الإقتصادي

شيفرون تضخ 88 مليون دولار للتنقيب البحري في مصر

اتفاق جديد يعزز رهان مصر على الغاز في البحر المتوسط

وقعت الشركة القابضة المصرية للغازات الطبيعية إيجاس اتفاقًا جديدًا مع شركة شيفرون الأمريكية للتنقيب عن الغاز الطبيعي والزيت الخام في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، في خطوة تعكس استمرار توجه الدولة لزيادة الاستثمارات في أنشطة البحث والاستكشاف بالمياه العميقة. وبحسب ما أعلنته وزارة البترول والثروة المعدنية في 5 أكتوبر 2026، تبلغ الاستثمارات الدنيا للاتفاق 88 مليون دولار.

الاتفاق جرى توقيعه بحضور المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، ويشمل حفر بئرين استكشافيتين إلى جانب إعادة معالجة بيانات المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد، بهدف تحسين فهم التراكيب الجيولوجية وفتح فرص جديدة في منطقة لم تشهد من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، وفق بيانات الوزارة وتقارير صحفية مصرية.

أين تقع منطقة لوتس؟ ولماذا تحظى بالأهمية؟

تقع منطقة لوتس البحرية على مسافة تقارب 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط المصري، وفي أعماق مياه تتراوح بين 2000 و2800 متر. هذه الأعماق تضع الامتياز ضمن مشروعات المياه العميقة مرتفعة التكلفة والمخاطر الفنية، لكنها في الوقت نفسه من أكثر المناطق جذبًا للشركات الكبرى عندما تكون المؤشرات الجيولوجية واعدة.

أهمية الصفقة لا ترتبط فقط بقيمة الاستثمار المعلنة، بل بطبيعة المنطقة نفسها. فالتنقيب في المياه العميقة يحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة وخبرة تشغيلية كبيرة، وهو ما يجعل مشاركة شركة بحجم شيفرون مؤشرًا مهمًا على بقاء مصر ضمن خريطة الفرص الإقليمية في شرق المتوسط، خاصة مع استمرار البحث عن اكتشافات جديدة تدعم السوق المحلية وتقلل الضغط على الواردات.

ماذا يتضمن برنامج العمل؟

وفق التفاصيل المعلنة، يرتكز البرنامج الأولي على مسارين أساسيين:

  • حفر بئرين استكشافيتين في المياه العميقة داخل الامتياز البحري.
  • إعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد لتحسين التقييم الجيولوجي وتقليل مخاطر الحفر.

هذا النوع من إعادة المعالجة أصبح عنصرًا أساسيًا في قرارات الاستثمار البترولي الحديثة، لأنه يسمح بإعادة قراءة البيانات القديمة باستخدام تقنيات أحدث، ما قد يغير تقييم الجدوى الاقتصادية لبعض التراكيب ويزيد احتمالات الوصول إلى اكتشافات قابلة للتنمية.

رسالة وزارة البترول: جذب استثمارات وزيادة الإنتاج

الوزارة ربطت الاتفاق مباشرة بخطتها لتوسيع أعمال الاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام المستثمرين. وأكد كريم بدوي أن الشراكة مع شيفرون تعكس استمرار اهتمام الشركة بالسوق المصرية، مع تطلع الحكومة إلى أن تثمر أعمال الحفر عن موارد جديدة تدعم الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

هذه الرسالة تتماشى مع توجه أوسع تعلن عنه الوزارة منذ شهور، يقوم على تسريع الاستكشافات والإنتاج وتحسين البيئة الاستثمارية لشركاء القطاع. وتظهر البيانات الرسمية المنشورة على موقع الوزارة أن مصر وقعت خلال الفترة من يوليو 2014 حتى يونيو 2025 نحو 152 اتفاقية بترولية جديدة مع شركات دولية، باستثمارات دنيا تقارب 23.856 مليار دولار، وتشمل حدًا أدنى يبلغ 566 بئرًا استكشافية. كما تشير البيانات نفسها إلى إبرام 25 اتفاقية خلال العام المالي 2024/2025 وحده، باستثمارات دنيا قدرها 1.225 مليار دولار لحفر 115 بئرًا جديدة.

