فيتش: عجز الحساب الجاري المصري قد يتراجع إلى 2.7%
فيتش تتوقع انحسار عجز الحساب الجاري المصري في 2026/2027
تتجه الأنظار في سوق المال المصرية إلى التقديرات الجديدة لمسار القطاع الخارجي، بعدما أشارت فيتش سوليوشنز إلى أن عجز الحساب الجاري في مصر مرشح للتراجع إلى 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026/2027، مقارنة مع 3.4% في السنة المالية 2025/2026 التي انتهت في يونيو الماضي. ويعكس هذا التقدير رؤية أكثر تفاؤلًا نسبيًا تجاه قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الضغوط الخارجية إذا استمرت الأوضاع الإقليمية في الهدوء النسبي وتواصلت مصادر النقد الأجنبي في التحسن.
أهمية هذا التوقع لا ترتبط بالرقم وحده، بل بما يحمله من دلالات لأسواق الدين، وسعر الصرف، وشهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المحلية والدولية، إضافة إلى تقييم قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية بكلفة أقل نسبيًا خلال العام المالي الجاري.
ما معنى تراجع عجز الحساب الجاري؟
الحساب الجاري هو أحد أهم مؤشرات قوة المركز الخارجي لأي اقتصاد، لأنه يقيس محصلة التجارة في السلع والخدمات، إلى جانب تحويلات العاملين بالخارج ودخل الاستثمار. وعندما يتراجع العجز، فهذا يعني ببساطة أن الفجوة بين ما تدفعه الدولة للخارج وما تحصله من العملة الأجنبية تصبح أقل، وهو ما يخفف الضغط على ميزان المدفوعات وعلى احتياجات التمويل الخارجي.
وبالنسبة لمصر، فإن أي تحسن في هذا المؤشر يحظى بمتابعة واسعة من المتعاملين في البورصة المصرية وأسواق أدوات الدين، لأن استدامة تدفقات النقد الأجنبي تؤثر مباشرة في تكلفة الاقتراض، ومسار الفائدة، وتقييم المخاطر السيادية.
ما الذي يدعم تقديرات فيتش؟
السيناريو الأساسي الذي تستند إليه التقديرات يفترض تراجع حدة التوترات الإقليمية، وهو عامل مهم للغاية بالنسبة لمصر نظرًا لتأثيره المباشر على السياحة، وإيرادات قناة السويس، وتكلفة الواردات، لا سيما الطاقة. كما أن تحسن الثقة في السوق المحلية ينعكس عادة على تدفقات استثمارات المحافظ الأجنبية وعلى قدرة الحكومة على تنويع مصادر التمويل.
وتُظهر البيانات الرسمية أن صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري ارتفع إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وهو أعلى مستوى معلن حديثًا، ما يوفر غطاءً مهمًا لمواجهة الالتزامات الخارجية وتقلبات الأسواق. كذلك سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستوى قياسيًا بلغ 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار في السنة السابقة، وهو تطور بالغ الأهمية لأنه يمثل أحد أكثر مصادر العملة الأجنبية استقرارًا للاقتصاد المصري.
هذه الأرقام تعطي قدرًا من الدعم لفكرة أن القطاع الخارجي بدأ يستعيد بعض التوازن، خاصة مع تحسن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي وعودة اهتمام المستثمرين بالأدوات المصرية.
ماذا تقول المؤشرات الرسمية عن ميزان المدفوعات؟
بحسب البيان الصحفي للبنك المركزي المصري عن أداء ميزان المدفوعات خلال الفترة من يوليو إلى مارس 2025/2026، سجل الحساب الجاري عجزًا بقيمة 14.6 مليار دولار، في حين تحسن العجز الكلي في ميزان المدفوعات إلى 1.8 مليار دولار مع ارتفاع صافي التدفقات للميزان الرأسمالي والمالي إلى 9.9 مليار دولار. وتعني هذه القراءة أن الفجوة الخارجية لم تختفِ بعد، لكنها أصبحت أكثر قابلية للإدارة مع استمرار تدفق التمويل والاستثمار والتحويلات.
