الإقتصادي

مايكروسوفت تستهدف 38 جيجاواط لمراكز البيانات بحلول 2032

مايكروسوفت توسع رهاناتها على البنية التحتية الرقمية

تستعد شركة مايكروسوفت لرفع الطاقة التشغيلية لشبكة مراكز البيانات التابعة لها إلى أكثر من 38 جيجاواط بحلول عام 2032، مقارنة بنحو 12 جيجاواط حالياً، بحسب ما أوردته تقارير إخبارية غربية استناداً إلى مصادر مطلعة على خطط الشركة. ويعني ذلك أن المجموعة الأميركية تتجه فعلياً إلى أكثر من ثلاثة أمثال قدرتها الراهنة، في خطوة تعكس شدة المنافسة على البنية الأساسية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية حول العالم.

وتكتسب هذه الخطة أهمية خاصة للأسواق التي تتابع أسهم التكنولوجيا العالمية من بينها المستثمرون في مصر، لأن توسعات البنية التحتية لم تعد مجرد إنفاق رأسمالي تقليدي، بل أصبحت مؤشراً مباشراً على قدرة الشركات الكبرى على اقتناص الطلب المستقبلي على الخدمات الرقمية، من الحوسبة السحابية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ما الذي تعنيه أرقام 38 جيجاواط؟

الرقم المستهدف ليس تفصيلاً فنياً صغيراً، بل يعكس حجماً هائلاً من الطاقة الكهربائية المطلوبة لتشغيل خوادم ومعالجات ورسوميات متقدمة داخل مراكز البيانات. ووفقاً للتقرير المتداول، فإن نحو 2 جيجاواط فقط من القدرة الحالية المقدرة بحوالي 12 جيجاواط ترتبط اليوم بشرائح مخصصة لأعباء الذكاء الاصطناعي، وهي حصة مرشحة للارتفاع بشكل واضح مع دخول قدرات جديدة إلى الخدمة خلال السنوات المقبلة.

بالنسبة إلى السوق، فإن هذا التطور يوضح أن مايكروسوفت لا تراهن فقط على نمو منصة Azure، بل أيضاً على موجة متسارعة من الطلب على المعالجة الكثيفة اللازمة لتشغيل النماذج الكبيرة، وخدمات Copilot، وتطبيقات المؤسسات التي تبني حلولها الجديدة فوق بنية الشركة السحابية.

الذكاء الاصطناعي يدفع الإنفاق إلى مستويات غير مسبوقة

الإشارات الرسمية الصادرة عن مايكروسوفت خلال 2026 تؤكد أن استثمارات الذكاء الاصطناعي أصبحت في صلب السياسة المالية للشركة. ففي إفصاحات نتائج الربع الرابع من السنة المالية 2026، أوضحت الشركة أن نحو ثلثي الإنفاق الرأسمالي كان موجهاً إلى أصول قصيرة العمر، وعلى رأسها وحدات المعالجة المركزية ووحدات معالجة الرسوميات، بما يعكس سرعة بناء القدرات الحاسوبية لتلبية الطلب المتنامي من العملاء.

كما ذكرت مايكروسوفت في تقريرها السنوي المودع لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أن ارتفاع التكاليف التشغيلية جاء مدفوعاً، من بين عوامل أخرى، بمواصلة الاستثمار في سعات الحوسبة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والبيانات. وهذا يعني أن خطة التوسع إلى 2032 لا تبدو منفصلة عن المسار المالي الحالي، بل امتداداً له.

دور ساتيا ناديلا ورؤية الإدارة

يقود الشركة ساتيا ناديلا (@microsoft على إنستغرام) بصفته رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، فيما تواصل الإدارة تقديم الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الرئيسي للمرحلة المقبلة. ورغم أن مايكروسوفت لم تصدر تعليقاً تفصيلياً عاماً يؤكد جميع الأرقام الواردة في التقرير الإعلامي بشأن 38 جيجاواط، فإن الوثائق الرسمية وبيانات المستثمرين الصادرة عنها خلال 2026 تتسق مع فكرة التوسع القوي والممتد في مراكز البيانات.

هذه النقطة مهمة للقراء في مصر، لأن تقييم شركات التكنولوجيا العملاقة لم يعد يعتمد فقط على الإيرادات الحالية، بل أيضاً على قدرة الإدارة على تمويل البنية الأساسية قبل تحقق الإيرادات المستقبلية. وكلما زادت القدرة المتاحة، زادت فرص استيعاب الطلب المؤجل الذي تعاني منه السوق بسبب نقص السعات الحاسوبية.

