الإقتصادي

غولسبي: صدمة النفط قد تُبقي التضخم الأميركي مرتفعًا

تحذير من داخل الفيدرالي: صدمة الطاقة قد لا تكون مؤقتة

أعاد أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، تسليط الضوء على واحد من أكثر الملفات حساسية في الأسواق العالمية حاليًا: هل يؤدي ارتفاع النفط إلى موجة تضخم أطول من المتوقع داخل الولايات المتحدة؟ الإجابة التي لمح إليها المسؤول الأميركي بدت أكثر حذرًا من الرهان التقليدي على أن صدمات الطاقة تتلاشى تلقائيًا بعد فترة قصيرة.

غولسبي، الذي يشغل منصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو منذ يناير 2023 ويشارك في اجتماعات لجنة السوق المفتوحة التابعة للفيدرالي، قال إن البنك المركزي قد يضطر إلى التعامل مع الصدمة الحالية في أسعار الطاقة باعتبارها عاملًا تضخميًا مستمرًا، لا مجرد قفزة مؤقتة في الأسعار. هذه المقاربة تعني عمليًا أن صانعي السياسة النقدية في واشنطن قد يجدون أنفسهم أمام معادلة أصعب بين دعم النمو واحتواء التضخم.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في 16 سبتمبر 2026 رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى ما بين 3.75% و4%، مع تأكيده أن التضخم لا يزال مرتفعًا وأن التحرك الأخير يهدف إلى تسريع عودته نحو الهدف البالغ 2%.

لماذا يخشى الفيدرالي من النفط هذه المرة؟

في الظروف المعتادة، تميل البنوك المركزية إلى النظر بحذر إلى صدمات العرض، مثل ارتفاع أسعار النفط، لأنها لا تنشأ من سخونة الطلب المحلي فقط، بل من اضطرابات جيوسياسية أو اختناقات إمداد أو ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. ولهذا، يفضّل كثير من المسؤولين عدم المبالغة في رد الفعل إذا اعتقدوا أن الأثر سيكون عابرًا.

لكن المشكلة، بحسب الإشارات الأخيرة من مسؤولي الفيدرالي، تظهر حين تتحول الصدمة من ارتفاع مؤقت في كلفة الطاقة إلى موجة أوسع تمتد إلى النقل والخدمات والسلع النهائية، وعندها يصبح التضخم أكثر “لزوجة” ويصعب إنزاله سريعًا. هذه هي النقطة التي يبدو أن غولسبي يركز عليها الآن.

وفي تصريحات نقلتها وكالة أسوشيتد برس هذا الأسبوع، أشار غولسبي إلى أن الفيدرالي يواجه سلسلة من صدمات العرض المستمرة التي دفعت الأسعار للصعود، ومن بينها ارتفاع أسعار النفط والرسوم الجمركية. وبحسب التغطية نفسها، قال إن الاستجابة قد تتطلب تضييق الفجوة بين العرض والطلب عبر تشديد السياسة النقدية إذا ثبت أن الضغوط التضخمية ليست عابرة.

بيانات التضخم الأميركية لا تمنح راحة كاملة

الأرقام الأخيرة تفسر قدرًا كبيرًا من هذا التشدد الحذر. فوفق أحدث بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 0.3% على أساس شهري في أغسطس 2026، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 3.4%. أما المؤشر الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، فسجل زيادة سنوية عند 2.4%.

صحيح أن التضخم الأساسي أقل من المعدل العام، لكن بقاء التضخم الكلي فوق هدف الفيدرالي بفارق واضح يعني أن أي صعود جديد في الطاقة قد يعقّد المسار مجددًا. بالنسبة للمستثمرين، هذا يعني أن معركة الأسعار لم تُحسم بعد، وأن سيناريو تثبيت الفائدة أو حتى خفضها بسرعة لم يعد مضمونًا إذا استمر النفط في الضغط على السلع والخدمات.

أسعار الخام ما زالت عاملًا ضاغطًا على الأسواق

في سوق الطاقة نفسها، تظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن أسعار الخام الفورية لا تزال عند مستويات مرتفعة تاريخيًا مقارنة بمتوسطات السنوات السابقة. ووفق أحدث تحديث منشور بتاريخ 23 سبتمبر 2026، بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط في كوشينغ 95.52 دولارًا للبرميل في 22 سبتمبر، بينما سجل خام برنت المؤرخ 96.43 دولارًا للبرميل في اليوم نفسه.

