الإقتصادي

شميد: ترسيخ توقعات التضخم هو التحدي الأكبر أمام الفيدرالي

شميد يضع توقعات التضخم في صدارة المخاطر أمام الفيدرالي

أعاد جيف شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، تسليط الضوء على أكثر ما يقلق صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة: تثبيت توقعات التضخم ومنع عودتها للارتفاع بشكل يربك قرارات الأسر والشركات. وتكتسب تصريحات شميد أهمية خاصة لأنه عضو مصوّت داخل منظومة الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية، كما يقود بنك كانساس سيتي منذ 21 أغسطس 2023 بعد مسيرة طويلة في العمل المصرفي والرقابي.

وبحسب السيرة الرسمية المنشورة على موقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، يتولى شميد رئاسة البنك التنفيذي ويمثل الدائرة العاشرة ضمن منظومة الفيدرالي، وهي منطقة تضم ولايات مهمة للنشاط الصناعي والزراعي والتمويلي في الولايات المتحدة. كما تشير الصفحة الرسمية إلى أن لديه أكثر من 40 عامًا من الخبرة في القطاع المصرفي والإشراف البنكي. ورغم أن صفحته الرسمية تشير إلى حسابه على LinkedIn، لم يتوافر ما يكفي للتحقق من حساب رسمي موثق له على إنستغرام، لذلك يرد اسمه هنا من دون أي handle.

لماذا يعتبر شميد الخطر الأكبر هو التوقعات لا الرقم الشهري فقط؟

جوهر رسالة شميد يتمثل في أن المعركة مع التضخم لا تُقاس فقط بقراءة شهرية أو فصلية، بل بمدى اقتناع المستهلكين والشركات بأن التضخم سيعود بالفعل إلى مستهدف 2%. فإذا ترسخ الاعتقاد بأن الأسعار ستواصل الصعود لفترة طويلة، ستنعكس هذه الرؤية على الأجور، والعقود، والتسعير، وخطط الاستثمار، وهو ما يجعل خفض التضخم أكثر كلفة على الاقتصاد والأعمال.

هذا المنطق يتسق مع خطاباته الرسمية الحديثة. ففي كلمة منشورة على موقع بنك كانساس سيتي الفيدرالي خلال عام 2026، قال شميد إن التضخم ظل أعلى من تعريف الفيدرالي لاستقرار الأسعار لأكثر من خمس سنوات، وإن الوقت ليس مناسبًا للتهاون. كما حذر في خطاب آخر من الابتعاد عن بيئة تصبح فيها قرارات الأسر والشركات أقل تأثرًا بالخوف من التضخم. هذه الصياغات توضح أن الرجل ينظر إلى المصداقية النقدية باعتبارها أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن مستوى الفائدة نفسه.

خلفية القرار: ماذا فعل الفيدرالي فعليًا؟

من المهم توضيح السياق الزمني بدقة. ففي 18 سبتمبر 2024، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض النطاق المستهدف للفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 50 نقطة أساس إلى نطاق 4.75% - 5.00%. كما أظهرت محاضر الاجتماع أن أغلبية كبيرة أيدت الخفض بعد التقدم المحقق في ملف التضخم، بينما فضّل بعض الأعضاء مسارًا أكثر تحفظًا. لذلك، فإن أي إشارة إلى “رفع الفائدة” في تغطيات سابقة تحتاج إلى تدقيق؛ فالقرار الرسمي في ذلك التاريخ كان خفضًا لا رفعًا.

ورغم هذا الخفض، لم تختفِ المدرسة المتشددة داخل الفيدرالي. فقد أظهرت تغطيات لاحقة أن شميد مال إلى نهج “حذر ومتدرج” في التعامل مع خفض الفائدة، مع بقاء القلق من أن يكون التراجع في التضخم غير مكتمل أو هشًا أمام صدمات جديدة. بالنسبة للشركات، هذا يعني أن تكلفة الاقتراض في الولايات المتحدة قد تنخفض بوتيرة أبطأ مما كانت الأسواق تراهن عليه في بعض الفترات.

ماذا تقول البيانات الأميركية عن التضخم؟

الاحتياطي الفيدرالي يربط قراراته بمسار الأسعار وسوق العمل معًا، لكن تصريحات شميد تعكس أولوية واضحة لملف الأسعار. وفي هذا السياق، تظهر البيانات الرسمية من بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي أن شميد سبق أن وصف معدلات تضخم دارت قرب 2.5% إلى 3% بأنها لا تزال أعلى من المستوى المتسق مع استقرار الأسعار، حتى عندما تكون قريبة من الهدف اسميًا. الفكرة هنا أن العودة إلى 2% لا تتطلب فقط تباطؤًا عامًا في التضخم، بل أيضًا اتساع هذا التباطؤ عبر سلة أوسع من السلع والخدمات.

