الإقتصادي

ليزا كوك: الفيدرالي متمسك بخفض التضخم دون كسر التوظيف

رسالة جديدة من الفيدرالي: الأولوية لإعادة الأسعار إلى المسار المستهدف

جددت ليزا دي كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تأكيدها أن البنك المركزي لا يزال يضع كبح التضخم في صدارة أولوياته، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب إضعاف سوق العمل بصورة حادة. وجاءت تصريحات كوك خلال كلمة ألقتها في مؤتمر Investing in Rural America الذي نظمه بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند يوم 30 سبتمبر 2026 في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا، حيث ركزت على أوضاع الاقتصاد في المناطق الريفية وعلاقة ذلك بالتفويض المزدوج للفيدرالي: استقرار الأسعار وتعظيم التوظيف.

ورغم أن الكلمة لم تكن مخصصة لعرض مسار الفائدة بالتفصيل، فإن الرسالة الأساسية كانت واضحة: التضخم في الولايات المتحدة ظل أعلى من المستوى المستهدف لفترة طويلة، وهو ما يفرض على الفيدرالي مواصلة نهجه الحذر والمتشدد نسبيًا حتى يعود التضخم إلى هدف 2%.

كوك: التضخم طال أمده والفيدرالي لا يريد خسارة سوق العمل

بحسب النص الرسمي للكلمة، قالت كوك إن التضخم “ظل مرتفعًا أكثر مما ينبغي ولفترة أطول مما ينبغي”، مضيفة أنها صوّتت مع باقي أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في اجتماع سبتمبر الأخير لصالح رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. كما شددت على التزامها بإعادة التضخم إلى الهدف مع الحفاظ على متانة التوظيف قدر الإمكان.

هذه الصياغة تهم المستثمرين والشركات لأنها تعكس أن بعض صناع السياسة النقدية داخل الفيدرالي ما زالوا يرون أن معركة الأسعار لم تُحسم بعد، حتى مع تباطؤ نسبي في بعض المؤشرات. وبالنسبة لقطاع الأعمال، فإن بقاء الفائدة مرتفعة أو اتجاهها للصعود لفترة أطول يعني استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض والتمويل، وهو عامل مؤثر على التوسعات الرأسمالية، وخطط التوظيف، وهوامش الربحية.

ما الذي فعله الفيدرالي في سبتمبر 2026؟

في اجتماعه المنعقد يوم 16 سبتمبر 2026، قررت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار ربع نقطة مئوية إلى ما بين 3.75% و4.00%. وأوضح البيان الرسمي أن النشاط الاقتصادي الأمريكي يواصل التوسع بوتيرة قوية، بينما ما زال التضخم مرتفعًا، وأن هذه الخطوة تستهدف دعم عودة أسرع إلى هدف الأسعار.

هذا القرار يمنح تصريحات كوك وزنًا إضافيًا، لأنها لا تأتي في فراغ، بل بعد تحرك فعلي من البنك المركزي نحو مزيد من التشديد النقدي. كما أن له دلالة مباشرة للشركات المدرجة والمؤسسات المالية وأسواق الدين، إذ يعيد تسعير تكلفة التمويل في الاقتصاد الأمريكي بأكمله.

أحدث بيانات التضخم: لماذا لا يزال القلق قائمًا؟

رغم أن كوك لم تتناول في كلمتها أحدث قراءة تفصيلية للتضخم، فإن البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي في 30 سبتمبر 2026 أظهرت أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي PCE، وهو المقياس المفضل للفيدرالي، ارتفع في أغسطس بنسبة 3.4% على أساس سنوي، بينما سجل المؤشر الأساسي المستثني للغذاء والطاقة 3.0%. وعلى أساس شهري، ارتفع المؤشر العام 0.3% والأساسي 0.2%.

هذه الأرقام تفسر سبب تمسك الفيدرالي بنبرة حذرة؛ فالتضخم لا يزال أعلى بوضوح من هدف 2%، حتى إن كان بعيدًا عن الذروات السابقة. وبالنسبة لمجتمع الأعمال، فإن هذا يعني أن الرهان على خفض سريع للفائدة قد يظل محدودًا ما لم تظهر قراءات أضعف وأكثر استدامة للأسعار خلال الأشهر المقبلة.

