مايكل بيري يهاجم تمويل إنفيديا الضخم ويحذر من فقاعة
بيري يعيد فتح ملف المخاطر حول إنفيديا
عاد المستثمر الأميركي مايكل بيري إلى صدارة النقاش في الأسواق بعدما وصف تحرك إنفيديا لإقامة منصات تمويلية مع مؤسسات مالية كبرى في وول ستريت بأنه إشارة على اليأس، في أحدث جولة من السجال حول مدى استدامة الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه رهانات السوق على توسع الإنفاق على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
اللافت أن انتقاد بيري لم يأتِ في فراغ؛ فالرجل معروف بمواقفه المتحفظة تجاه المبالغات السعرية، وهو الاسم المرتبط تاريخيا بالمراهنة المبكرة ضد سوق الرهن العقاري الأميركي قبل أزمة 2008. كما أظهرت تقارير وأسواق المال خلال 2025 و2026 استمرار تمسكه بنظرة حذرة تجاه قطاع أشباه الموصلات، بما في ذلك مراكز بيعية مرتبطة بصناديق القطاع وشركات مستفيدة من موجة الذكاء الاصطناعي.
ما الذي أعلنت عنه إنفيديا فعليا؟
جوهر القصة أن إنفيديا، بقيادة رئيسها التنفيذي جنسن هوانغ، دخلت في شراكات مع مجموعة من أكبر الأسماء في التمويل والاستثمار العالمي لتطوير منصات مستقلة لتمويل البنية التحتية الحاسوبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الأسماء: Apollo وBlackRock وBlackstone وBrookfield وGoldman Sachs وKKR. ووفقا لما أوردته تقارير منشورة في 10 و11 أغسطس 2026، فإن الهدف المعلن هو mobilize أكثر من 500 مليار دولار من رؤوس الأموال الخارجية على مدى زمني ممتد لدعم بناء بنية الذكاء الاصطناعي.
هذا الرقم لا يعني إيرادات مضمونة لإنفيديا بالقيمة نفسها، لكنه يعكس محاولة لتوسيع قاعدة التمويل المتاحة للعملاء الذين يريدون شراء أو تشغيل بنية حوسبة متقدمة تعتمد على رقائق إنفيديا. الفكرة الأساسية هي تحويل الإنفاق على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية إلى فئة أصول يمكن تمويلها على المدى الطويل من خلال مؤسسات ائتمان واستثمار كبرى، بدلا من الاكتفاء بميزانيات شركات التكنولوجيا وحدها.
من الشراء المباشر إلى التمويل الهيكلي
في الأول من يوليو 2026، شرحت إنفيديا في مدونة رسمية نموذجا جديدا يربط بين شركات السحابة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وبين الطلب المتسارع على “مصانع الذكاء الاصطناعي”، عبر ترتيبات تشمل تقاسم الإيرادات ودعم الائتمان. وقالت الشركة إن شركات ناشئة وبناة نماذج ومؤسسات بحثية لطالما واجهت صعوبة في الوصول إلى التمويل الكافي للبنية الحاسوبية كثيفة التكلفة، حتى مع وجود التزامات طويلة الأجل من العملاء.
وبحسب هذا النموذج، يمكن لمزودي السحابة شراء بنية إنفيديا وتسويق خدمات سحابية مبنية عليها، بينما تستفيد إنفيديا من مزيج بين إيرادات بيع المنتجات التقليدية وتدفقات مرتبطة باستخدام السعة المدعومة. وتقول الشركة إن الهدف هو تسريع وصول العملاء إلى الحوسبة المتقدمة دون انتظار دورات طويلة لبناء المواقع وتوفير الطاقة وتركيب الأجهزة.
لماذا يرى بيري أن الخطوة مقلقة؟
قراءة بيري المتشائمة تنطلق من فكرة أن الحاجة إلى قنوات تمويل معقدة وضخمة قد تعني أن الطلب الطبيعي لم يعد وحده كافيا لدعم وتيرة التوسع الحالية. بمعنى آخر، إذا احتاجت الصناعة إلى هندسة ائتمانية متزايدة من أجل استمرار شراء الرقائق والبنية المرتبطة بها، فقد يكون ذلك مؤشرا على اقتراب السوق من مرحلة تتجاوز فيها التوقعاتُ الواقعَ التشغيلي.
هذا النوع من المخاوف ليس جديدا على أسواق المال. فكلما زادت شهية الاقتراض والتمويل المهيكل في قطاع واحد، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام توسع صحي مدعوم بتدفقات نقدية مستقبلية واضحة، أم أمام تضخم في السردية الاستثمارية؟ وبالنسبة لبيري، يبدو أن دخول وول ستريت بقوة إلى تمويل البنية الحاسوبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي يعزز السيناريو الثاني، أو على الأقل يرفع مستوى المخاطرة.