كما أن بيانات توقعات المستهلكين في الولايات المتحدة، ومنها استطلاعات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ظلت محل متابعة لصيقة من مسؤولي السياسة النقدية لأنها تكشف ما إذا كانت الأسر ما تزال ترى التضخم ظاهرة مؤقتة أم مستمرة. وعندما تتراجع هذه التوقعات أو تظل مستقرة، يعد ذلك دعمًا لموقف الفيدرالي. أما إذا ارتفعت، فيُنظر إليها كإشارة إنذار مبكر.

أثر رسائل شميد على الشركات والقطاع المالي

هذه التصريحات لا تهم المتعاملين في السندات فقط، بل تمتد إلى الشركات ونتائج الأعمال مباشرة. فاستمرار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة نسبيًا لفترة أطول ينعكس على:

  • تكلفة التمويل للشركات التي تعتمد على الاقتراض أو إعادة تمويل الديون.
  • تقييمات الأسهم، خصوصًا في القطاعات الحساسة لسعر الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات.
  • خطط التوسع والاستحواذ، إذ تصبح الشركات أكثر حذرًا في ضخ استثمارات جديدة.
  • البنوك التي توازن بين هوامش ربح أفضل من جهة، وضغوط محتملة على جودة الائتمان من جهة أخرى.

وبالنسبة للبنوك الإقليمية الأميركية، فإن نبرة شميد تحظى بمتابعة خاصة لأنه قادم من خلفية مصرفية عملية، ولأن بنك كانساس سيتي الفيدرالي يتعامل عن قرب مع المؤسسات البنكية داخل منطقته. ولهذا، فإن تشديده على توقعات التضخم يحمل أيضًا رسالة ضمنية إلى مجالس إدارات البنوك والشركات: التخطيط للعام المالي المقبل يجب أن يفترض بقاء السياسة النقدية الأميركية مقيدة نسبيًا إلى أن يقتنع الفيدرالي تمامًا بأن التضخم عاد للمسار المستدام.

لماذا يهم هذا القارئ المصري؟

بالنسبة لمصر والأسواق الناشئة عمومًا، فإن مسار الفائدة الأميركية ليس خبرًا بعيدًا. الأبحاث الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه تؤكد أن تغيّرات السياسة النقدية الأميركية تترك أثرًا ملموسًا على النشاط الاقتصادي والأسواق المالية في الاقتصادات الناشئة. وكلما طال أمد الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة، زادت المنافسة على السيولة العالمية وارتفع العائد المطلوب على الاستثمارات في الأسواق الأخرى.

ومن زاوية محلية، يراقب المستثمرون في مصر هذه الإشارات لأنها تؤثر على شهية الأجانب تجاه أدوات الدين والأسهم، وعلى تكلفة التمويل الخارجي للشركات، وكذلك على تقييمات الأصول في الأسواق الناشئة. كما أن البنك المركزي المصري أبقى في 9 يوليو 2026 على أسعار العائد الرئيسية دون تغيير عند 19.00% للإيداع لليلة واحدة و20.00% للإقراض لليلة واحدة و19.50% لسعر العملية الرئيسية، في قرار عكس حساسية السياسة النقدية المحلية للتطورات العالمية بجانب الظروف الداخلية.

شميد بين الحذر والواقعية

ما يميز موقف شميد أنه لا يتبنى تشددًا شكليًا بقدر ما يركز على استدامة الانخفاض في التضخم. فهو لا ينكر التقدم المحقق، لكنه يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في إعلان الانتصار مبكرًا. من منظور الشركات، هذه المقاربة أكثر عملية من الاكتفاء بتوقع خفض سريع ومتتابع للفائدة؛ لأنها تضع القرارات الاستثمارية والتمويلية أمام سيناريو أكثر تحفظًا.

وفي المحصلة، تبدو رسالة رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي واضحة: ما دام هناك احتمال لأن تعاود توقعات التضخم الارتفاع، فإن الاحتياطي الفيدرالي لا يملك رفاهية التسرع. وهذه الرسالة، وإن صدرت من واشنطن النقدية، تمتد آثارها إلى قرارات الشركات والبنوك والمستثمرين من وول ستريت إلى الأسواق الناشئة، بما فيها السوق المصرية.

الخلاصة: أخطر ما يخشاه شميد ليس مجرد قراءة تضخم مرتفعة في شهر واحد، بل أن تقتنع الشركات والمستهلكون بأن التضخم سيبقى جزءًا دائمًا من المشهد. عندها فقط تصبح المعركة أصعب، وتصبح كلفة استعادة الاستقرار أعلى على الأعمال والاقتصاد معًا.