الإقتصادي

كيف أعادت تعديلات القيمة المضافة تسعير الأجهزة الطبية بمصر؟

ماذا تغيّر بعد موافقة مجلس النواب؟

دخلت شركات الأجهزة الطبية والمصانع المصرية مرحلة جديدة من إعادة الحسابات المالية والتشغيلية بعد موافقة مجلس النواب، في جلسته العامة يوم 23 يونيو 2026، على مشروع تعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016. أهمية التعديل لا تتوقف عند كونه خطوة تشريعية، بل تمتد إلى تأثير مباشر على التسعير، والسيولة، وخطط التوسع، وهي الزاوية التي شددت عليها رشا عبد العال رئيس مصلحة الضرائب المصرية في تصريحاتها الأخيرة، عندما وصفت التعديلات بأنها داعمة للصناعة والقطاع الصحي وتعزز كفاءة المنظومة الضريبية.

جوهر التغيير بالنسبة للسوق المصرية واضح: إخضاع الأجهزة الطبية والأجهزة المستخدمة في الأغراض الطبية لضريبة قيمة مضافة بفئة 5% بدلًا من خضوعها للسعر العام 14%. هذا الفارق وحده كفيل بإعادة بناء نماذج التسعير والموازنات داخل الشركات المستوردة والمصنعة والموزعة، خصوصًا في سوق تتأثر فيه التكلفة بسعر التمويل ومدد التحصيل وحجم المخزون.

رسالة مصلحة الضرائب المصرية: دعم الصناعة لا مجرد تحصيل

تصريحات رشا عبد العال حملت رسالة مهمة لقطاع الأعمال في مصر، وهي أن مصلحة الضرائب المصرية تحاول الربط بين الإصلاح الضريبي وتحفيز الاستثمار والإنتاج. ووفق ما أعلنته المصلحة، فإن التعديلات جاءت تنفيذًا لتوجيهات وزير المالية أحمد كجوك لاستكمال مسار التيسيرات الضريبية، مع تحقيق توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على موارد الدولة.

ومن زاوية "مصلحة الضرايب المصريه" التي تهم السوق، فإن الملف لا يتعلق فقط بخفض فئة ضريبية، بل أيضًا بإعادة ضبط آليات الخصم ورد الرصيد الدائن وتأجيل استحقاق الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي. وهذا يعني أن العلاقة بين الممول والإدارة الضريبية تتحرك من مجرد سداد واجب إلى إدارة تدفقات نقدية أكثر كفاءة.

كيف تتغير حسابات شركات الأجهزة الطبية؟

1) إعادة تسعير فورية

الشركات العاملة في الأجهزة الطبية كانت تتعامل مع عبء ضريبي أعلى عند خضوع هذه الأجهزة للسعر العام. ومع الانتقال إلى 5%، أصبح هناك هامش جديد لإعادة النظر في أسعار البيع النهائية للمستشفيات، والمراكز الطبية، وشركات التوريد، وحتى المناقصات الحكومية والخاصة. في القطاعات التي تعمل بهوامش ربح محدودة، فإن خفض 9 نقاط مئوية في الضريبة يغير حسابات العطاءات والعقود بشكل مباشر.

2) تحسين القدرة التنافسية للمنتج المحلي

واحدة من أهم النقاط التي أقرها التعديل هي منح المكلف حق الخصم الضريبي لمبيعاته من الآلات والمعدات والأجهزة الطبية التي تسري بشأنها أحكام المادة 28 مكررًا. هذه النقطة مهمة جدًا للمصانع المحلية؛ لأنها تقلل الفجوة بين المنتج المحلي والمستورد، وتمنح المصنع المصري مساحة أوسع للمنافسة في السوق، بدلًا من أن يتحمل تكلفة ضريبية لا يستطيع تمريرها بسهولة إلى المشتري النهائي.

3) تخفيف الضغط على رأس المال العامل

عندما تنخفض الضريبة على المنتج النهائي، تتراجع القيمة النقدية التي تحتاجها الشركات لتمويل دورة المخزون والمبيعات. هذا لا يعني بالضرورة انخفاضًا فوريًا بنفس النسبة في الأسعار، لأن الشركات ستراجع أيضًا تكلفة التمويل والشحن والتأمين وسعر الصرف، لكنه يعني أن الضغط على رأس المال العامل سيكون أقل مما كان عليه قبل التعديل.

ماذا تكسب المصانع المصرية من مد تعليق الضريبة إلى 4 سنوات؟

التعديل الثاني الأكثر تأثيرًا على المصانع هو زيادة مدة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة المستحقة على الآلات والمعدات لحين تركيبها واستخدامها في الإنتاج الصناعي إلى 4 سنوات كحد أقصى بدلًا من سنتين. وتمتد المعاملة نفسها إلى الأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي، مثل أجهزة تصنيع الأطراف الصناعية والأدوية والمحاليل الطبية وإنتاج بلازما الدم.

