«كاري أون» يعيد رسم خريطة التجزئة التموينية في مصر
«كاري أون».. مشروع حكومي بصيغة تجزئة حديثة
يشهد قطاع تجارة التجزئة في مصر تحركًا لافتًا مع تسارع وزارة التموين والتجارة الداخلية في تنفيذ مشروع «كاري أون»، وهو الاسم التجاري الموحد الذي تستهدف الوزارة تعميمه على المنافذ التابعة لها بعد تطويرها، بما يشمل بدالي التموين ومنافذ مشروع «جمعيتي». الفكرة لا تقتصر على تغيير اللافتات أو الشكل الخارجي، بل تقوم على إعادة بناء تجربة شراء أكثر تنظيمًا، وتوسيع قاعدة السلع المعروضة، ورفع كفاءة التشغيل داخل واحدة من أكثر القنوات التصاقًا بالمستهلك المصري.
التحول اكتسب زخمًا رسميًا خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد تحركات حكومية متتابعة ربطت المشروع بأهداف أكبر تتعلق بضبط الأسواق، وتحسين إتاحة السلع، وخلق نموذج أكثر قدرة على المنافسة داخل سوق التجزئة المحلي. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، فإن المشروع يمثل جزءًا من خطة وزارة التموين لتطوير المنافذ التموينية وتحويلها إلى منافذ عصرية متكاملة تحمل هوية موحدة وتقدم خدمات وسلعًا بأسلوب أقرب إلى السلاسل التجارية الحديثة.
اتفاق رسمي مع «تنمية المشروعات» لدعم التوسع
النقطة المفصلية في مسار «كاري أون» جاءت يوم 11 مايو 2026، عندما شهد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. المذكرة تستهدف تطوير المنافذ التموينية القائمة لتعمل تحت العلامة التجارية الموحدة «CARRY ON»، إلى جانب التوسع في إنشاء منافذ جديدة للشباب بنظام الامتياز التجاري أو الفرنشايز.
ووقّع الاتفاق من جانب الشركة القابضة أيمن إسماعيل سليمان بصفته الرئيس غير التنفيذي، بينما وقّعه عن جهاز تنمية المشروعات باسل رحمي، الرئيس التنفيذي للجهاز، بحضور عدد من المسؤولين من بينهم الدكتور علاء ناجي العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وحسام الجراحي رئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية، وأحمد كمال مساعد وزير التموين والمتحدث الرسمي للوزارة. هذه التركيبة تعكس أن المشروع لا يُدار كحملة تسويقية، بل كملف اقتصادي وتنظيمي متعدد الأطراف.
لماذا يهم «كاري أون» سوق التجزئة المصري؟
أهمية المشروع تنبع من موقعه بين مسارين: الأول اجتماعي يرتبط بتوفير السلع الأساسية للمواطنين، والثاني استثماري وتجاري يتعلق بإعادة تأهيل شبكة واسعة من المنافذ لتعمل بكفاءة أعلى. هذا يمنح «كاري أون» فرصة فريدة داخل السوق، لأنه ينطلق من بنية قائمة بالفعل، لكنه يحاول تشغيلها بعقلية قطاع التجزئة المنظم.
وتقول الحكومة إن الهدف هو تطبيق معايير موحدة للتشغيل والتصميم والعرض، بما يضمن انتظام توافر السلع التموينية والحرة بأسعار مناسبة، ويعزز قدرة هذه المنافذ على منافسة قنوات البيع الأخرى. هذا التوجه مهم في سوق يشهد تنافسًا قويًا من السلاسل الخاصة والمتاجر المتوسطة، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة.
ومن زاوية اقتصادية، فإن توحيد الهوية البصرية وأساليب الإدارة والشراء والتوزيع يمكن أن يرفع كفاءة التشغيل، ويقلل الفاقد، ويحسن تجربة المستهلك. كما أن توسيع نموذج الفرنشايز يفتح المجال أمام رواد الأعمال والشباب للدخول في نشاط التجزئة عبر علامة مدعومة مؤسسيًا، وهو ما يمنح المشروع بعدًا تمويليًا وتنمويًا يتجاوز مجرد تحديث المنافذ التقليدية.
دعم من رئاسة الوزراء ومتابعة ميدانية
المشروع حظي أيضًا بمتابعة من رئاسة مجلس الوزراء. ففي جولة ميدانية قبل نحو ثلاثة أشهر، تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أحد فروع «كاري أون» المطورة في مصر الجديدة بمحافظة القاهرة، ضمن جولة أوسع لمتابعة الأسواق. وخلال الزيارة، جرى استعراض أن المشروع يستهدف تقديم تجربة تسوق حديثة ومتكاملة تعتمد على جودة العرض وتنوع السلع وسهولة الحصول على الخدمة.
هذا الظهور الحكومي يبعث برسالة واضحة إلى السوق: «كاري أون» ليس مبادرة محدودة الأثر، بل أحد الملفات التي تراهن عليها الدولة ضمن مسار تطوير التجارة الداخلية في مصر. كما أن الحديث الرسمي ربط المشروع بتحسين كفاءة المجمعات الاستهلاكية وتوسيع قدراتها التنافسية، وهي نقطة أساسية إذا كانت الدولة تريد تحويل هذه المنافذ من مجرد قنوات صرف إلى منافذ بيع حديثة متعددة الوظائف.