سوق العمل لا يزال متماسكًا

على الجانب الآخر من المعادلة، لا يزال سوق العمل الأمريكي يقدم للفيدرالي مساحة للمناورة. فبحسب أحدث بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، بلغ معدل البطالة في أغسطس 2026 نحو 4.1%، وهو مستوى يشير إلى سوق عمل متماسك نسبيًا، وإن لم يكن شديد السخونة كما كان في مراحل سابقة.

ومن هنا يمكن فهم تركيز كوك على فكرة خفض التضخم من دون الإضرار غير الضروري بالتوظيف. فالفيدرالي يحاول الوصول إلى ما يشبه “الهبوط الهادئ”، أي تهدئة الأسعار تدريجيًا من دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد أو موجة تسريحات واسعة.

لماذا تهم تصريحات كوك الشركات والأسواق في مصر؟

قد تبدو تصريحات مسؤولة أمريكية بعيدة جغرافيًا، لكنها شديدة الأهمية للشركات والمستثمرين في مصر. فسياسة الفيدرالي تؤثر في اتجاهات الدولار، وعوائد السندات الأمريكية، وتكلفة التمويل العالمية، وشهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة. وكلما زادت قناعة السوق بأن الفائدة الأمريكية ستظل مرتفعة لفترة أطول، ارتفع الضغط على تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الدولارية.

كما أن الشركات المصرية المرتبطة بالاستيراد، أو التي تعتمد على تمويل خارجي، أو تراقب أسعار السلع والطاقة والشحن، تتابع هذا النوع من التصريحات عن كثب. فاستمرار التشديد النقدي الأمريكي عادة ما ينعكس على كلفة الأموال عالميًا وعلى تسعير المخاطر عبر الأسواق.

المناطق الريفية كانت عنوان الكلمة.. لكن الرسالة أوسع

ورغم أن خطاب كوك انطلق من مناقشة أوضاع المناطق الريفية في الولايات المتحدة، فإنها استخدمت هذا السياق لتأكيد أن التضخم لا يصيب كل الشرائح والمناطق بالوتيرة نفسها. وأشارت إلى أن الأسر الريفية أكثر تعرضًا نسبيًا لتكاليف النقل والطاقة، كما أن ارتفاع أسعار السكن بعد الجائحة ترك أثرًا ملحوظًا على تلك المجتمعات.

من زاوية الأعمال، هذا الطرح مهم لأنه يبرز كيف ينظر الفيدرالي إلى الاقتصاد الحقيقي، لا إلى الأرقام المجردة فقط. فتكاليف الطاقة والسكن والنقل تبقى من العناصر الأكثر حساسية بالنسبة لقرارات الاستهلاك والاستثمار، سواء في الولايات المتحدة أو في الأسواق التي تتأثر بالدورة النقدية الأمريكية.

من هي ليزا كوك؟

تُعد ليزا دي كوك أبرز الأصوات داخل مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي في الملفات المرتبطة بالتضخم وسوق العمل والإنتاجية. وتشير الصفحة الرسمية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن كوك تولت عضوية المجلس في 23 مايو 2022. وبالنظر إلى وزنها داخل المؤسسة، فإن تصريحاتها تحظى بمتابعة واسعة من بنوك الاستثمار ومديري الأصول والشركات العالمية.

ولم أتمكن من التحقق بشكل موثوق من حساب رسمي موثق لها على إنستغرام، لذا يرد اسمها هنا دون إدراج أي handle.

الخلاصة: الفيدرالي لم يعلن النصر بعد

الخلاصة التي تهم الشركات والأسواق هي أن الاحتياطي الفيدرالي لا يرى بعد أن معركة التضخم انتهت. فرغم استمرار نمو الاقتصاد الأمريكي وصلابة التوظيف، ما زالت قراءة التضخم أعلى من المستهدف، وهو ما يدعم بقاء السياسة النقدية في وضع مقيد نسبيًا. وتصريحات ليزا كوك تعكس هذا الموقف بدقة: خفض التضخم يظل أولوية، لكن من دون التضحية غير المحسوبة بسوق العمل.

وبالنسبة لقطاع شركات ونتائج الأعمال، فإن الرسالة الأهم هي أن بيئة التمويل العالمية لا تزال حساسة لأي تغير في لهجة مسؤولي الفيدرالي. لذلك ستبقى كلمات مثل تلك التي صدرت عن كوك عاملًا مؤثرًا في قرارات الاقتراض والاستثمار والتوسع، ليس في الولايات المتحدة فقط، بل في الأسواق المرتبطة بها حول العالم، ومنها السوق المصرية.