لجنة مشتركة بين الرقابة المالية والبورصة والضرائب لدعم السوق
تحرك جديد لتنسيق السياسات بين الرقابة المالية والبورصة والضرائب
تشهد سوق المال المصرية خطوة مؤسسية جديدة تستهدف تحسين بيئة الاستثمار ورفع كفاءة التعامل مع الملفات التنظيمية والضريبية، بعدما اتفقت الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية ومصلحة الضرائب المصرية على تشكيل لجنة تنسيقية مشتركة ومجموعة عمل فنية، بهدف معالجة القضايا المرتبطة بأنشطة السوق وتعزيز التعاون بين الجهات الثلاث.
وجاء الاتفاق خلال لقاء ضم الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، والأستاذة رشا عبدالعال رئيس مصلحة الضرائب المصرية، والأستاذ عمر رضوان رئيس البورصة المصرية، بحضور قيادات من الجهات الثلاث. وبحسب ما تم الإعلان عنه في 8 يوليو 2026، فإن التحرك يركز على دعم كفاءة سوق رأس المال وتيسير بيئة الأعمال أمام المستثمرين والمتعاملين والشركات العاملة في القطاع.
ما الذي تستهدفه اللجنة المشتركة؟
الهدف الأساسي من اللجنة الجديدة هو خلق آلية منتظمة للتنسيق بدلاً من التعامل مع الملفات المتشابكة بصورة منفصلة. وتشمل الملفات المطروحة الجوانب التنظيمية، وآليات الفهم الضريبي لطبيعة الأنشطة الاستثمارية، إلى جانب إعداد مواد إرشادية وتوسيع التدريب المتبادل بين الكوادر الفنية في الجهات الثلاث.
هذا التوجه مهم للسوق المصرية لأن النشاط في البورصة لا يرتبط فقط بعمليات التداول، بل يتشابك أيضًا مع قضايا الإفصاح، والمعالجة الضريبية، وتطوير الأدوات المالية، وتسريع الإجراءات اللازمة للشركات المقيدة أو الراغبة في القيد. لذلك فإن وجود لجنة دائمة أو شبه دائمة يمكن أن يختصر زمن حل المشكلات، ويحد من تباين التفسيرات، ويعزز الثقة لدى المستثمر المحلي والأجنبي.
رسالة واضحة لمجتمع الأعمال
الرسالة الأبرز من هذا الاتفاق هي أن الدولة تتجه إلى زيادة التنسيق المؤسسي بين الأطراف المؤثرة في سوق المال. فقد شدد الدكتور إسلام عزام على أهمية تكامل الأدوار بين الجهات الرقابية والتنفيذية لتذليل العقبات أمام المستثمرين، مع التركيز على بناء الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال، والتعاون في رفع كفاءة الكوادر الفنية والتدريب على الأطر التشريعية والتنظيمية الحديثة.
ومن جانبها، تضع مصلحة الضرائب هذا التنسيق في إطار أوسع يرتبط بتحسين الخدمة وتوسيع الشراكة مع المستثمرين. وتؤكد رشا عبدالعال في أكثر من مناسبة خلال 2026 أن وزارة المالية ومصلحة الضرائب تمضيان في مسار التسهيلات الضريبية وتعزيز الحوار مع مجتمع الأعمال، بما يدعم الاستثمار والاستقرار الضريبي.
الخطوة تأتي ضمن مسار أوسع لتطوير السوق
تشكيل اللجنة المشتركة لا يبدو إجراءً منفصلًا، بل ينسجم مع سلسلة تحركات شهدها السوق المصري خلال الأشهر الماضية. ففي مارس 2026، صدر القرار الجمهوري رقم 116 لسنة 2026 بتكليف الدكتور إسلام عزام رئيسًا للهيئة العامة للرقابة المالية، في خطوة عززت الحضور المؤسسي للهيئة في ملف تطوير الأنشطة المالية غير المصرفية وسوق رأس المال.
كما عززت مصر حضورها الدولي في تنظيم الأسواق، بعد فوزها برئاسة لجنة الأسواق النامية والناشئة التابعة للمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية IOSCO للفترة 2026-2028، وهو ما يدعم صورة السوق المصرية على مستوى التعاون الرقابي وتبادل الخبرات الدولية.
