الإقتصادي

كيف تدعم إصلاحات الضرائب أسهم الصحة والصناعة ببورصة مصر؟

مصلحة الضرائب المصرية في قلب الحزمة الثانية

دخلت الحزمة الثانية للإصلاحات الضريبية مرحلة التنفيذ التشريعي والسياسي خلال يونيو ويوليو 2026، بعدما أقرت الحكومة التعديلات ودفع بها مجلس النواب ضمن مسار أوسع تقوده مصلحة الضرائب المصرية ووزارة المالية لتبسيط المنظومة الضريبية وتحسين السيولة داخل الشركات. وبحسب البيانات الرسمية، وافق مجلس النواب يوم 23 يونيو 2026 على تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة، بينما أكدت وزارة المالية في 2 يوليو 2026 أن التطبيق سيبدأ فور صدور القوانين رسميًا.

الزاوية الأهم لسوق المال ليست فقط في خفض العبء الضريبي، بل في أن الحزمة تمس نقطتين شديدتي الحساسية لربحية الشركات المقيدة: خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية إلى 5% بدلًا من السعر العام، وتقليص مدة رد الرصيد الدائن إلى أكثر من أربع فترات ضريبية متتالية بدلًا من ست، مع ميزة أسرع للمشروعات الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025 بحيث يتم الرد بعد ثلاثة أشهر فقط. كما شملت التعديلات زيادة مدة تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي إلى أربع سنوات وفقًا لما أعلنته رئيس مصلحة الضرائب المصرية رشا عبد العال ووزارة المالية.

لماذا يهتم المستثمرون في بورصة مصر بهذه التعديلات؟

في البورصة المصرية، يتحرك المستثمر عادة مع أي قرار يغير ثلاثة عناصر: التكلفة، والسيولة، وسرعة التوسع. والحزمة الجديدة تضرب هذه العناصر الثلاثة معًا. خفض ضريبة الأجهزة الطبية يخفف تكلفة الاستيراد أو التصنيع والبيع في سلاسل الإمداد الصحية، فيما يسرّع رد الرصيد الدائن دوران النقد داخل الشركات، وهو عامل مهم للغاية لقطاعات تعمل بهوامش متفاوتة وتحتاج تمويلًا مستمرًا للمخزون والمواد الخام والإنفاق الرأسمالي.

هذا الأثر يبدو أكثر وضوحًا في الشركات التي ترتبط أعمالها مباشرة أو بشكل غير مباشر بالمستلزمات الطبية، التوزيع الدوائي، تصنيع الأدوية، وتشغيل المستشفيات. كما يمتد إلى الشركات الصناعية التي تستخدم معدات وأجهزة ضمن خطوط إنتاجها أو تستفيد من تمديد تعليق الضريبة على الآلات والمعدات.

أثر مباشر على أسهم الرعاية الصحية والأدوية

قطاع الرعاية الصحية والأدوية كان من أكثر القطاعات نشاطًا في السوق خلال 2026. ووفق تغطية سوقية محلية في 1 يونيو 2026، تصدرت مجموعة مستشفيات كليوباترا القطاع بقيمة سوقية بلغت 22.57 مليار جنيه، تلتها إيبيكو بقيمة 14.60 مليار جنيه، ثم ابن سينا فارما بقيمة 11.78 مليار جنيه، ثم راميدا بقيمة 10.30 مليار جنيه. وهذه الأسماء نفسها مرشحة لتكون بين أول المستفيدين من أي تحسن ضريبي ينعكس على التكلفة والسيولة.

1) المستشفيات ومقدمو الخدمة

الشركات المشغلة للمستشفيات، وعلى رأسها مجموعة مستشفيات كليوباترا، قد تستفيد من خفض ضريبة الأجهزة الطبية عبر تقليل كلفة تجهيزات التوسعات أو تحديث المعدات، خاصة في الأنشطة كثيفة الاستثمار مثل غرف العمليات، الأشعة، المناظير والرعاية الحرجة. وعندما تنخفض كلفة المعدات أو تتراجع الضريبة عليها، يتحسن العائد المتوقع من التوسعات الرأسمالية، وهو ما قد يدعم تقييمات الأسهم على المدى المتوسط.

وتزامن ذلك مع إشارات تشغيلية مهمة؛ إذ أظهرت إفصاحات نتائج الربع الأول لـ2026 أن إيرادات كليوباترا بلغت نحو 1.97 مليار جنيه مقابل 1.62 مليار جنيه في الفترة المقارنة من 2025، كما شهد السهم تطورًا لافتًا مع إفصاح سريان تجاوز جولدمان ساكس الدولية نسبة 5.03% من أسهم الشركة اعتبارًا من 1 يوليو 2026. وجود شهية مؤسسية على السهم يجعل أي تحسن تنظيمي أو ضريبي مادة داعمة للنظرة الاستثمارية.

2) شركات الدواء والتوزيع

بالنسبة إلى إيبيكو وراميدا وابن سينا فارما، فالأثر قد يأتي عبر أكثر من قناة. أولها أن تخفيف الضريبة على بعض الأجهزة والمستلزمات الطبية ينعكس على حركة السوق الصحية ككل، ما يدعم الطلب ويقلل الضغط على سلاسل التوريد. ثانيها أن تسريع رد الرصيد الدائن مهم جدًا للشركات التي تدير مخزونًا كبيرًا أو تعمل بهوامش دوران مرتفعة مثل الموزعين. فكل شهر أقل في دورة استرداد الضريبة يعني مالًا متاحًا أسرع لشراء مخزون جديد أو خفض الاعتماد على التسهيلات الائتمانية.

