الإقتصادي

سيتي يتوقع تراجع برنت إلى 65 دولارًا في 2027.. ماذا يعني ذلك لمصر؟

توقعات سيتي: مسار هابط لبرنت إذا هدأت المخاطر الجيوسياسية

أبقى بنك سيتي على توقعاته الأساسية لمتوسط سعر خام برنت عند 75 دولارًا للبرميل خلال الربع الثالث من عام 2026، مع تقدير بانخفاضه إلى 70 دولارًا في الربع الرابع، ثم إلى 65 دولارًا خلال عام 2027. ويستند هذا التصور إلى فرضية تراجع التوترات المرتبطة بمنطقة الخليج وعودة انسياب التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز بشكل طبيعي، بحسب ما أوردته تغطية رويترز في 15 يونيو 2026 استنادًا إلى مذكرة البنك.

وبحسب نفس التغطية، خفّض البنك أيضًا تقديره لسعر برنت في 2027 من 80 دولارًا في توقعاته السابقة إلى 65 دولارًا، في تحول يعكس انتقال السيناريو المرجح لديه إلى ما كان يُعد سابقًا أقرب إلى السيناريو الضعيف للأسعار. كما أشارت متابعة أخرى من رويترز في 18 يونيو 2026 إلى أن سيتي يتوقع تحرك النفط في نطاق 60 إلى 65 دولارًا للبرميل بحلول الربع الأول من 2027 إذا استمرت عودة التدفقات عبر هرمز إلى وضعها الطبيعي.

لماذا يربط سيتي توقعاته بمضيق هرمز؟

يرى البنك أن العامل الحاسم في هذه التقديرات ليس الطلب العالمي وحده، بل أيضًا درجة المخاطر على الإمدادات. فمضيق هرمز يظل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وأي اضطراب في الملاحة أو الشحن ينعكس سريعًا على علاوة المخاطر في الأسعار. لهذا السبب كان سيتي قد رفع توقعاته بصورة حادة في أبريل 2026، عندما افترض احتمال استمرار تعطل التدفقات، بل تحدث حينها عن سيناريو قد يدفع الأسعار إلى 150 دولارًا للبرميل إذا طال أمد الاضطراب. لكن مع تغير الفرضيات السياسية وتهدئة التوترات، عاد البنك إلى مسار أكثر هدوءًا للأسعار.

هذه النقلة في تقديرات سيتي تكشف حساسية سوق النفط لأي تغيير في البيئة الجيوسياسية. فالتوقعات نفسها لم تتبدل بسبب طفرة مفاجئة في الإنتاج أو انهيار في الطلب، بقدر ما تغيرت بسبب تقدير مختلف لاحتمالات تعطل الإمدادات وعودة السفن والتجارة إلى وتيرتها المعتادة.

ما الذي تعنيه أسعار نفط أقل بالنسبة لمصر؟

بالنسبة إلى مصر، يظل اتجاه أسعار النفط العالمية عنصرًا شديد الأهمية، سواء على مستوى تكلفة الاستيراد أو الضغوط التضخمية أو أعباء دعم الطاقة وتسعير بعض المنتجات محليًا. وقد أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية في بيانات رسمية خلال 2025 و2026 أن العمل جارٍ على خفض الفاتورة الاستيرادية عبر زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع البنية التحتية للإمداد، في وقت تواجه فيه السوق المحلية تقلبات عالمية مستمرة.

وتُظهر بيانات منشورة عبر وزارة البترول أن سعر خام برنت المُشار إليه على موقع الوزارة بلغ 76.45 دولارًا للبرميل في 8 يوليو 2026، وهو مستوى قريب من النطاق الذي يستند إليه سيناريو سيتي للمدى القريب. كما أوضحت الوزارة في بيانها الصادر في 11 أبريل 2025، عند إعلان أسعار المنتجات البترولية الجديدة، أن تراجع خام برنت في بعض الفترات لا ينعكس تلقائيًا وبنفس القوة على تكلفة المنتجات النهائية، لأن عناصر أخرى تدخل في الحساب، من بينها النقل والاستيراد والتكرير وسعر الصرف.