ومن المهم هنا ملاحظة أن تحسن الحساب الجاري في 2026/2027، إذا تحقق وفق هذا المسار، لن يكون نتيجة عامل واحد فقط، بل مزيج من عدة عناصر: ضبط الواردات، نمو إيرادات الخدمات، قوة التحويلات، وتحسن ظروف التمويل الخارجي.
انعكاسات مباشرة على الدين والتمويل
فيتش تتوقع أيضًا هبوط الدين العام إلى 72.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية، نزولًا من نحو 79% في 2025/2026. ويستند هذا التصور إلى نمو الناتج الاسمي بوتيرة أسرع من نمو المديونية، إلى جانب احتمال تحسن تقييمات الدين إذا تراجعت المخاطر الجيوسياسية وازدادت ثقة المستثمرين.
ومن زاوية التمويل الخارجي، تظل الصورة مركبة. فالتقديرات الواردة في وثائق صندوق النقد الدولي تشير إلى أن احتياجات التمويل الخارجي الإجمالية لمصر تظل مرتفعة، وهو ما يعني أن أي تحسن في الحساب الجاري لن يلغي الحاجة إلى إدارة نشطة للدين وتوسيع قاعدة التمويل. لكن في المقابل، فإن قوة الاحتياطي، وتحسن التحويلات، وقدرة الحكومة على الوصول إلى الأسواق، تمنح صانع السياسة مساحة أوسع للمناورة.
كما تواصل الحكومة التركيز على خفض المخاطر المرتبطة بإعادة التمويل، وتنويع العملات ومصادر الاقتراض، وهو توجه يكتسب أهمية أكبر في ظل بيئة مالية عالمية لا تزال حساسة للتحولات الجيوسياسية وأسعار الفائدة العالمية.
لماذا يهم هذا الخبر للمستثمر المصري؟
بالنسبة للمستثمر المحلي، فإن تراجع عجز الحساب الجاري المصري قد يحمل عدة رسائل إيجابية. أولًا، أنه يخفف الضغوط على سوق الصرف إذا استمرت التدفقات الدولارية في التحسن. ثانيًا، أنه يدعم التصور بأن المخاطر السيادية قد تنخفض تدريجيًا، ما ينعكس على أدوات الدين الحكومية وتكلفة الاقتراض. وثالثًا، أنه يرفع من فرص استقرار البيئة الكلية اللازمة لنمو أرباح الشركات المدرجة، خاصة تلك المرتبطة بالتصدير، والخدمات المالية، والسياحة، والنقل والخدمات اللوجستية.
لكن في الوقت نفسه، لا تزال هناك متغيرات لا يمكن تجاهلها، أبرزها مسار التوترات في المنطقة، وتحركات أسعار الطاقة، وسرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، ومدى استدامة تعافي إيرادات قناة السويس والسياحة. لذلك فإن التوقعات الإيجابية تظل مشروطة، وليست ضمانًا نهائيًا لمسار الاقتصاد الخارجي.
قراءة ختامية
في المجمل، تعكس تقديرات فيتش صورة تميل إلى التحسن الحذر للاقتصاد المصري من زاوية القطاع الخارجي. فالوصول بعجز الحساب الجاري إلى 2.7% من الناتج المحلي في 2026/2027 سيكون تطورًا مهمًا إذا ترافق مع استمرار نمو التحويلات، والحفاظ على قوة الاحتياطيات، وتحسن موارد النقد الأجنبي من الخدمات والاستثمار.
ولأن هذا الملف يرتبط مباشرة بثقة الأسواق، فإن المستثمرين في مصر سيتابعون عن قرب بيانات البنك المركزي المصري المقبلة، وأرقام ميزان المدفوعات، وتحركات الاحتياطي الأجنبي، باعتبارها المؤشرات الأوضح لقياس ما إذا كان هذا التحسن المتوقع يتحول بالفعل إلى اتجاه اقتصادي مستدام، أم يظل رهينًا بظروف خارجية قابلة للتبدل بسرعة.