الإقتصادي

صعود النفط يضغط على مصر مع اضطراب هرمز وباب المندب

أسعار النفط تنهي يوليو على مكاسب قوية وسط قلق الإمدادات

اختتمت سوق النفط تعاملات نهاية يوليو 2026 على نغمة حذرة، بعدما حافظت الأسعار على مستويات مرتفعة نسبيًا مقارنة ببداية الشهر، في ظل استمرار متابعة المتعاملين لمخاطر الشحن عبر مضيق هرمز وباب المندب. هذا المشهد أعاد علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى التسعير، خاصة مع بقاء ملف المحادثات الأمريكية الإيرانية عاملًا مؤثرًا في اتجاه السوق، إلى جانب حساسية حركة الناقلات في أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا.

وبحسب البيانات المنشورة على موقع وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، بلغ سعر خام برنت 89.95 دولارًا للبرميل في تحديث 20 يوليو 2026، ثم أظهر تحديث لاحق للموقع باللغة الإنجليزية وصوله إلى 93.28 دولارًا بتاريخ 22 يوليو 2026، وهو ما يعكس حجم التقلبات التي شهدتها السوق خلال النصف الثاني من الشهر.

لماذا ترتفع الأسعار الآن؟

السبب الرئيسي وراء الدعم الشهري لأسعار الخام يتمثل في المخاوف المرتبطة بسلامة الإمدادات وليس في نقص مؤكد بالإنتاج وحده. تقارير رويترز المنقولة عبر منصات مالية أظهرت أن السوق ظلت تراقب عن كثب أي تعطّل محتمل في عبور الشحنات عبر هرمز، وهو الممر الذي كان ينقل قبل اندلاع الحرب الإيرانية في 2026 نحو خُمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال. كما زادت أهمية باب المندب بعد تأثر مسارات البحر الأحمر، بما رفع تكلفة التأمين والشحن وأعاد تشكيل طرق التجارة البحرية للطاقة.

وتشير بيانات Kpler التي نقلتها رويترز في منتصف يوليو إلى أن نحو 7.4 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية عبرت باب المندب خلال يونيو 2026، بما يعادل قرابة 7% من الإنتاج النفطي العالمي. هذه الأرقام تفسر لماذا يتعامل المستثمرون مع أي تهديد مزدوج لهرمز وباب المندب باعتباره عاملًا سريع التأثير على الأسعار، حتى قبل حدوث انقطاع فعلي واسع النطاق.

المحادثات الأمريكية الإيرانية تكبح الاندفاع الكامل

رغم بقاء المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، فإن السوق لم تتحرك في اتجاه صعودي أحادي؛ إذ حدّت مؤشرات التهدئة السياسية من حدة المكاسب في بعض الجلسات. ففي 28 يوليو 2026، تراجعت الأسعار مع تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى تسوية أو تفاهم يخفف التوتر بين واشنطن وطهران ويُسهم في عودة أكثر سلاسة لحركة الشحن. كما نقلت رويترز عن محللين توقعات بأن يتراجع خام برنت إلى حدود 80 دولارًا للبرميل بنهاية 2026 إذا عاد المرور عبر هرمز إلى طبيعته بالكامل خلال الربع الرابع، مع بقاء البحر الأحمر مصدرًا قائمًا للمخاطر الصعودية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى مصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية صعود أسعار النفط لا تتوقف عند كونه خبرًا عالميًا؛ بل ترتبط مباشرة بفاتورة الاستيراد، وتكلفة توفير المنتجات البترولية، وضغوط الموازنة والدعم، فضلًا عن تداعياته على النقل والشحن وسلاسل الإمداد. وتُظهر وزارة البترول أن الحكومة تتابع يوميًا الأسعار العالمية للخام بالتوازي مع أسعار المنتجات المحلية، وهو ما يعكس حساسية السوق المصرية تجاه أي صعود مستمر في برنت.

وفي الوقت نفسه، تعمل القاهرة على رفع الإنتاج المحلي وتقليل الضغوط الناتجة عن تقلبات السوق الدولية. وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي أعلن في 9 يوليو 2026 أن تسوية متأخرات الشركاء الأجانب بالكامل، بعد أن كانت قد تجاوزت 6 مليارات دولار قبل عامين، ساعدت على استعادة ثقة المستثمرين وعودة إنتاج الخام في مصر إلى مسار النمو. كما أوضح أن تأمين استقرار إمدادات الطاقة خلال الصيف يمثل أولوية تشغيلية للحكومة.