ما علاقة الاتفاق بخطة مصر في شرق المتوسط؟

الصفقة الجديدة لا يمكن فصلها عن الرهان المصري الأوسع على شرق المتوسط كمصدر رئيسي لتعزيز المعروض المحلي من الغاز وترسيخ دور مصر كمركز إقليمي للطاقة. ففي 22 سبتمبر 2026، ناقش وزير البترول مع خافيير لا روزا، رئيس الأصول الأساسية والدول الناشئة في شيفرون، خطط الشركة للتوسع في أنشطة الاستكشاف بمصر، إلى جانب تسريع الإجراءات الخاصة بربط حقل أفروديت القبرصي بالبنية التحتية المصرية.

هذا الربط بين مشروعات الاستكشاف المحلية ومشروعات البنية التحتية الإقليمية مهم للغاية بالنسبة للسوق المصرية. فكل اكتشاف جديد أو تدفق غاز إضافي إلى الشبكة المصرية يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة احتياجات السوق، سواء على مستوى الاستهلاك المحلي أو تشغيل محطات الإسالة والتصدير عندما تسمح ظروف السوق والإنتاج.

كيف تنظر السوق إلى شيفرون في مصر؟

شيفرون ليست لاعبًا جديدًا على الساحة المصرية، لكنها تتحرك بحذر محسوب في ملف الاستكشاف البحري. وتشير تقارير محلية إلى أن الشركة تستثمر حاليًا في ست مناطق بحرية للبحث عن النفط والغاز، بينما يتقاطع نشاطها في المنطقة مع ملفات إقليمية أخرى، أبرزها تطوير الغاز في شرق المتوسط.

وجود شركة عالمية بهذا الحجم في منطقة جديدة مثل لوتس يعطي إشارة إيجابية للمستثمرين والمتابعين لسوق الطاقة في مصر، خصوصًا أن أنشطة الحفر في المياه العميقة تحتاج التزامًا ماليًا وتقنيًا طويل الأجل. وإذا أسفرت البئران عن مؤشرات إيجابية، فقد يمهد ذلك لمرحلة لاحقة من التقييم والتنمية تتجاوز قيمة الاستثمار الأولي المعلنة.

تأثير محتمل على الاقتصاد المحلي وميزان الطاقة

من زاوية اقتصادية، تكتسب الاتفاقية أهميتها من كونها تضيف إنفاقًا استثماريًا مباشرًا بالعملة الأجنبية في قطاع حيوي، وتدعم سلاسل الخدمات المرتبطة بالاستكشاف البحري، من الدراسات الفنية إلى خدمات الحفر واللوجستيات. أما الأثر الأهم على المدى المتوسط، فيرتبط بإمكانية الوصول إلى اكتشافات جديدة تخفف الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وكانت تقارير مصرية قد أشارت إلى أن تحسين انتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب ساهم في تشجيع الشركات العالمية على تسريع برامج الحفر والتنمية. وفي هذا السياق، يبدو اتفاق لوتس جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تنشيط الاستثمارات الاستكشافية، وليس مجرد صفقة منفصلة.

ماذا بعد توقيع الاتفاق؟

المرحلة التالية ستكون حاسمة؛ إذ ستنتقل شيفرون وإيجاس من توقيع الالتزام إلى تنفيذ برنامج العمل الفني، بدءًا بإعادة معالجة البيانات ثم التحضير للحفر. وفي مشروعات المياه العميقة، تستغرق هذه المراحل وقتًا أطول من الامتيازات التقليدية بسبب التعقيدات الفنية وارتفاع الكلفة والحاجة إلى تجهيزات متخصصة.

لكن من منظور سوق الطاقة المصرية، فإن الرسالة الأساسية واضحة: مصر تواصل فتح مناطق جديدة أمام الاستكشاف البحري، وتراهن على الشركات الكبرى لزيادة فرص اكتشاف الغاز والزيت في المتوسط. وإذا نجح برنامج لوتس في تحقيق نتائج مشجعة، فقد يتحول الاتفاق الحالي إلى نقطة انطلاق لمزيد من الاستثمارات في واحدة من أكثر مناطق الاستكشاف حساسية وأهمية بالنسبة لأمن الطاقة في البلاد.