فوكسكون تقفز بإيرادات الربع الثاني وتحذر من ضغوط السياسة
فوكسكون تواصل الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي
أظهرت فوكسكون، المعروفة رسمياً باسم هون هاي بريسيجن إندستري التايوانية، أداءً مالياً لافتاً في الربع الثاني من عام 2026، بعدما سجلت قفزة قوية في الإيرادات بدعم مباشر من الطلب المتسارع على بنية الذكاء الاصطناعي، خصوصاً خوادم ومعدات مراكز البيانات. وفي المقابل، بعثت الشركة برسالة حذرة للأسواق بشأن استمرار الضبابية المرتبطة بالوضعين السياسي والاقتصادي على المستوى العالمي.
وبالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على سوق الأسهم الآسيوية فقط؛ إذ إن فوكسكون تمثل مؤشراً حساساً على اتجاهات سلاسل الإمداد العالمية، والإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى، والطلب على المكونات الإلكترونية التي ترتبط بدورها بأسواق التصنيع والتجارة في الشرق الأوسط وآسيا.
إيرادات فصلية عند 2.513 تريليون دولار تايواني
بحسب البيانات التي أعلنتها الشركة يوم الأحد 5 يوليو 2026، ارتفعت إيرادات الربع الثاني، الممتد من أبريل إلى يونيو، بنسبة 39.8% على أساس سنوي إلى 2.513 تريليون دولار تايواني، أي ما يعادل نحو 78.7 مليار دولار أمريكي. كما جاءت النتيجة أعلى من متوسط تقديرات السوق البالغ 2.372 تريليون دولار تايواني.
اللافت أيضاً أن إيرادات شهر يونيو 2026 وحده قفزت بنسبة 52.1% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتصل إلى 821.8 مليار دولار تايواني، وهو مستوى قياسي لهذا الشهر في تاريخ الشركة. ويعكس ذلك استمرار الزخم القوي في الطلب على المنتجات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وليس مجرد تحسن موسمي عابر.
ما الذي دفع النمو؟
الركيزة الأساسية وراء هذه القفزة كانت أداء قطاع الحوسبة السحابية والشبكات، وهو القطاع الذي يستفيد من الطلب المتسارع على خوادم الذكاء الاصطناعي والرفوف المتقدمة الخاصة بمراكز البيانات. وتعد فوكسكون من أبرز المصنعين في هذا المجال، كما أنها توصف بأنها أكبر صانع لخوادم الذكاء الاصطناعي لصالح إنفيديا.
في الوقت نفسه، سجل قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية الذكية نمواً ملحوظاً أيضاً، وهو القطاع الذي يشمل أعمال تجميع هواتف iPhone لصالح Apple. وهذا يعني أن زخم الذكاء الاصطناعي لم يأتِ على حساب النشاط التقليدي للشركة، بل تزامن معه.
الشركة تتطلع إلى ربع ثالث أقوى
فوكسكون قالت إن عملياتها في الربع الثالث مرشحة لتحقيق نمو سواء مقارنة بالربع السابق أو بالفترة نفسها من العام الماضي، مع استمرار المسار الصاعد لمنتجات AI racks وخوادم الذكاء الاصطناعي. وهذه الإشارة مهمة لأن الربع الثالث يدخل عادة ضمن الموسم الأقوى لقطاع الإلكترونيات، ما يفتح الباب أمام استمرار الزخم إذا ظل الطلب المؤسسي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مرتفعاً.
وكانت الشركة قد ذكرت في نتائج الربع الأول من 2026، المعلنة في 14 مايو 2026، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي يقود نمواً قوياً في الربع الثاني، مع الإبقاء على توقعات نمو قوي خلال عام 2026. كما أوضحت في نتائجها السنوية المعلنة في 16 مارس 2026 أن قطاع خوادم الذكاء الاصطناعي مرشح لنمو قوي هذا العام، رغم التغيرات في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية.
لكن التحذير حاضر: الجغرافيا السياسية لم تغب
رغم الأرقام القوية، شددت الشركة على ضرورة متابعة أثر تقلب الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية. ولم تدخل فوكسكون في تفاصيل إضافية، لكن الإشارة مفهومة في سياق عدة ملفات ضاغطة، تشمل التوترات التجارية، والتحولات في سياسات الرسوم والتعريفات، وإعادة تموضع سلاسل التوريد، إلى جانب حساسية صناعة التكنولوجيا لأي اضطراب بين الولايات المتحدة والصين أو في طرق الشحن والطاقة.
