صراع إيران يعيد توجيه المستثمرين من النفط إلى الكهرباء والمعادن
لماذا لا يكون النفط هو الرابح الأكبر دائما؟
عندما تتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يكون الافتراض السريع في الأسواق أن النفط هو المستفيد الأول. لكن القراءة الأعمق لتحركات المستثمرين خلال موجات التوتر المرتبطة بإيران تشير إلى صورة أكثر تعقيدا: فالمكاسب السريعة في الخام قد تبقى رهينة الخبر العسكري اليومي، بينما تبدو أسهم الكهرباء والمرافق وبعض المعادن أقرب إلى الاستفادة الأطول أجلا من أي اضطراب ممتد في منظومة الطاقة العالمية.
هذه الفكرة تستند إلى منطقين متوازيين. الأول أن ارتفاع المخاطر حول الإمدادات، وخاصة في محيط مضيق هرمز، يرفع قيمة الأصول المرتبطة بأمن الطاقة وليس فقط برميل النفط نفسه. والثاني أن أي صدمة في الوقود الأحفوري تعيد إلى الواجهة الحاجة إلى شبكات كهرباء أكثر موثوقية، واستثمارات إضافية في البنية التحتية، وهو ما يمنح المعادن الصناعية والثمينة مساحة أكبر في المحافظ الاستثمارية.
هرمز يظل عقدة الطاقة الأخطر عالميا
بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكّل النفط العابر عبر مضيق هرمز في 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، كما مثل نحو خُمس استهلاك النفط والمنتجات البترولية في العالم. وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن متوسط الشحنات التي عبرت المضيق في 2025 بلغ قرابة 20 مليون برميل يوميا، ما يفسر لماذا تبالغ الأسواق في تسعير المخاطر كلما اقترب التوتر من هذا الممر الحيوي.
لكن المفارقة أن هذا النوع من المخاطر لا يعني دائما صعودا مستمرا للنفط. فالسوق تقيس أيضا احتمالات تراجع الطلب العالمي، وتباطؤ النمو، وقدرة المنتجين على إعادة توجيه الشحنات أو استخدام مسارات بديلة. لذلك قد يقفز الخام بقوة في البداية، ثم يفقد جزءا من زخمه إذا رأت السوق أن الصدمة مؤقتة أو قابلة للاحتواء.
من النفط إلى المرافق: أين يرى المستثمرون القيمة؟
الاستراتيجيون في السوق باتوا يميزون بين تأثير الصدمة وتأثير إعادة التسعير الهيكلي. الصدمة تدعم النفط فورا، لكن إعادة التسعير الهيكلي قد تصب في صالح شركات المرافق والكهرباء وشبكات النقل والتخزين. السبب أن فترات الاضطراب الطويلة تدفع الحكومات والشركات إلى أولوية واحدة: ضمان الإمداد واستقرار الشبكات وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية.
وهنا يظهر دور المعادن بوضوح، خاصة تلك المستخدمة في شبكات الكهرباء، والمحولات، والكابلات، ومشروعات التوليد والنقل. البنك الدولي أشار في تقاريره عن أسواق السلع إلى أن الذهب يواصل الاستفادة من طلب الملاذ الآمن، بينما تحظى بعض المعادن الأساسية بدعم من اختناقات المعروض واستمرار الإنفاق على البنية التحتية والتحول الطاقي، حتى مع تذبذب النمو العالمي.
بمعنى آخر، إذا كان النفط هو أول من يتفاعل مع الخطر، فإن الكهرباء والمعادن قد تكونان الأكثر قدرة على ترجمة هذا الخطر إلى قصة استثمارية أطول نفسا.
الذهب والنحاس في الصورة
داخل سلة المعادن، يبرز الذهب باعتباره المستفيد التقليدي من القلق الجيوسياسي، خصوصا عندما تتراجع شهية المخاطرة في الأسهم أو تتزايد التوقعات بخفض الفائدة عالميا. البنك الدولي قال في أبريل 2025 إن متوسط سعر الذهب مرشح لتسجيل مستوى قياسي جديد خلال ذلك العام قبل أن يستقر لاحقا، وهو ما يعكس استمرار جاذبية المعدن النفيس كأداة تحوط.
