الإقتصادي

ضرائب البورصة بعد 26 يوليو 2026: هل تغيّر معادلة الجاذبية؟

مصلحة الضرائب المصرية تعيد صياغة رسالة السوق

أعطى إعلان مصلحة الضرائب المصرية في 26 يوليو 2026 إشارة مباشرة إلى أن الدولة تريد تسعير سوق المال المصري على أساس أوضح وأبسط ضريبيا. فبحسب ما أعلنته رئيس المصلحة رشا عبد العال، جاءت التعديلات على قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 وقانون ضريبة الدمغة رقم 111 لسنة 1980 لمعالجة ملف ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية لدى المستثمرين: الازدواج الضريبي في بعض تعاملات الأوراق المالية، خاصة ما يتصل بتوزيعات الأرباح والتصرفات على الأوراق المقيدة وغير المقيدة.

الرسالة الأساسية هنا ليست فنية فقط، بل استثمارية أيضا: كلما أصبحت القاعدة الضريبية أبسط وأكثر قابلية للتنبؤ، ارتفعت قدرة المستثمر على تسعير المخاطر، وتحسنت قابلية الشركات لاتخاذ قرار القيد، وزادت فرص تحسن السيولة اليومية داخل البورصة المصرية.

ماذا تغير فعليا في ضرائب البورصة؟

وفق بيان المصلحة الصادر في 26 يوليو، ثم التوضيح اللاحق في 3 أغسطس 2026 ضمن حزمة التسهيلات الضريبية الثانية، تضمنت التعديلات عدة نقاط محورية تمس سوق الأوراق المالية بشكل مباشر:

  • إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع الاكتفاء بخضوعها لضريبة الدمغة النسبية.
  • استبعاد عمليات بيع الأوراق المالية غير المقيدة من الخضوع لضريبة الدمغة، والاكتفاء بخضوعها لضريبة الدخل، بما يستهدف إنهاء الازدواج الضريبي في هذا المسار.
  • إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة، في ضوء دوره في دعم السيولة وزيادة معدلات التداول.
  • منح حوافز نقدية للشركات التي تقيد أسهمها في البورصة المصرية وفقا لمعايير محددة.
  • استحداث آلية واضحة ومبسطة لاحتساب تكلفة اقتناء الأوراق المالية غير المقيدة لتيسير المحاسبة الضريبية على الأرباح الرأسمالية.

هذه الحزمة لم تأت من جهة واحدة؛ فالمصلحة قالت صراحة إن التنسيق جرى بين وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية، وهو أمر مهم لأن أي إصلاح ضريبي في سوق المال يفقد أثره إذا لم يكن منسجما مع البنية التنظيمية والرقابية للسوق.

لماذا يعتبر إنهاء الازدواج الضريبي نقطة تسعير لا مجرد تعديل قانوني؟

في الأسواق، المستثمر لا ينظر فقط إلى معدل الضريبة، بل إلى وضوح القاعدة الضريبية. وجود أكثر من عبء على النشاط نفسه، أو غموض حول ما إذا كانت المعاملة تخضع لضريبة دخل أم دمغة أم كليهما، يرفع ما يمكن تسميته بـعلاوة عدم اليقين. هذه العلاوة تظهر في صورة خصم على التقييمات، أو إحجام عن التداول، أو تفضيل أدوات وأسواق بديلة.

من هنا، فإن الاكتفاء بضريبة الدمغة النسبية على الأوراق المالية المقيدة، مع إعفاء الأرباح الرأسمالية عليها من ضريبة الدخل، يرسل إشارة بأن التداول في السوق المنظم أصبح أكثر قابلية للفهم والحساب. وفي المقابل، فإن إخضاع غير المقيد لضريبة الدخل فقط، دون الدمغة، يعيد الفصل بين طبيعة كل سوق ويقلل التداخل الذي كان يربك المستثمرين والمحاسبين ومديري الأصول.

الأثر الأول: تحسن قابلية المقارنة

عندما تصبح المعاملة الضريبية معروفة سلفا، يمكن للمستثمر المحلي والأجنبي بناء نموذج عائد صاف بعد الضريبة بسهولة أكبر. وهذا مهم خصوصا للمؤسسات التي تقارن بين أسواق ناشئة عدة، حيث لا تنافس مصر على العائد وحده، بل أيضا على بساطة التنفيذ واليقين التشريعي.

الأثر الثاني: تقليص تكلفة الامتثال

استحداث آلية مبسطة لاحتساب تكلفة اقتناء الأوراق غير المقيدة ليس بندا ثانويا. في الواقع، هذه النقطة تخفض تكلفة الامتثال والمراجعة والمنازعات المحتملة، وهي عناصر تؤثر فعليا في قرار الاستثمار، حتى لو لم تظهر مباشرة على شاشة الأسعار.

كيف قد ينعكس ذلك على جاذبية البورصة المصرية؟

إذا نظرنا إلى التعديلات من زاوية السوق، فهناك ثلاث قنوات رئيسية قد تعيد تسعير جاذبية البورصة المصرية.