وهنا تظهر ميزة الحزمة من منظور السوق: المستثمر لا ينظر فقط إلى الوفر الضريبي المباشر، بل إلى تحسن دورة رأس المال العامل. ومع معدلات الفائدة وتكلفة التمويل، فإن تحرير سيولة مجمدة في أرصدة دائنة ضريبية قد يكون له أثر ملموس على الأرباح الصافية، أو على الأقل على جودة التدفقات النقدية.

وماذا عن الأسهم الصناعية المقيدة؟

رغم أن عنوان التغطية يركز على الأجهزة الطبية، فإن الأثر لا يقتصر على الرعاية الصحية. وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية أوضحتا أن التعديلات تشمل أيضًا دعم القطاع الصناعي عبر توسيع وتطويل تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي إلى أربع سنوات، مع منح حق الخصم أو الإعفاء حال الاستخدام الفعلي في الإنتاج وفق الحالات التي نصت عليها التعديلات.

هذا يعني أن الشركات الصناعية المقيدة التي تخطط لتحديث خطوط إنتاج أو إضافة معدات جديدة قد تستفيد من خفض الضغط النقدي في بداية الاستثمار. وفي بيئة يشكو فيها المصنعون من ارتفاع تكلفة التمويل وطول دورة الاسترداد، يصبح لأي تسهيل ضريبي أثر مضاعف على شهية الإنفاق الرأسمالي. ومن ثم، قد يكون الأثر الإيجابي أكثر وضوحًا على الأسهم الصناعية التي ترتبط بخطط توسع فعلية أو استيراد معدات أو إحلال تكنولوجي.

كيف يقرأ السوق هذه التطورات؟

السوق غالبًا سيتعامل مع الإصلاحات على مرحلتين:

  • مرحلة فورية: إعادة تسعير معنوية لأسهم الرعاية الصحية والصناعة مع تحسن التوقعات بشأن السيولة والهوامش.
  • مرحلة تشغيلية: متابعة نتائج الأعمال المقبلة لمعرفة هل ظهر الأثر فعليًا في بند تكلفة المبيعات، المصروفات التمويلية، أو التدفقات النقدية من التشغيل.

ومن المهم هنا التفرقة بين الشركات. فليست كل الأسهم ستستفيد بالقدر نفسه. الشركات الأكثر تعرضًا للمعدات الطبية، أو التي لديها أرصدة ضريبية دائنة كبيرة، أو خطط توسع رأسمالي نشطة، مرشحة لالتقاط النصيب الأكبر من الأثر الإيجابي. أما الشركات الأقل ارتباطًا بهذه البنود فقد تستفيد بدرجة غير مباشرة فقط.

هل تكفي الحوافز وحدها لدفع الأسهم للصعود؟

الإجابة الأقرب للدقة: لا، لكنها محفز مهم. فأسهم بورصة مصر لا تتحرك على الضرائب فقط، بل على مزيج من نتائج الأعمال، سعر الصرف، الفائدة، قوة الطلب المحلي، والقدرة على تمرير التكلفة إلى المستهلك. لكن ما تمنحه الحزمة الثانية هو تحسن نوعي في بيئة التشغيل، خصوصًا لأن الإصلاح جاء من زاوية عملية تمس الشركات يوميًا: الفاتورة الضريبية، استرداد المستحقات، وكلفة تجهيز الأصول الإنتاجية والطبية.

ومن هذه الزاوية، تبدو مصلحة الضرائب المصرية هي اللاعب المؤسسي الأبرز في القصة؛ ليس فقط كجهة تحصيل، بل كجزء من صياغة بيئة استثمار أكثر سلاسة. تصريحات رشا عبد العال خلال يوليو 2026 ركزت بوضوح على أن التعديلات تستهدف دعم الصناعة والقطاع الصحي وتعزيز كفاءة المنظومة الضريبية، وهي رسالة مهمة لمستثمري السوق الذين يبحثون عن إشارات رسمية قابلة للقياس.

الخلاصة للمستثمر المصري

الحزمة الثانية للإصلاحات الضريبية في يوليو 2026 تمنح أسهم الرعاية الصحية والصناعة المقيدة ببورصة مصر دعمًا أساسيًا عبر مسارين واضحين: خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية إلى 5%، وتسريع رد الرصيد الدائن. الأول قد يخفف التكلفة ويدعم الاستثمار في المعدات، والثاني يحسن السيولة ويقلل الضغط على رأس المال العامل.

إذا انعكس ذلك في نتائج النصف الثاني من 2026، فقد تستفيد أسماء مثل مستشفى كليوباترا وإيبيكو وابن سينا فارما وراميدا، إلى جانب شركات صناعية لديها خطط توسع ومشتريات معدات مؤجلة. ولهذا، فإن المتابعة الأهم الآن ليست عنوان القانون فقط، بل كيف ستترجم هذه التسهيلات داخل القوائم المالية والإفصاحات المقبلة في البورصة المصرية.