أما النحاس، فقصته مختلفة. هو ليس ملاذا آمنا بقدر ما هو رهان على كهربة الاقتصاد العالمي. أي زيادة في الاستثمار في الشبكات، ومراكز البيانات، ومعدات الطاقة، والتوصيلات العابرة للحدود، تعني طلبا أعلى على النحاس ومجموعة من المعادن الصناعية. لذلك، حين ترتفع المخاوف من اضطراب الوقود التقليدي، لا ينظر كثير من المستثمرين إلى النفط فقط، بل إلى كل ما يلزم لبناء نظام طاقة أكثر مرونة.
لماذا قد لا يحتفظ النفط بالصدارة؟
- تقلبات أعلى: أسعار الخام تتفاعل بشدة مع الأخبار العسكرية ثم تعيد التقييم بسرعة.
- مخاطر الطلب: أي صدمة طاقة كبيرة قد تضغط على النمو العالمي، ما يحد من استدامة صعود النفط.
- وفرة نسبية في المعروض العالمي: البنك الدولي توقع في 2025 أن يتراجع متوسط أسعار السلع الأولية مع تباطؤ النمو ووفرة الإمدادات النفطية نسبيا، رغم بقاء التوترات الجيوسياسية عاملا معاكسا.
- أفضلية البنية التحتية: الإنفاق على المرافق والكهرباء والمعادن قد يستمر حتى بعد هدوء موجة الخوف الأولى في النفط.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، القصة لا تتوقف عند حركة خام برنت. مصر تقع في قلب خرائط الطاقة والعبور البحري، وأي اضطراب في الخليج أو هرمز ينعكس على فاتورة الاستيراد، وتكاليف الشحن، وتدفقات التجارة والطاقة. لهذا يكتسب خط سوميد أهمية خاصة في مثل هذه الفترات.
ووفقا لبيانات رسمية نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات نقلا عن وزارة البترول في 10 يوليو 2024، ارتفعت طاقة خطوط سوميد إلى 117 مليون طن سنويا. كما يمتد الخط بطول 320 كيلومترا من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط. وفي مارس 2026، قالت وزارة البترول إن الخط لا يزال مسارا محوريا لصادرات الخام الخليجية إلى الأسواق العالمية، فيما أشارت تغطيات محلية إلى استعداد مصر للمساعدة في عبور الخام السعودي عبر سوميد إذا تعطلت بعض مسارات الشحن الخليجية.
هذه النقطة مهمة لأن مصر، حتى وهي تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة، يمكنها في الوقت نفسه الاستفادة من دورها اللوجستي كممر ومركز إقليمي. لذلك فإن متابعة المستثمر المصري للأسواق العالمية يجب أن تشمل ليس فقط النفط، بل أيضا شركات المرافق، والمعادن، والبنية التحتية للطاقة، ومسارات النقل الاستراتيجية التي تمثل فيها مصر وزنا خاصا.
كريم بدوي في قلب ملف الجاهزية
الاسم الأبرز محليا في هذا الملف هو المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، الذي تولى المنصب رسميا في 3 يوليو 2024. وخلال 2026، ظهر ملف الجاهزية اللوجستية والطاقة في مصر بوضوح في أكثر من تحرك رسمي مرتبط بسوميد وميناء العين السخنة، في ظل سعي القاهرة لتأمين الإمدادات وتعزيز مرونة البنية التحتية للطاقة.
الخلاصة: الرهان الأذكى أوسع من برميل النفط
الخلاصة التي تفرض نفسها في الأسواق العالمية هي أن التوتر مع إيران يقوي حجة الاستثمار في الكهرباء والمعادن أكثر من النفط وحده. فالخام يظل أداة الاستجابة الأولى للأزمة، لكنه ليس بالضرورة المستفيد الأكثر استقرارا إذا امتد الاضطراب أو تحولت الصدمة إلى قصة أمن طاقة وبنية تحتية واستبدال مسارات.
لذلك، فإن أي قراءة مهنية للمرحلة المقبلة يجب أن تضع ثلاثة محاور في الاعتبار:
- النفط كمؤشر سريع على تسعير الخطر الجيوسياسي.
- الذهب كملاذ في أوقات عدم اليقين.
- المرافق والمعادن كرهان أطول أجلا على إعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية.
ومن زاوية مصرية، تزداد أهمية هذه القراءة لأن تداعيات السوق لا تمر فقط عبر سعر الخام، بل أيضا عبر الملاحة، وسوميد، وتكاليف الكهرباء والغاز، ومكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة. ولهذا قد يكون السؤال الأهم للمستثمر الآن ليس: إلى أين يذهب النفط؟ بل: أي الأصول ستربح أكثر إذا أصبح أمن الطاقة هو العنوان الرئيسي للعالم؟