فاتورة الواردات والضغط على الاقتصاد المحلي

أهمية هذه التوقعات لمصر تتضح أكثر مع استمرار وزن السلع البترولية في هيكل الواردات. فقد نقلت بوابة الأهرام عن البنك المركزي المصري أن السلع البترولية مثلت نحو 21% من إجمالي واردات مصر خلال عام 2025، وهو ما يجعل أي هبوط مستدام في أسعار الخام عاملًا مساعدًا في تخفيف الضغط على الحساب الجاري وتقليص جزء من التضخم المستورد.

ومن هذه الزاوية، فإن بقاء برنت قرب 75 دولارًا ثم هبوطه إلى 70 دولارًا وبعدها 65 دولارًا، إذا تحقق فعليًا، قد يمنح الحكومة المصرية مساحة أفضل في إدارة تكلفة الإمدادات، خاصة مع سعيها إلى تأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود والغاز الطبيعي. وكان وزير البترول كريم بدوي قد أكد في فبراير 2026 نجاح القطاع في تأمين احتياجات السوق وتطوير منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال بطاقة تصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا، ضمن خطة لتنويع مصادر الإمداد ودعم استقرار السوق المحلية.

هل يعني تراجع برنت هبوطًا فوريًا في الأسعار المحلية؟

الإجابة الأقرب للواقع هي: ليس بالضرورة وبالسرعة نفسها. فالسوق المصرية لا تتأثر بسعر خام برنت فقط، بل بمجموعة أوسع من المتغيرات تشمل تكلفة الاستيراد، وهيكل الضرائب والرسوم، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، وأعباء النقل والتكرير، فضلًا عن سياسة التسعير المحلية وأولويات الموازنة العامة.

وفي هذا السياق، شددت وزارة البترول في أبريل 2025 على أن انخفاض برنت خلال الفترة السابقة آنذاك أدى إلى تراجع محدود للغاية في تكلفة بعض المنتجات، مشيرة إلى أن انخفاض تكلفة لتر السولار قُدِّر بنحو 40 قرشًا فقط، وهو ما يوضح أن العلاقة بين الخام العالمي وسعر البيع النهائي ليست علاقة خطية أو فورية.

متى تصبح توقعات سيتي أكثر واقعية؟

الاختبار الحقيقي لتوقعات سيتي سيكون في استمرار هدوء المسار الجيوسياسي خلال النصف الثاني من 2026، إلى جانب قدرة المنتجين الكبار على الحفاظ على الإمدادات دون انقطاعات كبيرة. فإذا عادت المخاطر في الخليج أو تعرضت حركة الملاحة لأي اضطراب جديد، فقد تتغير الصورة بسرعة، كما حدث بالفعل في تقديرات البنك بين أبريل ويونيو 2026.

كذلك فإن الطلب العالمي على النفط سيبقى عاملًا مؤثرًا. فإذا تباطأ الاقتصاد العالمي أكثر من المتوقع، فقد يدعم ذلك سيناريو الأسعار المنخفضة. أما إذا تحسن الطلب بقوة أو ظهرت اختناقات مفاجئة في الإمدادات، فقد يحد ذلك من الهبوط المنتظر.

خلاصة المشهد للمستثمر المصري

رسالة سيتي الأساسية واضحة: أسعار النفط قد تتراجع تدريجيًا إذا انحسرت علاوة المخاطر الجيوسياسية. وبالنسبة لمصر، فإن هذا المسار يحمل دلالات إيجابية محتملة على صعيد فاتورة الطاقة والضغوط التضخمية وتكلفة الاستيراد، لكنه لا يعني تلقائيًا ترجمة فورية إلى انخفاضات موازية في أسعار الوقود محليًا.

ومن ثم، فإن متابعة المستثمرين في مصر لسوق النفط يجب ألا تقتصر على سعر برنت وحده، بل تمتد إلى مؤشرات أوسع تشمل سعر الصرف، وقرارات وزارة البترول، ووضع الإمدادات الإقليمية، واتجاهات الطلب العالمي. وفي حال استقر برنت بالفعل قرب المستويات التي يتوقعها سيتي في 2027، فقد يكون ذلك أحد العوامل المساندة لبيئة اقتصادية أقل ضغطًا على تكلفة الطاقة في السوق المصرية.