الإقتصادي

ضريبة الدمغة الجديدة: كيف تعيد تشكيل تداولات البورصة؟

تحول ضريبي جديد في سوق المال المصري

دخلت البورصة المصرية مرحلة ضريبية مختلفة بعد موافقة مجلس النواب نهائيًا، يوم 23 يونيو 2026، على تعديل قانون ضريبة الدمغة بما يستبدل نموذج ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية المقيدة في البورصة بضريبة دمغة نسبية موحدة. التعديل جاء في توقيت حساس لسوق شهد بالفعل نشاطًا قويًا خلال 2026، مع ارتفاع رأس المال السوقي للأسهم المقيدة إلى 3.759 تريليون جنيه بنهاية مايو، وإجمالي تعاملات شهرية بلغت نحو 1.7 تريليون جنيه، بحسب التقرير الشهري للبورصة المصرية الذي نقلته بوابة الأهرام.

الأهمية هنا لا تتعلق فقط بتعديل فني في طريقة التحصيل، بل بإعادة صياغة العلاقة بين المستثمر، والوسيط، ومصلحة الضرائب، وهي علاقة ظلت لسنوات مرتبطة بحالة من عدم اليقين منذ فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية أول مرة في 2014 ثم تعليقها وتمديد التعليق أكثر من مرة.

ماذا أقر البرلمان بالضبط؟

وفق ما نشرته بوابة الأهرام وأهرام أونلاين في 23 يونيو 2026، فإن القانون الجديد يفرض ضريبة دمغة بواقع 0.5 في الألف على إجمالي قيمة عمليات بيع وشراء الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية، على أن يتحملها المشتري والبائع بالتساوي، وتسري على المقيمين وغير المقيمين بالسعر نفسه.

كما تضمن التعديل مزايا واستثناءات مؤثرة في بنية التداول:

  • خفض الضريبة إلى 0.25 في الألف على معاملات التداول اليومي T+0 أو Intraday.
  • إعفاء الشركات المرخص لها بنشاط صانع السوق من الضريبة على العمليات التي تنفذها.
  • استثناء وثائق الاستثمار المقيدة بالبورصة من الخضوع للضريبة، لتجنب الازدواج الضريبي على الصناديق.
  • استمرار إلزام جهات التسوية بحجز الضريبة وتوريدها إلى مصلحة الضرائب خلال خمسة أيام من بداية الشهر التالي للشهر الذي تمت فيه العملية.

اللافت أيضًا أن التعديلات نصت على إلغاء المادة 5 من قانون 199 لسنة 2020، التي كانت قد أعفت المستثمرين المقيمين من ضريبة الدمغة على الأوراق المالية المقيدة اعتبارًا من يناير 2022، ما يعني أن الدولة حسمت خيارها نهائيًا لصالح نموذج الدمغة بدلًا من العودة لنظام الأرباح الرأسمالية على الأسهم المدرجة.

لماذا تخلت الدولة عن ضريبة الأرباح الرأسمالية؟

السبب الرئيسي الذي ظهر بوضوح في تقرير اللجنة البرلمانية هو صعوبة التطبيق والتحصيل. ضريبة الأرباح الرأسمالية بطبيعتها تحتاج إلى تتبع تكلفة الشراء، وسعر البيع، والأرباح المحققة، والخسائر المرحلة، والتعامل مع اختلاف أنواع المستثمرين والعمليات. هذا التعقيد كان مصدر شكوى مستمر من المتعاملين في السوق، كما أنه أبقى ملف الضريبة في حالة تأجيل تشريعي متكرر.

في المقابل، ضريبة الدمغة أبسط بكثير: تُحسب على قيمة العملية نفسها وليس على الربح المحقق منها. ومن وجهة نظر وزارة المالية، التي يقودها أحمد كجوك، فإن هذا النموذج أسهل في التحصيل وأكثر انضباطًا إجرائيًا لأنه يمر عبر جهات التسوية مباشرة، بدلًا من الاعتماد على إقرارات معقدة وحسابات فردية لكل مستثمر.

كيف يمكن أن ينعكس ذلك على تداولات EGX؟

1) وضوح أكبر للمستثمر المحلي والأجنبي

أول أثر متوقع هو تقليص الضبابية الضريبية. المستثمر، خصوصًا الأجنبي والمؤسسي، يفضل عادة القواعد الواضحة والمستقرة حتى لو كانت تفرض تكلفة مباشرة، لأن القدرة على تسعير الكلفة مقدمًا أفضل من البقاء تحت تهديد نموذج ضريبي مؤجل أو قابل للتعديل. توحيد السعر بين المصريين والأجانب عند 0.5 في الألف يبعث أيضًا برسالة مساواة تنظيمية قد تساعد في تسويق السوق المصرية خارجياً.

