الإقتصادي

لماذا كبح مسار عُمان البديل قفزة النفط رغم توتر هرمز؟

هدوء نسبي في سوق النفط رغم سخونة الجغرافيا السياسية

لم تتحول التوترات العسكرية المرتبطة بإيران والولايات المتحدة إلى قفزة انفجارية في أسعار النفط كما كان يتوقع كثير من المتعاملين. صحيح أن خام برنت سجل في يونيو 2025 أعلى مستوى له في ستة أشهر عند نحو 74 دولارًا للبرميل، لكن السوق لم يشهد صعودًا خارج السيطرة، لأن الإمدادات الفعلية من الخليج استمرت في التدفق، ولأن المتعاملين رأوا أن الخطر على الشحنات لم يتحول إلى توقف واسع وطويل الأمد. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مضيق هرمز ظل، رغم التوتر، ممرًا نشطًا لحركة النفط، مع استمرار مرور نسبة مؤثرة من التجارة البحرية العالمية للطاقة عبره.

ما الذي خفف صدمة الأسعار؟

العامل الحاسم كان أن السوق تابع التدفقات الحقيقية لا العناوين السياسية فقط. بيانات تتبع الناقلات التي أوردتها بلومبرغ أظهرت أن حركة عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بقيت ضمن النطاق المعتاد بعد الضربات الأميركية في يونيو 2025، إذ مرّت 44 ناقلة نفط في يوم واحد، وهو رقم قريب من المستويات الطبيعية لذلك الشهر. هذا يعني أن المخاطر الأمنية رفعت علاوة المخاطرة، لكنها لم تتحول فورًا إلى انقطاع مادي واسع في الإمدادات.

إلى جانب ذلك، توجد خيارات التفاف جزئية تسمح لبعض المنتجين بتقليل الاعتماد الكامل على المضيق. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية، تملك السعودية والإمارات طاقات أنابيب يمكن أن تعيد توجيه جزء من الخام إلى موانئ خارج هرمز، سواء إلى البحر الأحمر أو إلى خليج عُمان. هذه البدائل لا تعوض كل الكميات المارة عبر المضيق، لكنها تكفي لطمأنة السوق بأن الإمدادات لن تختفي دفعة واحدة إذا تصاعدت التوترات لفترة قصيرة.

دور خليج عُمان في تهدئة السوق

الحديث عن الشحنات التي تتحرك بعيدًا عن بؤرة الترقب المباشر يرتبط عمليًا بجغرافيا خليج عُمان والموانئ المرتبطة به، حيث يمكن استقبال أو إعادة توجيه بعض الشحنات بعيدًا عن العقدة الأكثر حساسية داخل الخليج العربي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية البنية التحتية الإقليمية المحيطة بعُمان والإمارات، لأنها تمنح المصدرين مساحة أكبر للمناورة اللوجستية، حتى لو ظل مضيق هرمز نفسه هو الشريان الرئيسي للتجارة النفطية. كما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن خيارات تجاوز المضيق محدودة وليست كاملة، لكنها موجودة، وهو ما يفسر لماذا لم تتصرف السوق كما لو أن الإمدادات الخليجية قد توقفت بالكامل.

وتظهر الأرقام مدى حساسية هذا الممر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية قدّرت أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز في النصف الأول من 2025 بلغت نحو 23.2 مليون برميل يوميًا، بما يعادل 29% من إجمالي تدفقات النفط المنقولة بحرًا عالميًا، بينما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية مرّ عبر المضيق في 2025. هذه الضخامة تفسر لماذا ترتفع الأسعار سريعًا مع أي تهديد، لكنها تفسر أيضًا لماذا يركز المتعاملون على سؤال واحد: هل توقف التدفق فعلًا أم لا؟ وحتى الآن، الإجابة كانت: لا، ليس بشكل واسع.