هذه المستويات ليست مجرد أرقام في شاشة التداول؛ فهي تنعكس على تكاليف الشحن والتصنيع والوقود، ثم تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي. ومن هنا تأتي حساسية حديث غولسبي: إذا ظل النفط قرب هذه المستويات أو ارتفع أكثر، فإن أثره قد لا يبقى محصورًا في بند الطاقة وحده.

ما الذي يعنيه ذلك للأسواق العالمية؟

بالنسبة لقسم الأسواق العالمية، فإن مغزى تصريحات غولسبي يتجاوز الاقتصاد الأميركي نفسه. فالفيدرالي يظل البنك المركزي الأكثر تأثيرًا على تكلفة التمويل العالمية، وتحركاته تحدد اتجاهات الدولار، وعوائد السندات، وشهية المستثمرين تجاه الأسهم والأسواق الناشئة والسلع.

إذا اقتنع الفيدرالي بأن صدمة النفط الحالية ذات أثر مستدام، فقد يطيل ذلك أمد السياسة النقدية المشددة، أو على الأقل يؤخر أي تحول واسع نحو التيسير. وهذا السيناريو عادة ما يدعم الدولار ويزيد الضغط على الأصول الحساسة للفائدة، من الأسهم مرتفعة التقييم إلى الذهب والسندات طويلة الأجل.

ومن زاوية تهم القارئ المصري، فإن تشدد الفيدرالي أو استمرار ارتفاع النفط يظل عنصرًا أساسيًا في تسعير المخاطر عالميًا، سواء عبر حركة الدولار أو كلفة الاستيراد أو اتجاهات المستثمرين نحو الأسواق الناشئة. لذلك تتابع المؤسسات المالية في المنطقة تصريحات مسؤولي الفيدرالي بدقة شديدة، حتى عندما تتعلق في ظاهرها بالاقتصاد الأميركي فقط.

هل يختلف غولسبي عن الخطاب التقليدي للفيدرالي؟

غولسبي ليس من الأسماء المعروفة بالمبالغة في التشدد عادة، بل يُنظر إليه في كثير من الأحيان كصوت يميل إلى قراءة أعمق لعوامل العرض والإنتاجية. وهو رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو (@chicagofed على إنستغرام للمؤسسة) وأحد المشاركين الدائمين في مناقشات لجنة السوق المفتوحة، وإن لم يكن من أصحاب التصويت في كل عام.

اللافت هنا ليس فقط تحذيره من النفط، بل إشارته إلى ضرورة التمييز بين الصدمة المؤقتة والصدمة المستمرة. ففي حال كانت الزيادة مؤقتة، يمكن للبنك المركزي أن يتجنب الإفراط في التشديد. أما إذا تبيّن أنها تغذي تضخمًا ممتدًا، فإن رد الفعل يصبح مختلفًا وأكثر صعوبة.

  • السيناريو الأول: تراجع أسعار الطاقة سريعًا، بما يسمح للتضخم بالعودة إلى مسار هبوطي تدريجي.
  • السيناريو الثاني: استمرار النفط مرتفعًا، ما يدفع الشركات إلى تمرير التكاليف للمستهلكين.
  • السيناريو الثالث: امتزاج صدمة العرض مع طلب محلي قوي، وهو أسوأ الاحتمالات بالنسبة للفيدرالي.

الأسواق الآن بين النفط والفائدة

الخلاصة أن الرسالة التي خرجت من غولسبي هي رسالة يقظة أكثر منها رسالة ذعر. الفيدرالي لا يقول إن صدمة النفط ستقود حتمًا إلى موجة تضخم خارجة عن السيطرة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد افتراض أنها ستختفي وحدها. هذا التحول في اللهجة مهم لأنه يعكس درجة أعلى من الحذر داخل المؤسسة النقدية الأميركية في لحظة ما تزال فيها الأسواق توازن بين نمو اقتصادي متماسك وضغوط سعرية لم تُهزم بالكامل.

وبالنسبة للمستثمرين في الأسواق العالمية، فإن أي إشارة إلى أن النفط قد يغيّر حسابات الفيدرالي تعني شيئًا واحدًا: مسار الفائدة الأميركية ما زال مفتوحًا على أكثر من احتمال، والرهان على هدوء سريع في التضخم قد يكون سابقًا لأوانه.