الإقتصادي

كيف ينعكس تقليص رد «القيمة المضافة» على سيولة الشركات؟

تعديل ضريبي يمس السيولة مباشرة

بعد موافقة مجلس النواب نهائيًا، في جلسته العامة خلال أواخر يونيو 2026، على مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016، عاد ملف رد الرصيد الدائن إلى صدارة اهتمام مجتمع الأعمال في مصر، لا باعتباره بندًا إجرائيًا فحسب، بل كأداة تمويل غير مباشرة تؤثر في دورة النقد داخل الشركات المقيدة بالبورصة، والموردين، وسلاسل الإنتاج والتوريد.

الزاوية الأهم هنا تخص مصلحة الضرائب المصرية نفسها، لأن التعديل يأتي ضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية التي تقودها وزارة المالية وتنفذها المصلحة، بقيادة رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، وبمتابعة من وزير المالية أحمد كجوك. ووفق ما أعلنته المصلحة، فإن التعديل خفّض مدة رد الرصيد الدائن للممولين من أكثر من ست فترات ضريبية متتالية إلى أكثر من أربع فترات، مع ميزة إضافية للمشروعات الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025 بحيث يتم رد الرصيد الدائن بعد ثلاثة أشهر فقط.

ماذا تغيّر فعليًا في القانون؟

النقطة الجوهرية ليست مجرد اختصار شهرين من الجدول الزمني، بل إعادة تسعير الزمن نفسه داخل المراكز المالية للشركات. فحين تحتفظ شركة برصيد ضريبة قيمة مضافة دائن لفترة طويلة، فإن هذا الرصيد يتحول عمليًا إلى سيولة مجمدة، خصوصًا في القطاعات التي تتكرر فيها فروق الضريبة بين المدخلات والمخرجات، أو تتراكم فيها الضريبة على المخزون، أو التي تتعامل مع جهات معفاة يسمح لها القانون بخصم الضريبة على المدخلات.

مصلحة الضرائب كانت قد أوضحت في أدلة وإجراءات سابقة أن من بين حالات رد الضريبة على القيمة المضافة وجود رصيد دائن مرّ عليه أكثر من ست فترات ضريبية متتالية. أما بعد التعديل الجديد، فأصبح الحد الزمني أقصر. وهذا التغيير يعني أن الشركات لن تنتظر نصف عام تقريبًا حتى تبدأ في تفعيل أحقية الرد، بل نحو أربعة أشهر فقط، وهو فارق مؤثر في بيئة أعمال ترتفع فيها تكلفة التمويل وتُحسب فيها التدفقات النقدية بدقة شديدة.

كيف تعيد رشا عبد العال تسعير سيولة الشركات؟

على مستوى الصحافة الاقتصادية، يمكن قراءة ما يحدث باعتباره إعادة تسعير للسيولة أكثر من كونه مجرد تسهيل إداري. كل يوم تختصره مصلحة الضرائب في مسار رد المستحقات يخفف من حاجة الشركات إلى تمويل رأس المال العامل عبر التسهيلات البنكية قصيرة الأجل أو السحب على المكشوف أو تأجيل التزامات للموردين.

رشا عبد العال ربطت التعديل صراحةً بتحسين السيولة النقدية للمشروعات وتحفيزها على التوسع والاستمرار. وهذه الصياغة مهمة، لأنها تنقل دور مصلحة الضرائب من جهة تحصيل فقط إلى طرف مؤثر في إدارة دورة النقد داخل الاقتصاد الرسمي. فالشركة التي تسترد مستحقاتها الضريبية أسرع، تصبح أقدر على:

  • سداد التزامات الموردين في مواعيد أقرب.
  • خفض تكلفة التمويل المرتبطة بتجمد أرصدة مستحقة لها.
  • تحسين دورة رأس المال العامل، خصوصًا في الشركات الصناعية والتجارية كثيفة المشتريات.
  • رفع القدرة على التوسع دون انتظار تحرير سيولة محتجزة داخل النظام الضريبي.

بالنسبة للشركات المقيدة في البورصة المصرية، فإن هذه النقطة لها حساسية خاصة. المستثمرون يراقبون دومًا بند المدينون والأرصدة الضريبية وتأثيره على التدفقات النقدية التشغيلية. وكلما تسارع رد الرصيد الدائن، تراجعت الفجوة بين الربحية المحاسبية والسيولة الفعلية.

الأثر على الموردين وسلاسل التوريد

المستفيد ليس فقط الشركات الكبرى أو المقيدة. الموردون، خصوصًا من يعملون ضمن سلاسل إنتاج لقطاعات صناعية أو طبية أو تجارية، يتأثرون بشدة بسرعة دوران النقد لدى عملائهم الرئيسيين. فعندما تتحسن قدرة الشركة الأكبر على استرداد الرصيد الدائن، تتحسن تبعًا لذلك قدرتها على الوفاء بمستحقات الموردين، وتقل الحاجة إلى مد آجال السداد أو إعادة التفاوض على شروط التوريد.