أكثر من 1060 منفذًا ضمن الخطة المستهدفة
من أبرز الأرقام المرتبطة بالمشروع أن وزارة التموين تستهدف، في خطتها المعلنة، تطوير أكثر من 1060 منفذًا على مستوى الجمهورية تحت مظلة «كاري أون». هذا الرقم، إذا جرى تنفيذه وفق الجداول المستهدفة، يعني أن مصر أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة لقنوات التجزئة المرتبطة بالسلع الأساسية خلال الفترة الأخيرة.
وبالنسبة للسوق، فإن هذا الحجم من المنافذ يمنح «كاري أون» ميزة الانتشار الجغرافي السريع دون الحاجة إلى بناء شبكة جديدة من الصفر. كما يسمح بتوسيع نموذج السلع المزدوجة: سلع تموينية مدعومة أو منظمة من جهة، وسلع حرة تباع في السوق من جهة أخرى. هذا الدمج قد يرفع متوسط إنفاق المستهلك داخل المنفذ الواحد، ويحسن الجدوى الاقتصادية للتشغيل إذا أُحسن تنفيذه.
القطاع الخاص يدخل على الخط
التحركات الأخيرة تشير إلى أن الوزارة لا تريد بقاء المشروع داخل الإطار الحكومي فقط. ففي 23 يونيو 2026، عقد وزير التموين اجتماعًا مع مسؤولي شركة TMT for Multi Trading & Distribution، وهي الشركة التي تدير وتشغل فروع Circle K في مصر، لبحث آفاق التعاون في مشروع «كاري أون». الرسالة هنا أن الوزارة تبحث الاستفادة من خبرات الشركات المتخصصة في إدارة سلاسل التجزئة الحديثة من أجل تحسين نموذج التشغيل.
كما شاركت الشركة القابضة للصناعات الغذائية في معرض FRANEX 2026، الذي أقيم في القاهرة من 1 إلى 3 يوليو 2026، للترويج للمشروع القومي «كاري أون» واستعراض فرص الاستثمار المرتبطة به. وبحسب ما نشرته مصادر محلية، شهد جناح المشروع اهتمامًا من مستثمرين ورواد أعمال وممثلين لعلامات تجارية مصرية وعربية، فيما أجرى الدكتور علاء ناجي لقاءات مع مستثمرين مصريين وعرب لبحث فرص التوسع والشراكة.
ما الذي قد يتغير للمستهلك المصري؟
إذا نجح المشروع في تطبيق مستهدفاته، فالتغيير المتوقع لن يكون في الشكل فقط، بل في تجربة الشراء نفسها. المستهلك قد يواجه منفذًا أكثر تنظيمًا، وسلعًا مرتبة بشكل أوضح، وخدمات أسرع، وتنوعًا أكبر بين السلع الأساسية والسلع الاستهلاكية اليومية. كذلك، فإن رفع كفاءة الإمداد والتشغيل يمكن أن يساهم في تقليل فجوات التوريد وتحسين توافر المنتجات، خاصة في المناطق التي تعتمد بدرجة أكبر على منافذ التموين الرسمية.
لكن النجاح الفعلي سيظل مرهونًا بعوامل تنفيذية حاسمة، منها استدامة الإمداد، وجودة الإدارة، والتسعير، واستخدام التكنولوجيا في الرقابة والمحاسبة. ولهذا السبب، بحثت الوزارة في الأسابيع الماضية أيضًا آليات التعاون التكنولوجي والمالي مع إي فاينانس لدعم تنفيذ المشروع، في إشارة إلى أن التحول الرقمي سيكون جزءًا من بنيته التشغيلية وليس عنصرًا ثانويًا.
خلاصة المشهد
في جوهره، يمثل «كاري أون» محاولة لإعادة تموضع الدولة داخل سوق التجزئة المصري بأدوات أكثر عصرية. المشروع يجمع بين البعد الاجتماعي المرتبط بتوفير السلع، والبعد الاستثماري المرتبط بالامتياز التجاري، والبعد الإداري المتعلق برفع الكفاءة والحوكمة. ومع وجود دعم حكومي مباشر، وخطط لتطوير أكثر من ألف منفذ، ومفاوضات مع جهات تشغيل متخصصة، فإن «كاري أون» يبدو مرشحًا لأن يصبح أحد أبرز ملفات بنوك واستثمار مصر خلال المرحلة المقبلة.
وبينما لا تزال النتائج النهائية رهن التنفيذ على الأرض، فإن المؤكد أن المشروع فتح بابًا جديدًا للنقاش حول مستقبل المنافذ التموينية: هل تظل مجرد أداة توزيع تقليدية، أم تتحول إلى لاعب منظم ومؤثر داخل خريطة التجزئة الحديثة في مصر؟ المؤشرات الحالية تقول إن الدولة اختارت المسار الثاني، وأن «كاري أون» هو عنوان هذه المرحلة.