الإقتصادي

عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات عند ذروة 30 عامًا

عائد السندات اليابانية يقفز إلى أعلى مستوى منذ 1996

شهدت سوق الدين الحكومية في اليابان تطورًا لافتًا بعدما ارتفع العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات خلال تعاملات الخميس 9 يوليو 2026 إلى 2.90%، وهو أعلى مستوى يسجله هذا الأجل منذ سبتمبر 1996. وتأتي هذه القفزة في وقت تتزايد فيه حساسية المستثمرين تجاه مخاطر التضخم العالمية، بالتوازي مع القلق من متانة المالية العامة اليابانية واتجاهات السياسة النقدية في طوكيو.

وبحسب بيانات السوق التي نقلتها تقارير مالية دولية، فإن صعود العائد جاء أيضًا بعد تسعة أيام متتالية من الارتفاع، في أطول موجة مكاسب يومية لهذا العائد منذ نحو 19 عامًا. وكما هو معتاد في أسواق السندات، فإن ارتفاع العائد يعني تراجع الأسعار، ما يعكس مطالبة المستثمرين بعائد أكبر للاحتفاظ بالدين الحكومي الياباني طويل الأجل.

ما الذي يدفع العوائد إلى الصعود؟

المحرك الأول كان عودة المخاوف التضخمية إلى الواجهة مع تجدد التوترات في الشرق الأوسط، وهي تطورات عادة ما تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير مخاطر الطاقة وسلاسل الإمداد. وبالنسبة لليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط والغاز قد ينعكس سريعًا على توقعات الأسعار المحلية وتكلفة الاقتراض.

أما العامل الثاني فيرتبط بالمالية العامة. اليابان تمتلك أحد أكبر أعباء الدين العام بين الاقتصادات الكبرى، وهو ما يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي إشارات تتعلق بزيادة الإصدارات الحكومية أو بتراجع الطلب في المزادات، خصوصًا عند الآجال الطويلة وفوق الطويلة. لذلك، فإن أي تبدل في شهية المستثمرين يتحول سريعًا إلى ضغط على منحنى العائد.

كذلك لعبت سياسة بنك اليابان دورًا مهمًا في هذا المشهد. فالبنك أعلن في 17 يونيو 2025 خطة لمواصلة خفض مشترياته الشهرية من السندات الحكومية بوتيرة تدريجية يمكن التنبؤ بها، مع الإبقاء على قدر من المرونة إذا ارتفعت الفائدة طويلة الأجل بوتيرة حادة. وتشير الخطة إلى أن المشتريات الشهرية ستتراجع من نحو 5.7 تريليون ين في يوليو 2024 إلى قرابة 2.1 تريليون ين بحلول يناير-مارس 2027.

مزاد الخمس سنوات يبعث إشارة أكثر تماسكًا

ورغم التوتر الواضح في السوق، فإن مزاد السندات الحكومية اليابانية لأجل خمس سنوات الذي جرى في 19 يونيو 2025 جاء أكثر تماسكًا مقارنة بما كان يخشاه بعض المتعاملين. ووفق نتائج وزارة المالية اليابانية، بلغ العائد عند أقل سعر مقبول 0.993%، بينما سجل العائد عند متوسط السعر 0.982%، مع تلقي طلبات تنافسية بقيمة 8.3567 تريليون ين وقبول 1.8253 تريليون ين.

هذا التماسك النسبي في شريحة الخمس سنوات يوحي بأن الضغوط ليست متساوية على جميع الآجال، وأن المستثمرين ما زالوا أكثر استعدادًا للتعامل مع السندات المتوسطة مقارنة بالسندات الأطول، التي أصبحت أكثر عرضة لتقلبات توقعات التضخم والعجز والسياسة النقدية.

ماذا تقول بيانات الإصدارات الرسمية؟

البيانات الرسمية تظهر بوضوح كيف تحركت تكلفة الاقتراض في الأشهر الماضية. ففي مزاد السندات لأجل 10 سنوات الذي عقدته وزارة المالية اليابانية في 3 يونيو 2025، بلغ العائد عند أقل سعر مقبول 1.513%، ومتوسط العائد 1.512%، وذلك لإصدار يستحق في 20 مارس 2035. كما بلغ حجم الطرح في ذلك المزاد نحو 1.9621 تريليون ين من أصل طلبات تنافسية وصلت إلى 7.1866 تريليون ين.

