ضغوط أمريكية على فروع بنك مصر بالإمارات بسبب مزاعم صلات بإيران
تحرك أمريكي جديد يضع فروع بنك مصر في الإمارات تحت التدقيق
دخل بنك مصر دائرة الاهتمام الدولي بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في 28 أغسطس 2026 عن إجراء تنظيمي مقترح يستهدف فرعي البنك في دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر السعي إلى قطع أو تقييد وصولهما إلى خدمات المراسلة المصرفية بالدولار الأمريكي لدى المؤسسات المالية الأمريكية. وجاء هذا التحرك ضمن حملة أوسع تقودها واشنطن تحت اسم Operation Economic Outcast لملاحقة ما تصفه بشبكات مالية تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
القضية تهم القارئ المصري مباشرة، ليس فقط لأن بنك مصر من أكبر البنوك المملوكة للدولة في السوق المحلية، بل لأن أي تحرك يمس شبكة تعاملاته الخارجية يثير تساؤلات بشأن تأثيره على التدفقات المصرفية والتجارة والتحويلات. ومع ذلك، شددت البيانات الرسمية الصادرة من البنك والجهات الرقابية على أن الإجراء محدود النطاق ويخص فروع الإمارات فقط، ولا يمتد إلى أعمال البنك داخل مصر.
ما الذي أعلنته الخزانة الأمريكية بالضبط؟
بحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية، فإن الإجراء المقترح يستهدف Banque Misr UAE باعتباره، وفق الرؤية الأمريكية، مؤسسة مصرفية خارج الولايات المتحدة تثير “مخاوف أولية تتعلق بغسل الأموال” على صلة بشبكات مالية إيرانية. وذكرت الوزارة أن فرعي البنك في الإمارات استفادا من ثلاث علاقات مراسلة مباشرة مع بنوك أمريكية للوصول إلى النظام المالي الأمريكي، وأن الهدف من التحرك هو منع استمرار هذا المسار في ما يتعلق بالمعاملات الدولارية.
كما فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC عقوبات على رضا محمد تأييدي، مدير فرع بنك ملي إيران في دبي، باعتباره شخصية قالت واشنطن إنها لعبت دورًا في تلك الشبكات. ووفق البيان نفسه، قدرت الخزانة الأمريكية أن فروع بنك مصر في الإمارات عالجت ما يقرب من 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل ارتباطها بما تصفه الولايات المتحدة بـ"شبكات الصيرفة الظلية الإيرانية" خلال الفترة من يناير 2024 حتى يونيو 2026.
رد بنك مصر: الإجراء يخص الإمارات فقط
في المقابل، أصدر بنك مصر بيانًا رسميًا في 29 أغسطس 2026 أوضح فيه أنه يحترم الأطر القانونية والرقابية المعمول بها، وأنه يتعاون بشكل كامل وبنّاء مع الجهات المعنية. وأكد البنك أن الإجراء الأمريكي المعلن يقتصر على فرعه في دولة الإمارات ولا يمتد إلى عملياته في جمهورية مصر العربية أو في أي دولة أخرى يعمل بها.
ثم عاد البنك في 30 أغسطس 2026 ليصدر بيانًا ثانيًا أكد فيه أن فروعه في الإمارات تعمل بصورة طبيعية، وذلك في ضوء التنسيق مع البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. هذه النقطة بالغة الأهمية للمستثمرين والعملاء المصريين، لأنها تعني أن الأزمة، حتى الآن، تتعلق بمسار تنظيمي وقانوني يخص المراسلة بالدولار، وليس بقرار إغلاق شامل أو وقف كامل للنشاط.
بيان مشترك من مصر والإمارات لاحتواء المخاوف
التهدئة لم تأتِ من البنك وحده. فقد نشر بنك مصر بيانًا مشتركًا من البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات المركزي بتاريخ 30 أغسطس 2026، في خطوة عكست تنسيقًا رسميًا مباشرًا بين الجانبين. كما أعلن مصرف الإمارات المركزي أنه يراجع الموقف وسيُجري فحصًا خاصًا وعاجلًا يشمل مراجعة معمقة للفترة التي أشارت إليها السلطات الأمريكية، مع التركيز على معاملات الشركات المذكورة في البيان الأمريكي.
هذا النوع من الفحص يعني عمليًا أن الجهات الرقابية في الإمارات لم تتجاهل الاتهامات، لكنها في الوقت نفسه لم تُصدر حكمًا نهائيًا مسبقًا، بل بدأت مسارًا رقابيًا مستقلًا للتحقق من الوقائع والالتزام بالقواعد المحلية والدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
لماذا تهم خدمات المراسلة المصرفية بالدولار؟
فهم جوهر القضية يتطلب التوقف عند مفهوم المراسلة المصرفية. هذه الخدمة تتيح للبنوك العاملة خارج الولايات المتحدة تنفيذ وتسوية معاملات بالدولار عبر بنوك أمريكية، وهي قناة أساسية للتجارة الخارجية وتمويل الاستيراد والتحويلات العابرة للحدود. ووفق إرشادات مصرف الإمارات المركزي، تمثل علاقات المراسلة المصرفية عنصرًا محوريًا في ربط البنوك المحلية بالاقتصاد العالمي.