لماذا لم يصدق السوق سيناريو الإغلاق الكامل؟

أسواق الطاقة اعتادت على التمييز بين التهديد السياسي والتعطل الفعلي. فإغلاق مضيق هرمز بالكامل ليس قرارًا بسيطًا من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، لأنه يضرب كذلك مصالح دول المنطقة والمشترين الآسيويين المعتمدين على الخام الخليجي. كما أن استمرار الشحنات الإيرانية نفسها في فترة التوتر كان من الإشارات التي قللت من احتمالات انقطاع شامل وفوري، إذ رصدت بلومبرغ تسارعًا في تحميل الخام الإيراني على الناقلات خلال يونيو 2025.

إضافة إلى ذلك، انخفاض بعض صادرات الخليج في 2024 وبداية 2025 كان مرتبطًا أصلًا بتخفيضات إنتاج أوبك+، لا باضطرابات شحن فقط. لذلك فإن أي زيادة في المخاطر لا تُترجم تلقائيًا إلى نقص جديد وكبير في الإمدادات إذا كانت الطاقة الإنتاجية نفسها خاضعة لإدارة وتحكم من المنتجين. هذه نقطة مهمة لفهم سلوك الأسعار خلال الفترة الماضية.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن هدوء أسعار النفط نسبيًا لا يعني غياب التأثير. مصر تراقب أي اضطراب في هرمز لأنه ينعكس على كلفة الطاقة، وسوق الغاز، وحركة التجارة. وخلال 21 يونيو 2025، أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة تعمل على تأمين احتياجات البلاد من الغاز الطبيعي عبر تعزيز البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، كما تفقد سفينة التغويز Energos Eskimo في العين السخنة. وفي أوائل يوليو 2025 كانت القاهرة تستهدف تشغيل ثلاث سفن تغويز لدعم الشبكة القومية خلال ذروة الصيف.

هذه التحركات تعكس أن مصر لا تنظر إلى أزمة هرمز كخبر خارجي فقط، بل كعامل قد يضغط على فاتورة الاستيراد وأمن الإمدادات، خاصة مع تشدد سوق الغاز في 2025. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن المخاوف من اتساع الصراع في يونيو 2025 رفعت أسعار الغاز أيضًا، كما أدى توقف إمدادات من حقول إسرائيلية لفترة بين 13 و25 يونيو إلى ضغوط إضافية على مصر والأردن، مع تأثيرات وصلت إلى خفض إنتاج الأسمدة.

هل الخطر انتهى؟

الإجابة الأقرب: لا. فاستمرار التدفقات لا يلغي هشاشة الوضع. وفق وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر هرمز جزء ضخم من تجارة النفط والغاز المسال عالميًا، والبدائل المتاحة للالتفاف حوله محدودة نسبيًا. وإذا تحول التوتر إلى هجمات متكررة على السفن أو البنية التحتية أو إلى تعطيل طويل الأجل، فقد تختلف استجابة الأسعار جذريًا.

  • أولًا: السوق هدأ لأن الناقلات واصلت الحركة فعليًا.
  • ثانيًا: جزء من الخام الخليجي يمكن تحويله عبر خطوط وأنظمة شحن خارج المسار الأكثر حساسية.
  • ثالثًا: المتعاملون لم يروا حتى الآن نقصًا ماديًا حادًا في المعروض يبرر قفزة ممتدة في الأسعار.
  • رابعًا: مصر تبقى من الدول التي تتأثر سريعًا بأي تصعيد عبر كلفة الطاقة والغاز والتجارة.

الخلاصة أن مسارات خليج عُمان وخيارات إعادة التوجيه اللوجستي لعبت دور صمام أمان مهمًا في 2025، فخففت التوتر النفسي في السوق ومنعت النفط من “التحليق” بالسرعة التي خشيها المستثمرون. لكن هذا الهدوء يظل مشروطًا باستمرار التدفقات، لأن أي تعطل واسع في أحد أهم شرايين الطاقة بالعالم سيعيد تسعير المخاطر فورًا، وهو ما تتابعه القاهرة بدقة لما له من أثر مباشر على الاقتصاد المحلي وفاتورة الواردات والطاقة.