المقارنة بين هذه الأرقام ومستوى 2.90% المسجل لاحقًا توضح حجم التحول الذي شهدته السوق خلال فترة قصيرة نسبيًا، وهو ما يعكس ارتفاعًا سريعًا في علاوة المخاطر المطلوبة من المستثمرين، سواء بسبب التضخم أو بسبب القلق من اتساع الاقتراض الحكومي.

تعديل خطة الإصدار يزيد تركيز السوق على الديون اليابانية

وفي محاولة لمواءمة الإصدارات مع أوضاع السوق، أعلنت وزارة المالية اليابانية في 23 يونيو 2025 تعديل خطة إصدار السندات للسنة المالية 2025. ووفق أبرز التعديلات، تم خفض قيمة إصدار السندات فائقة الطول: السندات لأجل 40 عامًا و30 عامًا بمقدار 0.1 تريليون ين لكل مزاد، والسندات لأجل 20 عامًا بمقدار 0.2 تريليون ين لكل مزاد. كما جرى تقليص مزادات تعزيز السيولة الخاصة بالآجال من 15.5 إلى 39 عامًا.

وفي المقابل، رفعت الوزارة بعض الإصدارات الأقصر أجلًا، بما في ذلك السندات لأجل عامين وأذون الخزانة، في خطوة تعكس تفضيلًا رسميًا لهيكل تمويل أقل حساسية في الأجل الطويل. ورغم أن إجمالي خطة الإصدار المعدلة للسنة المالية 2025 انخفض إلى 171.8 تريليون ين من 172.3 تريليون ين في الخطة الأولية، فإن السوق قرأت هذه التحركات باعتبارها اعترافًا ضمنيًا بأن الطلب على الآجال الطويلة لم يعد بالقوة نفسها.

لماذا يهم ذلك القارئ المصري؟

قد تبدو سوق السندات اليابانية بعيدة جغرافيًا عن مصر، لكنها في الحقيقة ذات تأثير واسع على تدفقات الأموال العالمية وتسعير الأصول. فعندما ترتفع عوائد السندات في اقتصاد كبير مثل اليابان، قد يعيد المستثمرون الدوليون توزيع محافظهم بين الأسهم والسندات والأسواق الناشئة. وهذا ينعكس على تكلفة التمويل عالميًا، وعلى شهية المخاطرة تجاه أدوات الدين في دول مختلفة، بما فيها الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كما أن صعود عوائد اليابان يحمل دلالة إضافية، لأن السوق اليابانية ظلت لسنوات طويلة رمزًا لعوائد منخفضة جدًا وسياسة نقدية شديدة التيسير. لذلك، فإن أي انتقال واضح إلى مستويات أعلى من الفائدة هناك يغير حسابات المستثمرين الدوليين بشأن الفارق بين العائد والمخاطر عبر الأسواق المختلفة.

مراقبة حذرة للأسابيع المقبلة

الأسابيع المقبلة ستبقى مرهونة بعدة عوامل: مسار التوترات الجيوسياسية، وتطور أسعار الطاقة، وقدرة مزادات الدين الياباني المقبلة على استقطاب طلب قوي، إضافة إلى أي إشارات جديدة من بنك اليابان بشأن وتيرة تقليص مشتريات السندات أو مسار أسعار الفائدة.

وإذا استمرت الضغوط الحالية، فقد تظل عوائد السندات اليابانية تحت تأثير صاعد، وهو ما سيبقي أسواق المال العالمية في حالة ترقب. أما إذا هدأت مخاوف التضخم وتحسن الطلب في المزادات، فقد تجد السوق بعض الاستقرار. لكن الثابت حاليًا أن تكلفة الاقتراض الحكومي في اليابان لم تعد عند المستويات المريحة التي اعتادتها الأسواق لسنوات طويلة.

أبرز الأرقام في القصة

  • 2.90%: عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات في تعاملات 9 يوليو 2026.
  • سبتمبر 1996: آخر مرة سجل فيها العائد مستوى مماثلًا.
  • 9 جلسات: سلسلة الارتفاع المتواصل للعائد.
  • 0.993%: العائد عند أقل سعر مقبول في مزاد الخمس سنوات بتاريخ 19 يونيو 2025.
  • 1.513%: العائد في مزاد العشر سنوات بتاريخ 3 يونيو 2025.
  • 171.8 تريليون ين: إجمالي خطة الإصدار المعدلة للسنة المالية 2025.