هذه اللهجة الحذرة تتسق مع تصريحات ومواقف سابقة للشركة. ففي بيانها السنوي الصادر في مارس 2026، أقرت هون هاي بأن بيئة الأعمال ما زالت تتأثر بتغيرات كبيرة في السياسات الجمركية والجغرافيا السياسية والسياسات النقدية العالمية. لذلك، فإن القراءة الأصح لنتائج الربع الثاني هي أنها قوية تشغيلياً، لكنها لا تلغي هشاشة البيئة الخارجية.
ماذا يعني ذلك لأسواق المنطقة؟
من زاوية أسواق الخليج والشرق الأوسط، تأتي نتائج فوكسكون كمؤشر مهم على استمرار دورة الإنفاق العالمية على التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما قد ينعكس على شهية الاستثمار في قطاعات مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية الرقمية في المنطقة. دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، تسرّع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وبالتالي فإن أي توسع عالمي في إنتاج الخوادم ومكونات الشبكات يظل ذا صلة مباشرة بمزاج المستثمرين الإقليميين.
كما أن متانة الطلب على معدات الذكاء الاصطناعي تمنح مؤشراً غير مباشر إلى أن الشركات العالمية الكبرى لم تتراجع بعد عن خططها التوسعية في هذا المجال، وهو عامل تراقبه أيضاً الأسواق الناشئة، بما فيها مصر، عند تقييم اتجاهات الاستثمار الأجنبي في التكنولوجيا والصناعة والخدمات العابرة للحدود.
لماذا تهم فوكسكون المستثمر العربي؟
- مؤشر على صحة الإنفاق التقني العالمي: الشركة تقع في قلب سلاسل إنتاج الهواتف والخوادم.
- مرآة لطلب الذكاء الاصطناعي: نمو خوادم إنفيديا يمر عبر مصنعين كبار في مقدمتهم فوكسكون.
- أثر غير مباشر على التجارة والشحن: أي اضطراب جيوسياسي ينعكس على التكلفة والزمن وسلاسل التوريد.
- دلالة على شهية المستثمرين: نتائج شركات التكنولوجيا الصناعية الكبرى تؤثر في تقييمات الأسواق الآسيوية والعالمية.
أداء السهم أقل من صعود السوق التايوانية
ورغم نمو الإيرادات القوي، فإن أداء سهم فوكسكون لم يواكب بالكامل مكاسب السوق الأوسع في تايوان خلال 2026 حتى الآن. فقد ارتفع السهم بنحو 4.3% منذ بداية العام، مقابل صعود يقارب 61.5% للسوق التايوانية، بحسب بيانات نقلتها رويترز يوم إعلان الإيرادات. وكان السهم قد أنهى جلسة الجمعة 3 يوليو 2026 على ارتفاع بنحو 0.6% قبيل صدور الأرقام.
هذه المفارقة قد تعني أن المستثمرين ما زالوا يوازنون بين قوة الطلب الحالي من جهة، والمخاطر المتعلقة بالهوامش والتقلبات الجيوسياسية والاعتماد على دورة استثمار شديدة التنافس في الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.
رئيس الشركة يونغ ليو يراهن على الزخم
يقود الشركة حالياً يونغ ليو، رئيس مجلس إدارة فوكسكون، الذي سبق أن أكد في مناسبات رسمية أن الذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الأهم للمرحلة المقبلة في تحول المجموعة. وتعمل هون هاي على توسيع حضورها في مجالات الحوسبة، والبنية الذكية، والمركبات الكهربائية، مع إبقاء الذكاء الاصطناعي في صلب استراتيجيتها التشغيلية والتوسعية.
وفي المحصلة، تكشف أرقام الربع الثاني أن فوكسكون نجحت في تحويل موجة الذكاء الاصطناعي إلى نمو حقيقي في الإيرادات، لكن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون في حجم الطلب فقط، بل في قدرة الشركة على الحفاظ على هذا المسار وسط عالم أكثر تقلباً سياسياً واقتصادياً. ولهذا، فإن نتائج الربع الثالث ستكون محورية ليس للشركة وحدها، بل أيضاً لقراءة اتجاهات قطاع التكنولوجيا الصناعي عالمياً، وهو ما تتابعه باهتمام أسواق الشرق الأوسط الباحثة عن مؤشرات موثوقة على مستقبل الدورة الرقمية العالمية.