وتدعم هذه الرسالة أرقام أخرى أعلنتها الوزارة في يونيو 2026، إذ أشارت إلى ارتفاع إنتاج الزيت الخام في مصر إلى أكثر من 540 ألف برميل يوميًا، مع تسجيل حقول سيناء البحرية أعلى معدل إنتاج يومي لها منذ 9 سنوات عند 27 ألف برميل يوميًا. ورغم أن هذه الزيادات لا تعزل السوق المحلية عن الأسعار العالمية، فإنها تمنح الدولة مساحة أفضل لإدارة المخاطر المرتبطة بالاستيراد وتقلبات السوق.

قناة السويس في قلب المعادلة

أي اضطراب في البحر الأحمر أو باب المندب لا يخص النفط وحده، بل يمتد مباشرة إلى قناة السويس، التي تظل أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة والطاقة. ولهذا تتابع مصر تطورات الملاحة في المنطقة باعتبارها مسألة اقتصادية وسيادية في آن واحد. ووفق بيانات رسمية نقلتها الهيئة العامة للاستعلامات، أكد الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس أن القناة تواصل تطوير خدماتها البحرية والتواصل مع الخطوط الملاحية رغم التحديات الإقليمية المستمرة.

كما أظهرت بيانات رسمية أخرى أن القناة سجلت منذ بداية 2026 مرور 1315 سفينة بحمولة صافية إجمالية بلغت 56 مليون طن، بإيرادات قدرها 449 مليون دولار، مقابل 1243 سفينة و47 مليون طن و368 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق. ورغم أن هذه الأرقام تخص فترة محددة وليست حصيلة سنوية كاملة، فإنها تعكس كيف تحاول القناة الحفاظ على جاذبيتها في ظل إعادة رسم مسارات الشحن العالمية تحت ضغط المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.

وفي ديسمبر 2025، كانت هيئة قناة السويس قد توقعت نمو إيراداتها إلى نحو 8 مليارات دولار في السنة المالية 2026/2027، مع احتمال الوصول إلى 10 مليارات دولار في 2027/2028، اعتمادًا على تحسن أعداد السفن والحمولات وتوسيع الخدمات البحرية. لكن استمرار الاضطراب في باب المندب يظل متغيرًا أساسيًا قد يؤثر في وتيرة هذا التعافي.

كيف يقرأ المستثمرون المشهد المقبل؟

السوق حاليًا تتحرك بين قوتين متعارضتين: الأولى هي مخاطر الإمدادات التي ترفع الأسعار كلما زادت احتمالات تعطل المرور أو ارتفعت كلفة التأمين والنقل، والثانية هي رهانات التهدئة التي تضغط على الأسعار كلما ظهرت إشارات إلى انفراج سياسي أو إلى عودة أكثر انتظامًا للتدفقات عبر هرمز. لذلك، فإن مسار أغسطس 2026 سيتوقف بدرجة كبيرة على الأخبار الميدانية الخاصة بالناقلات، وعلى أي تقدم ملموس في قنوات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران.

ومن زاوية مصرية، ستظل المتابعة مركزة على ثلاثة ملفات متزامنة: سعر خام برنت، وتكلفة تأمين إمدادات الوقود، وحركة العبور في قناة السويس. فكل ارتفاع مطول في النفط يزيد الضغوط على الاقتصاد المستورد للطاقة جزئيًا، بينما أي تحسن في الملاحة الإقليمية قد يخفف العبء على التجارة والنقل ويمنح القناة مساحة أكبر لاستعادة زخمها.

الخلاصة أن النفط أنهى يوليو بمكاسب شهرية لافتة مدفوعًا بعامل جيوسياسي واضح، لكن الصورة لم تُحسم بعد. وإذا استمرت التوترات حول هرمز وباب المندب، فستبقى الأسعار شديدة الحساسية لأي خبر جديد، وستبقى مصر، بحكم موقعها ودورها في تجارة الطاقة والعبور البحري، من أكثر الدول في المنطقة متابعةً لتفاصيل هذا الملف يومًا بيوم.