1) السيولة اليومية وحجم التداول

إعفاء صانع السوق من ضريبة الدمغة يحمل دلالة كبيرة. فالهيئة العامة للرقابة المالية، برئاسة الدكتور إسلام عزام، كانت قد أكدت في يوليو 2026 أن آلية صانع السوق ضمن أولويات تطوير سوق رأس المال، وأنها من الأدوات المهمة لتعزيز استقرار التداولات وزيادة السيولة، مع الإشارة إلى تمتع المتعاملين بهذه الآلية بالإعفاء من ضريبة الدمغة. وبالنسبة للسوق المصري، الذي يعمل أيضا على تطوير المشتقات والبيع على المكشوف، فإن دعم صانع السوق يعني تقليل فجوات الأسعار وتحسين عمق أوامر الشراء والبيع، وهو ما ينعكس عادة على جاذبية الأسهم الأكبر ثم يمتد تدريجيا إلى شريحة أوسع من الأوراق المالية.

2) قرارات القيد والطروحات

التعديلات لم تكتف بمعالجة التداول، بل أضافت حافزا نقديا للشركات التي تقيد أسهمها في البورصة. هذه النقطة مهمة لأن المنافسة على جذب الشركات العائلية والخاصة إلى السوق لا تعتمد فقط على التقييمات، بل أيضا على الكلفة الكلية للقيد والالتزام اللاحق. وإذا اقترنت الحوافز الضريبية بتحسن شهية المستثمرين، فقد تصبح البورصة أداة تمويل أكثر جاذبية للشركات التي تؤجل الطرح بسبب الكلفة أو التعقيد.

وفي هذا السياق، كان عمر رضوان رئيس البورصة المصرية قد تحدث في مايو 2026 عن استهداف جذب مزيد من الشركات العائلية الكبرى إلى السوق، كما أشار في تصريحات لاحقة إلى استقبال أكثر من 300 ألف مستثمر جديد منذ بداية 2026 حتى وقت التصريح. ورغم أن هذه الأرقام لا تعني تلقائيا موجة طروحات فورية، فإنها توضح أن القاعدة الاستثمارية تتسع، ما يجعل أي تخفيف ضريبي أكثر قابلية للتحول إلى نشاط فعلي.

3) المستثمر الأجنبي واليقين الإجرائي

مصلحة الضرائب كانت قد وقعت في 2 مارس 2026 مذكرة تفاهم مع الشركة المصرية للإيداع والقيد المركزي لتنظيم إجراءات المعاملة الضريبية لعوائد الصكوك السيادية للمستثمرين غير المقيمين، مع تحديد المستندات المطلوبة للاستفادة من نسب الضريبة الواردة في اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، ووضع آليات أوضح لرد فروق الضريبة. ورغم أن هذه الخطوة تخص أدوات دين حكومية لا الأسهم مباشرة، فإنها تكشف اتجاها مؤسسيا أوسع داخل المصلحة نحو اليقين الضريبي وسرعة رد الفروق وتقليل زمن المعاملة. هذا الاتجاه بحد ذاته عامل داعم لصورة السوق المصري لدى المستثمر غير المقيم.

ما الذي قد يبقى عالقا رغم الإيجابية؟

مع ذلك، لا يكفي التعديل الضريبي وحده لصنع موجة صعود دائمة. فالجاذبية النهائية للبورصة ستظل مرتبطة أيضا بعوامل مثل:

  • سرعة صدور التعليمات التنفيذية وتطبيقها عمليا.
  • قدرة شركات السمسرة وأمناء الحفظ ومقدمي الخدمات على مواءمة الأنظمة.
  • استمرار برنامج الطروحات وتنوع الشركات الجديدة.
  • استقرار البيئة الكلية من أسعار فائدة وسيولة وتدفقات أجنبية.

بمعنى آخر، السوق قد يستقبل الخبر إيجابيا باعتباره خفضا للعبء الضريبي الفعلي أو المتوقع على بعض التعاملات، لكن إعادة التسعير الكاملة تحتاج إلى ترجمة هذا الوضوح إلى تدفقات وأحجام تداول وعمليات قيد جديدة.

الخلاصة: مصلحة الضرائب المصرية باتت جزءا من قصة التنافسية

الأهم في تعديلات 26 يوليو 2026 أنها نقلت مصلحة الضرائب المصرية من موقع الجهة المحاسبية فقط إلى موقع الشريك في رفع تنافسية سوق المال. فحين تُعفى الأرباح الرأسمالية للأوراق المقيدة من ضريبة الدخل، ويُعفى صانع السوق من الدمغة، وتُفصل معاملة غير المقيد بما ينهي الازدواج، يصبح الحديث عن الضرائب جزءا من إعادة تسعير البورصة المصرية لا مجرد تحديث تشريعي.

وباللغة العملية التي يفهمها المستثمرون: التعديلات تقلل الغموض، ترفع قابلية التنبؤ، وتخفف الاحتكاك الضريبي في نقاط مؤثرة من دورة الاستثمار. وإذا نجحت الجهات المعنية في استكمال التنفيذ بنفس الدرجة من الوضوح، فإن جاذبية البورصة المصرية قد لا تتحسن فقط في نظر المتعامل الحالي، بل أيضا في نظر الشركات التي لم تُقيد بعد، والمستثمرين الأجانب الذين يقارنون مصر بأسواق ناشئة أخرى في المنطقة.