هذا يكتسب أهمية إضافية في ظل ما أعلنته مصلحة الضرائب عن أن المشروعات الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025، وهي المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، ستحصل على رد الرصيد الدائن بعد ثلاثة أشهر فقط. هذه الفئة تمثل شريحة واسعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يكون أثر أي تجميد للسيولة عليها أكبر بكثير من أثره على الكيانات الكبرى.

لماذا يهم ذلك للبورصة المصرية؟

لأن أسواق المال لا تقرأ التشريعات الضريبية من زاوية الجباية فقط، بل من زاوية التدفقات النقدية، والقدرة على تمويل النمو، ومخاطر الضغط على رأس المال العامل. وعندما تقل مدة رد الرصيد الدائن، فإن ذلك قد ينعكس على عدة مستويات:

  • تحسن جودة السيولة في بعض الشركات المقيدة.
  • تقليل الضغط على احتياجات الاقتراض قصير الأجل.
  • دعم الشركات التي تعتمد على مخزون مرتفع أو مدخلات خاضعة لضريبة أكبر من ضريبة المخرجات.
  • تحسين العلاقة التجارية بين الشركات الكبرى والموردين المحليين.

ولا يعني ذلك بالضرورة ارتفاعًا تلقائيًا في أرباح الشركات، لأن رد الرصيد الدائن لا يخلق ربحًا جديدًا بقدر ما يسرّع استعادة حق مالي قائم بالفعل. لكن أثره يظهر بوضوح في مرونة المركز النقدي وقدرة الشركة على الحركة.

الحزمة الثانية: أكثر من بند واحد

التعديل الخاص برد الرصيد الدائن جاء ضمن باقة أوسع. مجلس النواب ومصلحة الضرائب أشارا إلى أن تعديلات القيمة المضافة شملت أيضًا تطبيق السعر الاستثنائي 5% على الآلات والمعدات ليشمل الأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج، ومد مدة تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي إلى أربع سنوات كحد أقصى بدلًا من سنتين، إلى جانب عدم استحقاق الضريبة على الخدمات المؤداة على السلع العابرة الترانزيت.

هذه البنود تكشف أن المقاربة الحكومية لا تستهدف ملف الرد فقط، بل تسعى إلى تخفيف اختناقات السيولة والتكلفة في حلقات الاستثمار والإنتاج. لكن من بين كل البنود، يظل تقليص مدة رد الرصيد الدائن هو الأكثر تماسًا مع الحياة اليومية للشركات والموردين، لأنه يرتبط بالنقد الجاهز وليس بالحوافز المؤجلة.

ما الذي سيحدد نجاح التعديل على الأرض؟

نجاح النص التشريعي سيتوقف على كفاءة التنفيذ داخل مصلحة الضرائب المصرية. فالسوق لا يقيس الأمور بما يُنشر في الجريدة الرسمية أو البيانات وحدها، بل بسرعة تحويل النص إلى ممارسة مستقرة يمكن الاعتماد عليها عند إعداد الموازنات والتدفقات النقدية المتوقعة.

وهنا يصبح دور رشا عبد العال محوريًا: ليس فقط في الترويج للتعديلات، ولكن في ضمان أن تنعكس على إجراءات العمل، واستيفاء المستندات، وسرعة الفحص، والالتزام بالمواعيد. وكانت المصلحة قد أوضحت سابقًا أن إجراءات رد الضريبة بعد استيفاء المستندات لا ينبغي أن تتجاوز 45 يومًا من تاريخ الاستيفاء، مع مراجعة الطلبات خلال خمسة أيام عمل، وطلب أي مستندات ناقصة خلال الإطار المحدد.

الخلاصة

موافقة مجلس النواب على تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة ليست خبرًا تشريعيًا عابرًا بالنسبة لقسم بورصة مصر. الأثر الأعمق يكمن في أن مصلحة الضرائب المصرية، بقيادة رشا عبد العال، تدفع نحو تقليص الفترة التي تبقى فيها أموال الشركات عالقة كأرصدة دائنة. في اقتصاد ترتفع فيه حساسية السيولة، يصبح اختصار الانتظار من ست فترات ضريبية إلى أربع، ومنح بعض المشروعات حق الرد بعد ثلاثة أشهر، بمثابة خفض غير مباشر لتكلفة التشغيل وتحسين ملموس لدورة النقد.

وبالنسبة للشركات المقيدة والموردين، فإن الرسالة واضحة: التعديل لا يضيف سيولة جديدة من خارج النشاط، لكنه يسرّع عودة السيولة المستحقة. وهذا وحده كفيل بإعادة ترتيب حسابات التمويل، والسداد، والمخزون، والتوسع، في وقت تبحث فيه السوق المصرية عن كل أداة ممكنة لتخفيف الضغط على رأس المال العامل.