2) تنشيط التداولات السريعة لكن بضوابط

خفض الدمغة إلى 0.25 في الألف لعمليات التداول اليومي يمنح المتعاملين النشطين حافزًا مباشرًا. هذا قد يرفع أحجام التنفيذ داخل الجلسة، خاصة في الأسهم ذات السيولة المرتفعة. لكن المفارقة أن بعض الصياغات البرلمانية ربطت هذا الخفض أيضًا بهدف الحد من المضاربات العنيفة بالتنسيق مع الهيئة العامة للرقابة المالية، ما يعني أن المشرع يريد سيولة أعلى ولكن ضمن إطار أكثر انضباطًا لا يضر باستقرار الأسعار.

3) دفعة لصناع السوق والصناديق

إعفاء صانع السوق من الضريبة نقطة مهمة غالبًا ما لا تحظى بالاهتمام الشعبي الكافي، رغم أنها مؤثرة في عمق السوق. صانع السوق يوفر عروض شراء وبيع مستمرة ويحد من الفجوات السعرية، وبالتالي فإن إعفاءه قد يساعد في تحسين كفاءة التسعير وتقليل التذبذب في الأسهم الأقل سيولة. كذلك، استثناء وثائق الاستثمار المقيدة من الضريبة يخفف عبئًا كان يمكن أن يصيب صناديق الاستثمار بازدواج ضريبي غير مرغوب.

4) أثر مختلط على المستثمر طويل الأجل

هنا تظهر النقطة الجدلية الأهم. ضريبة الدمغة تُفرض سواء حقق المستثمر ربحًا أو تكبد خسارة، لأنها ترتبط بتنفيذ العملية نفسها. هذا يجعلها أكثر قابلية للتنبؤ، لكنها قد تبدو أقل عدالة لبعض المستثمرين طويلي الأجل مقارنة بضريبة تُفرض على الربح فقط. مع ذلك، يرى مؤيدو التعديل أن انخفاض النسبة وبساطة التطبيق قد يعوضان هذا العيب، خصوصًا إذا أدى ذلك إلى زيادة السيولة وتقليص كلفة عدم اليقين.

لماذا التوقيت مهم الآن؟

السوق المصرية لم تكن راكدة وقت صدور التعديل. في مايو 2026، ارتفع مؤشر EGX30 إلى 52,658 نقطة، وصعد مؤشر EGX70 إلى 14,651 نقطة، بينما بلغ EGX100 نحو 20,477 نقطة. كما قال رئيس البورصة المصرية أحمد الشيخ في تصريحات نقلها مباشر أواخر مايو إن متوسط حجم التداول اليومي خلال الأيام الخمسة الأخيرة تجاوز 12 مليار جنيه. هذه الأرقام تعني أن التعديل لم يأتِ لإنقاذ سوق خاملة، بل لإعادة هندسة بيئة التداول في لحظة نشاط فعلي.

ومن هنا يمكن فهم الرهان الحكومي: إذا كانت السوق تتحرك بالفعل، فإن إزالة التعقيد الضريبي قد تساعد على تثبيت هذا الزخم، وربما توسيعه عبر جذب شرائح جديدة من المستثمرين والشركات الراغبة في القيد.

من الرابح ومن الخاسر؟

  • الرابح المحتمل: شركات السمسرة، المتعاملون النشطون، صناع السوق، وصناديق الاستثمار، لأن القانون يمنحهم وضوحًا أو خفضًا أو إعفاءً مباشرًا.
  • الرابح المحتمل أيضًا: الدولة من زاوية سهولة التحصيل وتقليل النزاعات المرتبطة بحساب الأرباح الرأسمالية.
  • المتضرر نسبيًا: المستثمر الذي يفضّل تنفيذ عدد كبير من العمليات مع هوامش ربح ضيقة جدًا، لأن الدمغة ستظل كلفة ثابتة على كل عملية.
  • المراقب بحذر: المستثمر طويل الأجل، الذي سيقارن بين بساطة النظام الجديد وبين فكرة دفع ضريبة حتى في الصفقات غير الرابحة.

هل تكفي الضريبة الجديدة وحدها لدفع السوق؟

الإجابة الواقعية: لا. التعديل مهم، لكنه ليس العامل الوحيد. مستقبل التداول في البورصة المصرية سيظل مرتبطًا أيضًا بسرعة الطروحات الجديدة، وتوسيع قاعدة الشركات المقيدة، واستمرار تطوير آليات السوق، ومستوى الفائدة، واتجاهات الاستثمار الأجنبي، وجودة الإفصاح. لكن ما فعله البرلمان في 23 يونيو 2026 هو إزالة واحدة من أكثر العقد التشريعية إزعاجًا للسوق خلال العقد الأخير.

إذا نجح النظام الجديد في تقديم استقرار تشريعي طويل الأمد، فقد يكون أثره أكبر من نسبته الضريبية نفسها. فالسوق لا تبحث فقط عن ضريبة منخفضة؛ بل تبحث عن قاعدة واضحة يمكن البناء عليها. وفي هذا المعنى، قد تكون ضريبة الدمغة الجديدة أقل شهرة من مؤشرات EGX، لكنها قد تصبح أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل طريقة التداول في البورصة المصرية خلال السنوات المقبلة.