لذلك، فإن أي تقييد على هذا المسار لا يعني بالضرورة توقف البنك عن العمل، لكنه قد يفرض تكلفة تشغيلية أعلى، أو يدفع إلى إعادة ترتيب قنوات التسوية بالعملات الأجنبية، أو زيادة الاعتماد على بنوك وسيطة بديلة في بعض التعاملات. وبالنسبة لبنك بحجم بنك مصر، فإن إدارة هذه المخاطر تصبح مسألة تشغيلية وتنظيمية شديدة الحساسية.
ماذا نعرف عن وجود بنك مصر في الإمارات؟
الوجود الإماراتي لبنك مصر ليس جديدًا. فالبنك أعلن في أغسطس 2016 افتتاح مقره الإقليمي وفرعًا جديدًا في دبي، ضمن استراتيجية لتعزيز حضوره الخارجي. كما تشير البيانات الرسمية إلى أن البنك يمتلك شبكة خارجية تشمل وجودًا في الإمارات ولبنان وفرنسا وألمانيا، إلى جانب مكاتب تمثيل في أسواق أخرى.
ومن الناحية المالية، أظهرت مؤشرات بنك مصر أن إجمالي الأصول بلغ نحو 4.238 تريليون جنيه مصري بنهاية أكتوبر 2025، مقارنة بنحو 3.610 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2024، ما يعكس ثقل البنك داخل الجهاز المصرفي المصري. كذلك تشير وثيقة أمريكية منشورة ضمن الإجراء المقترح إلى أن أصول بنك مصر في الإمارات تبلغ نحو 6 مليارات دولار تقريبًا، وأنه من بين البنوك المسجلة لدى السلطات الإماراتية.
ما السيناريوهات المحتملة أمام البنك؟
حتى تاريخ 1 سبتمبر 2026، ما صدر من الجانب الأمريكي هو قاعدة مقترحة منشورة في السجل الفيدرالي، وليست نهاية المسار. وهذا يعني أن هناك مراحل تنظيمية وإجرائية يمكن أن تتضمن ردودًا، ومراجعات، وربما تعديلات قبل الوصول إلى صيغة نهائية. وفي العادة، تتعامل البنوك في مثل هذه الحالات عبر توسيع نطاق الفحص الداخلي، وتعزيز آليات الامتثال، ومراجعة قواعد معرفة العميل، وإعادة تقييم العلاقات والملفات ذات الحساسية المرتفعة.
بالنسبة للسوق المصرية، يظل العامل الحاسم هو ما إذا كانت القضية ستبقى محصورة في فروع الإمارات والدولار الأمريكي، أم ستتسع إلى دوائر أوسع. لكن حتى الآن، الرسالة الرسمية من القاهرة واضحة: لا تأثير على عمليات بنك مصر داخل مصر، ولا توجد إشارات معلنة إلى اضطراب في عملائه محليًا أو في شبكة فروعه الداخلية.
ماذا يعني ذلك لعملاء بنك مصر في مصر؟
- الحسابات والمعاملات داخل مصر: لا توجد بيانات رسمية تشير إلى تأثرها بالإجراء الأمريكي.
- فروع الإمارات: البنك أكد استمرار عملها بصورة طبيعية حتى الآن.
- التحويلات بالدولار: قد تبقى تحت المتابعة إذا تحول المقترح الأمريكي إلى قيود نهائية، لكن لم يُعلن عن وقف شامل للخدمة داخل مصر.
- ثقة السوق: ستعتمد على نتائج الفحص الرقابي الإماراتي، ومدى قدرة البنك على طمأنة الشركاء الدوليين بشأن نظم الامتثال.
خلاصة المشهد
القضية الحالية لا تتعلق ببنك مصر في الداخل المصري بقدر ما تتعلق بامتداداته الخارجية في الإمارات، وبمدى انكشافها على شبكة الدولار العالمية في لحظة تشهد تشددًا أمريكيًا متصاعدًا تجاه إيران. وبينما ترفع واشنطن سقف الضغط عبر عقوبات وإجراءات على بنوك ومسؤولين، يتحرك بنك مصر والجهات الرقابية في مصر والإمارات لاحتواء التداعيات وحصرها في نطاقها الفني والتنظيمي.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبقى المتابعة ضرورية لأن بنك مصر ليس مجرد مؤسسة مصرفية كبيرة، بل أحد أعمدة التمويل والائتمان في الاقتصاد المحلي. وحتى إشعار آخر، تشير الوقائع المعلنة إلى أن الملف ما زال في طور المراجعة، وأن النشاط المصرفي للبنك داخل مصر مستمر دون تغيير معلن.