الإقتصادي

ضريبة الدمغة تعيد تشكيل سيولة البورصة وأسهم السمسرة

بداية تنفيذية جديدة في سوق المال المصري

دخلت تعديلات الضرائب على تداولات الأسهم في مصر مرحلة التطبيق العملي مع إعلان شركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي بدء حجز وتوريد ضريبة الدمغة تنفيذًا للقانون رقم 153 لسنة 2026، على أن يبدأ الخصم فعليًا اعتبارًا من تسوية يوم 3 أغسطس 2026، رغم سريان القانون من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 28 يوليو 2026. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تعديل قانون الضريبة على الدخل بالقانون رقم 151 لسنة 2026، الذي أعفى الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، والاكتفاء بضريبة الدمغة النسبية على التداولات.

بالنسبة للمتعاملين في بورصة مصر، فالمعادلة تغيرت بوضوح: بدلًا من ضريبة ترتبط بالربح المحقق عند البيع، أصبحت الضريبة ترتبط بقيمة العملية نفسها، سواء حقق المستثمر ربحًا أو خسارة. وهذا التحول يهم مباشرة مصلحة الضرائب المصرية بوصفها الجهة التي تدير الإطار الضريبي وتنسق مع وزارة المالية والهيئة العامة للرقابة المالية لتقليل الازدواج الضريبي وتنشيط السوق.

ما الذي تغير تشريعيًا؟

القانون رقم 153 لسنة 2026 المعدل لقانون ضريبة الدمغة رقم 111 لسنة 1980 فرض ضريبة على إجمالي عمليات بيع الأوراق المالية المقيدة ببورصة الأوراق المالية المصرية، باستثناء وثائق الاستثمار المقيدة. ويتحمل كل من البائع والمشتري 0.5 في الألف من قيمة العملية، بينما تنخفض الضريبة إلى 0.25 في الألف لكل طرف في عمليات الشراء والبيع التي تتم في ذات اليوم. كما نص القانون على إعفاء العمليات التي تنفذها الشركات المرخص لها بمزاولة نشاط صانع السوق.

في المقابل، أظهرت تعديلات قانون الضريبة على الدخل رقم 151 لسنة 2026 أن الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة أصبحت معفاة من ضريبة الدخل، بينما ظلت الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية غير المقيدة خاضعة للضريبة، مع وضع آلية أوضح لاحتساب تكلفة الاقتناء. كذلك أكدت مصلحة الضرائب المصرية، برئاسة رشا عبد العال، أن الهدف هو القضاء على الازدواج الضريبي ودعم سوق الأوراق المالية ومنح السوق معاملة أكثر وضوحًا وعدالة.

لماذا يبدأ الخصم من تسوية 3 أغسطس 2026 تحديدًا؟

أوضحت مصر للمقاصة أن تسوية تعاملات 2 أغسطس 2026 كانت قد نُفذت بالفعل قبل بدء التطبيق التشغيلي، لذلك تقرر أن يبدأ الخصم الفعلي لضريبة الدمغة من تسوية الإثنين 3 أغسطس 2026. وفي الوقت نفسه، جرى احتساب وحجز وتوريد الضريبة عن جلسات 29 و30 يوليو 2026 وفق آليات التسوية المعمول بها، مع إخطار شركات السمسرة مسبقًا بالمبالغ التي سيتم خصمها أو إضافتها بحسب الأحوال.

هذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن المسألة لم تكن مجرد تعديل قانوني على الورق، بل تحول تشغيلي مباشر داخل البنية التحتية للسوق، من أنظمة المقاصة والتسوية إلى حسابات شركات السمسرة والعملاء.

كيف ينعكس ذلك على سيولة البورصة المصرية؟

1) إزالة عدم اليقين الضريبي

أكبر أثر فوري لإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم المقيدة هو إزالة عنصر كان يربك المستثمرين لسنوات: كيف ستُحسب الضريبة على الأرباح؟ ومتى؟ وعلى أي تكلفة اقتناء؟ الانتقال إلى ضريبة دمغة بسيطة ومباشرة على قيمة التداول يمنح السوق وضوحًا أكبر، حتى لو كانت الضريبة تُفرض على كل عملية بغض النظر عن الربحية.

2) تشجيع دوران التداول

من منظور السيولة، المستثمر المؤسسي والفردي يستطيعان الآن حساب التكلفة الضريبية فورًا قبل التنفيذ، وهو ما يقلل التعقيد المحاسبي. هذه النقطة تدعم التداول اليومي والمتكرر، خصوصًا مع خفض الضريبة إلى 0.25 في الألف لكل من البائع والمشتري في العمليات المنفذة في ذات الجلسة.

3) الأرقام الأولى كانت قوية

في أولى جلسات التطبيق الفعلي، سجلت البورصة المصرية، بحسب التغطيات المحلية، قيمة تداول 15.9 مليار جنيه، وهو أعلى مستوى للسيولة في تاريخ الجلسات النظامية، كما بلغ رأس المال السوقي للأسهم المقيدة 4.022 تريليون جنيه في جلسة 3 أغسطس 2026، مع تسجيل مؤشري EGX70 وEGX100 مستويات تاريخية جديدة. لا يمكن نسبة هذه القفزة الضخمة إلى الضريبة وحدها، لكن التوقيت يشير إلى أن السوق تلقى التعديل باعتباره عاملًا داعمًا للثقة وليس عاملًا كابحًا لها.