وعلى مستوى البنية السوقية، شهدت البورصة المصرية في 28 فبراير 2026 إطلاق سوق المشتقات المالية، وهي خطوة استهدفت تحسين السيولة وتوفير أدوات أكثر تقدمًا لإدارة المخاطر والتحوط، بما يواكب مسار تحديث سوق المال المصري ورفع تنافسيته إقليميًا.
لماذا يهم الملف الضريبي المستثمرين؟
أي سوق مال فعالة تحتاج إلى وضوح في المعاملة الضريبية بقدر حاجتها إلى وضوح تنظيمي. المستثمر والشركة ومدير الأصول والوسيط المالي جميعهم يتأثرون بسرعة حسم التفسيرات الضريبية، وبمدى اتساق التطبيق بين النصوص والتنفيذ العملي. من هنا، فإن التقارب بين الرقابة المالية والضرائب والبورصة يمكن أن ينعكس على تقليل الاحتكاكات الإجرائية، خصوصًا في المسائل الفنية التي تتطلب فهمًا دقيقًا لطبيعة الأدوات المالية والأنشطة الاستثمارية.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع حديث الحكومة عن حوافز أوسع لدعم القيد في البورصة. فقد أشارت بيانات رسمية صادرة مطلع يوليو 2026 إلى أن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية تتضمن حافزًا لمدة ثلاث سنوات لتشجيع الشركات على القيد، مع استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية بضريبة دمغة، في توجه يستهدف تخفيض التكلفة وتحفيز الاستثمار والتداول.
زيادة عدد الشركات المقيدة ما زالت هدفًا رئيسيًا
التحرك الثلاثي الجديد يتقاطع أيضًا مع جهود قائمة لزيادة عمق السوق وعدد الشركات المقيدة. ففي يونيو 2026، ناقشت اللجنة الدائمة المشتركة بين الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة والبورصة المصرية سبل تسهيل إجراءات الشركات ورفع الوعي بمزايا القيد والتداول، مع الإشارة إلى أن عدد الشركات المساهمة المؤهلة للاستفادة من مزايا القيد كبير مقارنة بعدد الشركات المدرجة فعليًا.
هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية للقارئ المصري، لأن توسيع قاعدة الشركات المقيدة لا يتعلق فقط بنشاط المستثمرين في البورصة، بل يرتبط أيضًا بقدرة الشركات على الحصول على التمويل، وتحسين الحوكمة، ورفع مستويات الإفصاح، وخلق بدائل أوسع للادخار والاستثمار.
ماذا يمكن أن ينتج عن اللجنة عمليًا؟
- توحيد الفهم بشأن المعالجات الضريبية للأنشطة والأدوات المرتبطة بسوق المال.
- تسريع حل المشكلات التي تواجه الشركات المقيدة أو الراغبة في القيد.
- إعداد أدلة إرشادية تساعد العاملين والمتعاملين على فهم الإجراءات التنظيمية والعملية.
- رفع كفاءة الكوادر عبر التدريب المتبادل بين الجهات الثلاث.
- تحسين الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال، وهو عنصر جوهري لجذب الاستثمارات.
قراءة في التوقيت
يأتي هذا الاتفاق في توقيت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى تنشيط أدوات التمويل غير المصرفي، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين جاذبية البورصة كمنصة للتمويل والتخارج وجذب رؤوس الأموال. كما يتزامن مع تحركات رسمية لتحديث القوانين المنظمة لسوق رأس المال، ودعم استقرار السوق وحماية المتعاملين.
وبالنسبة للمستثمرين في مصر، فإن أهمية الخبر لا تكمن فقط في الإعلان عن لجنة جديدة، بل في دلالته على أن ملف تطوير سوق المال المصري بات يُدار بصورة أكثر تكاملًا بين الرقابة، والتشغيل، والتحصيل الضريبي. وإذا نجحت اللجنة في تحويل هذا التنسيق إلى إجراءات عملية واضحة وسريعة، فقد تمثل خطوة مؤثرة في تقليل التعقيد ورفع جاذبية السوق خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة أن السوق المصرية تتحرك نحو نموذج أكثر تنسيقًا بين مؤسساتها الرئيسية، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على سهولة ممارسة الأعمال، وزيادة وضوح القواعد، وتعميق السوق، وهي جميعها عناصر ضرورية لأي مسار جاد لتعزيز الاستثمار في مصر.