبح موقع تايلور قيد التشغيل بنهاية 2026.

Broadcom تكسب منفذاً إضافياً للتصنيع المتقدم

أهمية الصفقة مع Broadcom تتجاوز قيمتها المالية. فالشركة الأمريكية تعد من أبرز مصممي الشرائح المستخدمة في الاتصالات السريعة والبنية التحتية للشبكات ومراكز البيانات. وتوسيع التعاون مع سامسونج في الذاكرة والتصنيع التعاقدي والتغليف المتقدم يعني أن برودكوم تسعى إلى تنويع قاعدة الإمداد في وقت يتزايد فيه الضغط على قدرات التصنيع العالمية المرتبطة بموجة الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة لسامسونج، فإن هذه الشراكة تمنحها زخماً في مسار تعزيز أعمال foundry، أي تصنيع الرقائق لصالح شركات أخرى، وهي سوق ذات أهمية استراتيجية لأن السيطرة فيها لا تعني بيع شرائح فقط، بل الدخول إلى قلب منظومة التكنولوجيا العالمية التي تشمل التصميم والإنتاج والتغليف والاختبار.

SK hynix: المستفيد الأكبر من طفرة ذاكرة الذكاء الاصطناعي

إذا كانت سامسونج تراهن على توسيع حضورها الأمريكي، فإن SK hynix تبدو في موقع قوي جداً داخل الموجة الحالية بسبب تخصصها العميق في ذاكرة HBM، أو الذاكرة عالية النطاق الترددي، وهي عنصر حاسم في تشغيل مسرّعات الذكاء الاصطناعي والخوادم المتقدمة. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تستحوذ الشركة على الجزء الأكبر من الصفقات المعلنة.

الشركة كانت قد أعلنت أيضاً استثماراً يقارب 3.87 مليار دولار لإنشاء منشأة للتغليف المتقدم والبحث والتطوير في ويست لافاييت بولاية إنديانا. كما حصل المشروع على دعم مباشر قد يصل إلى 458 مليون دولار من وزارة التجارة الأمريكية ضمن برنامج الحوافز المرتبط بقانون الرقائق. ويستهدف هذا الموقع إنتاج حلول تغليف متقدمة لمنتجات الذكاء الاصطناعي وتعميق التعاون مع عملاء أمريكا الشمالية، بما في ذلك مزودو الخدمات السحابية وصانعو رقائق الذكاء الاصطناعي.

الطلب يفوق التوقعات

الإشارات القادمة من السوق تؤكد أن الطلب على الذاكرة المتقدمة تجاوز التقديرات السابقة. فالتقارير المرتبطة بالقمة الكورية-الأمريكية في سان فرانسيسكو أوضحت أن المناقشات شملت شركات مثل NVIDIA وOpenAI وAnthropic وBroadcom، وكلها تحتاج إلى سعات ضخمة من الذاكرة والحوسبة لتشغيل أجيال جديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي.

كما تضمنت التفاهمات المعلنة خططاً مشتركة للاستثمار في مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية تصل إلى 5 جيجاواط وبنحو 2 مليون وحدة معالجة رسومية GPU. وإذا ما تحققت هذه المشروعات وفق الرؤية المعلنة، فإنها ستدفع الطلب على الذاكرة المتقدمة، والتغليف المتطور، وسلاسل الإمداد المرتبطة بها إلى مستويات أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عامين فقط.

ماذا تعني الصفقة للأسواق الإقليمية؟

بالنسبة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، يحمل هذا التطور ثلاث رسائل أساسية:

  • أولاً: أن سوق الرقائق بات أكثر ارتباطاً بالسياسة الصناعية والتحالفات الاستراتيجية، وليس فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية.
  • ثانياً: أن المنافسة على قدرات الذكاء الاصطناعي ستجعل الحصول على العتاد المتقدم أكثر صعوبة وكلفة لمن يتأخر في بناء شراكات مبكرة.
  • ثالثاً: أن الشركات والدول في المنطقة الراغبة في التوسع في مراكز البيانات أو خدمات الذكاء الاصطناعي ستحتاج إلى متابعة تحركات موردي الذاكرة والرقائق الكبار مثل سامسونج وSK hynix عن قرب.

وفي ظل سعي عواصم خليجية إلى ترسيخ مكانتها كمراكز إقليمية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، فإن أي تحول في خريطة الإمدادات العالمية للرقائق سيكون له أثر مباشر على توقيت المشروعات وكلفتها. ومن هنا، تبدو صفقات الـ950 مليار دولار أكثر من مجرد خبر شركات؛ إنها إشارة إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي العالمي، بما ينعكس تدريجياً على المنطقة العربية أيضاً.

الخلاصة

الصفقات التي تقودها Samsung Electronics وSK hynix مع شركات أمريكية كبرى تؤكد أن رقائق الذكاء الاصطناعي أصبحت مركز الثقل في الصناعة التكنولوجية العالمية. وبينما تحصد SK hynix المكاسب الأكبر في مجال الذاكرة المتقدمة، تراهن سامسونج على توسيع دورها في التصنيع والتغليف وسلاسل الإمداد الأمريكية. بالنسبة لمصر والشرق الأوسط، الرسالة واضحة: من يملك الوصول إلى البنية التحتية للرقائق اليوم، يملك جزءاً أساسياً من اقتصاد الغد.