ماذا يعني ذلك لشركات السمسرة؟

أسهم شركات السمسرة والمدرجة ضمن المنظومة المالية عادة ما تتأثر بثلاث قنوات رئيسية عند تغيير قواعد الضرائب على التداول:

  • ارتفاع أحجام التنفيذ: كلما زادت قيمة وعدد العمليات، ارتفعت العمولات التشغيلية لشركات الوساطة، حتى إذا زادت عليها الأعباء الإجرائية المتعلقة بتمرير الضريبة ضمن دورة التسوية.
  • انخفاض التعقيد الضريبي لدى العملاء: إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم المقيدة قد يجعل التعامل مع السوق أكثر جاذبية لبعض المستثمرين الذين كانوا يفضلون الانتظار لحين اتضاح السياسة الضريبية.
  • ضغط تشغيلي قصير الأجل: في المقابل، التطبيق الفوري من خلال مصر للمقاصة يعني أن شركات السمسرة احتاجت إلى مواءمة أنظمتها سريعًا مع الإخطارات والمبالغ المخصومة وفروق الجلسات السابقة.

بمعنى آخر، الأثر المتوسط يميل لأن يكون إيجابيًا على نشاط الوساطة إذا استمرت السيولة المرتفعة، لكن الأثر الفوري يتطلب جاهزية تشغيلية وانضباطًا محاسبيًا أكبر داخل الشركات.

زاوية مصلحة الضرائب المصرية: لماذا هذا الملف مهم الآن؟

الزاوية الأهم في هذا الملف ليست فقط البورصة، بل طريقة إعادة تصميم العلاقة بين السوق ومصلحة الضرائب المصرية. فالمصلحة أعلنت صراحة أن التعديلات جاءت بالتنسيق مع وزارة المالية والهيئة العامة للرقابة المالية، وأنها تستهدف دعم الاستثمار، والقضاء على الازدواج الضريبي، وتقديم معاملة أكثر شفافية وعدالة. كما أكدت أن بيع الأوراق المالية غير المقيدة استُبعد من الخضوع لضريبة الدمغة، مع الاكتفاء بخضوعه لضريبة الدخل، وهو ما يفصل بوضوح بين معاملة السوق المقيد والسوق غير المقيد.

وزير المالية أحمد كجوك كان قد طرح هذا الاتجاه ضمن حزمة أوسع من التسهيلات الضريبية والجمركية الداعمة للاستثمار، بما في ذلك استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية على تداولات البورصة بضريبة دمغة أبسط. وعلى المستوى المالي، نقلت تغطيات محلية عن سعيد فؤاد، مستشار رئيس مصلحة الضرائب، أن الحصيلة المتوقعة من تطبيق ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة خلال العام المالي 2026/2027 تدور حول 3 مليارات جنيه.

هل الضريبة الجديدة إيجابية بالكامل؟

ليس بالضرورة. فهناك فرق جوهري بين ضريبة على الربح وضريبة على التداول. ضريبة الأرباح الرأسمالية كانت تُفرض عند تحقق المكسب، أما ضريبة الدمغة فتُفرض حتى لو خرج المستثمر بخسارة، لأنها ترتبط بقيمة العملية نفسها. لذلك قد يرى بعض المتعاملين النشطين أن التكلفة المباشرة على كل صفقة ما زالت عنصرًا يجب أخذه في الحسبان، خاصة في الاستراتيجيات قصيرة الأجل جدًا.

لكن في سوق مثل البورصة المصرية، حيث كان مطلب الوضوح والاستقرار الضريبي حاضرًا بقوة، يبدو أن صانع السياسة رجّح كفة البساطة وقابلية التطبيق على كفة التعقيد المحاسبي. وهذا يفسر لماذا كان رد الفعل الأولي في السوق أقرب إلى الترحيب، مدفوعًا بتحسن الرؤية أكثر من التركيز على معدل الضريبة وحده.

الخلاصة: ما الذي يراقبه المستثمرون من الآن فصاعدًا؟

بدء تطبيق ضريبة الدمغة من تسوية 3 أغسطس 2026 يمثل نقطة تحول في بنية تكلفة التداول في مصر. إذا حافظت البورصة المصرية على مستويات سيولة مرتفعة خلال الأشهر التالية، فسيُقرأ ذلك باعتباره دليلًا على نجاح الصيغة الجديدة في تنشيط السوق. أما إذا تراجعت أحجام التداول بعد أثر البداية، فسيعود النقاش إلى ما إذا كانت ضريبة على كل عملية يمكن أن تضغط على المتاجرة النشطة بمرور الوقت.

في كل الأحوال، الرسالة الحالية واضحة: مصر للمقاصة نفذت، ومصلحة الضرائب المصرية أعادت ضبط القواعد، والبورصة المصرية اختبرت أول رد فعل بسيولة تاريخية. وبين هذه الأطراف الثلاثة ستتحدد خلال الفترة المقبلة الصورة الحقيقية لما إذا كان إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية قد منح السوق دفعة مستدامة، أم مجرد دفعة بداية قوية تحتاج إلى تأكيد بالأرقام اللاحقة.