مشروعات قائمة تعطي مؤشراً على الاتجاه

من أبرز المؤشرات العملية على وتيرة التوسع، إعلان مايكروسوفت في 22 يونيو 2026 عن مشروع مركز بيانات جديد في بيكوس بولاية تكساس يضيف نحو 2 جيجاواط من السعة، ووصفت الشركة المشروع بأنه واحد من أكبر الإضافات المنفردة في تاريخها. كما أشارت إلى أن المشروع يعكس طلباً قوياً ومستداماً على خدمات الذكاء الاصطناعي والسحابة عبر قطاعات ومناطق مختلفة.

هذا النوع من الإعلانات يكشف كيف تترجم الخطط الكبرى إلى أصول فعلية على الأرض: أراضٍ، تجهيزات طاقة، شبكات، رقائق، وأنظمة تبريد وتشغيل. وبالنسبة للمستثمرين، فإن المشاريع المنفذة تعطي مصداقية أكبر للأهداف بعيدة المدى.

لكن التوسع ليس بلا كلفة

في المقابل، يضع هذا السباق مايكروسوفت وبقية الشركات الكبرى أمام تحديات صعبة تتعلق بالطاقة والمياه والاستدامة. الشركة تقول إنها حققت هدفها الخاص بتغطية 100% من استهلاك الكهرباء عبر مشتريات طاقة متجددة بحلول 2025، كما تشير موادها المنشورة عن مراكز البيانات إلى استمرار العمل على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة والمياه.

وفي يونيو 2026، تحدثت مايكروسوفت أيضاً عن تقدمها في ملف المياه، موضحة أن بعض تصميمات مراكز البيانات الحديثة الموجهة للذكاء الاصطناعي تقلل استهلاك المياه خلال التشغيل الاعتيادي. لكن رغم ذلك، يبقى التحدي قائماً: كلما ارتفع الطلب على الحوسبة، ارتفع الضغط على شبكات الكهرباء وسلاسل الإمداد والمجتمعات المحلية المحيطة بهذه المشروعات.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ المصري؟

قد يبدو الخبر بعيداً جغرافياً عن مصر، لكنه مهم اقتصادياً ومالياً. فالشركات العالمية مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل وميتا باتت تشكل ملامح الدورة الاستثمارية الجديدة في التكنولوجيا، حيث تتحول مراكز البيانات إلى أصل استراتيجي يشبه في أهميته المصانع العملاقة في الاقتصاد التقليدي. وهذا ينعكس على:

  • أسهم التكنولوجيا العالمية التي يتابعها المستثمرون المصريون عبر الأسواق الدولية وصناديق الاستثمار.
  • تكلفة الخدمات السحابية وتوافرها للشركات الناشئة والمطورين في المنطقة.
  • الطلب على الطاقة والبنية التحتية عالمياً، وهو ملف يرتبط أيضاً بنقاشات الاستثمار في الكهرباء والاتصالات داخل الأسواق الناشئة.
  • فرص الشراكات الإقليمية مع مزودي التكنولوجيا الكبار في الشرق الأوسط وأفريقيا.

قراءة سوقية: سباق سعة لا سباق منتجات فقط

الخلاصة أن المنافسة في عالم الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور حول أفضل نموذج أو أكثره شهرة فقط، بل حول من يملك السعة الحاسوبية الكافية لتشغيل هذه النماذج على نطاق واسع. ومن هذه الزاوية، تبدو خطة مايكروسوفت المستهدفة عند 38 جيجاواط في 2032 بمثابة رهان طويل الأجل على أن الطلب العالمي لن يتراجع، وأن العائد على هذه الاستثمارات سيظل قوياً رغم ضخامة الإنفاق.

وبالنسبة للمتابعين في مصر، فإن الرسالة الأوضح هي أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي يُبنى الآن في طبقة أقل ظهوراً للمستخدم النهائي، هي طبقة مراكز البيانات والطاقة والرقائق. وكلما اتسع هذا الإنفاق، زادت أهمية قراءة نتائج شركات التكنولوجيا من زاوية البنية الأساسية، لا من زاوية التطبيقات وحدها.

وفي ظل استمرار مايكروسوفت في ضخ استثمارات كبيرة في الخوادم والرقائق والبنية التحتية السحابية، فإن السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كان هذا السباق سيترجم إلى نمو أعلى في الإيرادات وهوامش الربحية، أم إلى ضغوط أكبر من تكاليف الطاقة والتشغيل. لكن المؤكد حتى الآن أن الشركة تتحرك على أساس أن عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاقة هائلة، وأن من يسبق في بناء السعة يملك أفضلية واضحة في السوق.