هذه النقطة بالذات تغير الحسابات الاستثمارية للمصانع المصرية، لأن المشروعات الصناعية لا تبدأ التشغيل دائمًا خلال عامين. خطوط الإنتاج الجديدة، والتوسعات، والمصانع التي تستورد معدات متخصصة، كانت تواجه خطر تحول الضريبة المؤجلة إلى التزام واجب السداد إذا تأخر التشغيل. الآن، تمنح المهلة الجديدة مساحة زمنية أكبر للتجهيز والتشغيل التجريبي، بما يقلل مخاطر استنزاف السيولة في مرحلة ما قبل الإنتاج.

  • للمصنع الجديد: مهلة أطول لتركيب المعدات قبل نشوء ضغط ضريبي نقدي.
  • للمصنع القائم: مرونة أكبر في تنفيذ التوسعات وخطوط الإنتاج الجديدة.
  • لقطاع الصناعات الطبية: دعم أوضح لمشروعات التصنيع المحلي بدل الاكتفاء بالاستيراد.

أثر التعديلات على الكُلفة الصحية وسوق المستشفيات

خفض الضريبة إلى 5% لا يهم الشركات وحدها، بل ينعكس أيضًا على المشتري المؤسسي: المستشفيات، ومراكز الأشعة، والعيادات الكبرى، وشركات إدارة الرعاية الصحية. كل هذه الجهات تعتمد على أجهزة وتجهيزات مرتفعة الكلفة نسبيًا، وأي خفض في العبء الضريبي يفتح الباب أمام قرارات شراء أو تحديث كانت مؤجلة.

كما تضمنت التعديلات إعفاء مدخلات تصنيع أجزاء ولوازم وأجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى من الضريبة، وهي نقطة تحمل بعدًا اجتماعيًا وصحيًا واضحًا في السوق المصرية، لأن تكلفة هذه المستلزمات تمس قطاعًا علاجيًا حساسًا وكثيف الاستخدام.

لماذا يراقب المستثمرون بند رد الرصيد الدائن؟

بعيدًا عن الضريبة المفروضة على الأجهزة نفسها، يراقب المستثمرون والمصنعون بندًا آخر لا يقل أهمية: تقليص فترة رد الرصيد الدائن إلى أربع فترات ضريبية متتالية بدلًا من ست، مع منح المشروعات الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025 حق الرد بعد 3 أشهر فقط. هذا التطور مهم في القطاعات التي تتراكم فيها أرصدة ضريبية دائنة بسبب اختلاف معاملة المدخلات والمخرجات أو طبيعة دورة التوريد.

بالنسبة لشركات الأجهزة الطبية والمصانع المصرية، سرعة رد الرصيد الدائن تعني سيولة أسرع، وقدرة أعلى على تمويل الاستيراد أو شراء خامات أو خدمة التزامات قصيرة الأجل. وفي بيئة فائدة وتمويل مرتفعة نسبيًا، تصبح سرعة استرداد المستحقات الضريبية عنصرًا ماليًا مؤثرًا، لا مجرد تفصيل إجرائي.

هل تنخفض الأسعار فورًا في السوق؟

ليس بالضرورة أن يظهر أثر التعديل بنفس السرعة أو النسبة عند المستهلك النهائي. فالسوق تمر عبر عدة حلقات: مستورد أو مصنع، ثم موزع، ثم مؤسسة صحية أو تاجر متخصص، إضافة إلى عقود قائمة أبرمت قبل صدور التعديل. لكن المؤكد أن هيكل التكلفة تغيّر، وأن الشركات ستضطر إلى إعادة بناء قوائم الأسعار والعروض والميزانيات التقديرية على أساس ضريبي جديد.

في المناقصات الجديدة، سيكون الأثر أسرع وأكثر وضوحًا، لأن العروض ستُبنى من البداية وفق المعاملة الجديدة. أما في العقود الجارية، فالأمر يعتمد على شروط إعادة التسعير وتوقيت الفوترة وتسليم البضائع.

الخلاصة: من الرابح الأكبر؟

الرابح الأول هو المنتج المحلي إذا أحسن استغلال حق الخصم الضريبي ومدد تعليق الضريبة على المعدات، لأن ذلك يحسن قدرته على التوسع دون ضغط نقدي مبكر. والرابح الثاني هو شركات الأجهزة الطبية التي ستحصل على مساحة أوسع لإدارة التسعير والربحية والسيولة. أما الرابح الثالث فهو القطاع الصحي المصري الذي قد يستفيد من تكلفة أقل عند شراء أو تحديث الأجهزة، خصوصًا في المجالات كثيفة الاعتماد على التجهيزات.

لكن النجاح العملي سيعتمد في النهاية على سرعة التطبيق الواضح من مصلحة الضرائب المصرية، ومدى قدرة الشركات على إعادة هيكلة حساباتها الضريبية والمالية بشكل صحيح. بعد تصريحات رشا عبد العال، لم تعد القضية مجرد تعديل قانوني على الورق؛ بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لكيفية تحويل السياسة الضريبية إلى أداة لدعم الصناعة، وتخفيف كلفة الرعاية الصحية، وتحسين مناخ الاستثمار داخل مصر.