لكن إنفيديا ترى الأمر بشكل مختلف
من ناحية أخرى، تطرح إنفيديا المسألة باعتبارها تطورا طبيعيا في دورة نضج الصناعة. فالشركة لا تقدم الخطوة على أنها إنقاذ للطلب، بل على أنها آلية لربط رؤوس الأموال المؤسسية طويلة الأجل بأصول إنتاجية تدر عوائد عبر خدمات الحوسبة السحابية والتدريب والاستدلال. وبعبارة أقرب إلى منطق البنية الأساسية، تريد إنفيديا إقناع المستثمرين بأن الحوسبة المتقدمة لم تعد مجرد معدات تقنية قصيرة الأجل، بل أصل اقتصادي يمكن تمويله مثل محطات الطاقة أو البنى اللوجستية.
هذا المنطق يجد ما يدعمه في السوق؛ ففي سبتمبر 2025 أعلنت BlackRock، إلى جانب Microsoft وMGX، انضمام إنفيديا وxAI إلى شراكة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي تستهدف تعبئة ما يصل إلى 100 مليار دولار من إجمالي الاستثمارات المحتملة بين حقوق ملكية وديون. كما شهد 2026 صفقات أخرى في القطاع، من بينها تمويلات بمليارات الدولارات لمراكز بيانات وقدرات حاسوبية تعتمد على رقائق إنفيديا.
مؤشرات على سباق تمويلي أوسع
المشهد لا يقتصر على إنفيديا وحدها. ففي يونيو 2026 أُعلن عن منصة مدعومة من Broadcom وApollo وBlackstone تستهدف تسريع نشرات عالمية للذكاء الاصطناعي مع شريحة أولى بقيمة 35 مليار دولار. كذلك دعمت Apollo في يناير 2026 حلا تمويليا بقيمة 3.5 مليار دولار ضمن صفقة إجمالية بقيمة 5.4 مليار دولار مرتبطة ببنية حوسبية تضم معالجات NVIDIA GB200 لصالح xAI. هذه الأرقام تعكس أن التمويل المؤسسي أصبح جزءا مركزيا من معادلة الذكاء الاصطناعي، لا مجرد أداة هامشية.
ماذا عن أداء إنفيديا وتقييمها السوقي؟
بعيدا عن الجدل، تبقى إنفيديا الاسم الأبرز في موجة الذكاء الاصطناعي العالمية. الشركة حددت يوم 26 أغسطس 2026 موعدا لإعلان نتائج الربع الثاني من سنتها المالية 2027، وهي محطة يراقبها المستثمرون بعناية لقياس مدى قدرة الطلب الحقيقي على تبرير التوسعات الرأسمالية الضخمة. كما أظهرت بيانات الأسواق خلال يوليو 2026 أن القيمة السوقية للشركة دارت في نطاق يتجاوز 4.6 تريليون دولار، ووصلت في بعض الجلسات إلى ما فوق 5 تريليونات دولار، وهو ما يفسر حساسية السهم الشديدة تجاه أي نقاش عن الفقاعة أو التمويل المفرط.
وللقارئ في مصر والمنطقة، فإن أهمية هذا الجدل لا تقتصر على وول ستريت. أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي باتت تؤثر على تدفقات الاستثمار العالمية وعلى شهية الصناديق تجاه التكنولوجيا والبنية الرقمية، بما في ذلك الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات والطاقة والاتصال في الشرق الأوسط. ومع توسع دول الخليج في خطط الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، فإن أي هزة في تقييمات الشركات الرائدة مثل إنفيديا قد تمتد آثارها إلى شهية التمويل الإقليمي للمشروعات المشابهة.
كيف يقرأ المستثمر العربي هذه التطورات؟
من المفيد هنا التمييز بين أمرين:
- أولا: وجود تمويل ضخم لا يعني بالضرورة وجود فقاعة، فقد يعكس ببساطة انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى مرحلة البنية الأساسية الصناعية.
- ثانيا: التوسع القائم على الائتمان يرفع المخاطر إذا تباطأ الطلب النهائي أو تراجعت أسعار خدمات الحوسبة أو ظهرت بدائل تقنية تقلص هيمنة لاعب واحد.
لذلك، فإن الرسالة الأهم ليست الاكتفاء بمتابعة العناوين الكبيرة مثل 500 مليار دولار، بل مراقبة جودة الإيرادات، وطبيعة العقود، ومستويات الاستخدام الفعلي لمراكز البيانات، وتكلفة الطاقة، وقدرة العملاء على السداد على المدى الطويل.
الخلاصة
انتقاد مايكل بيري لا يغيّر حقيقة أن إنفيديا ما زالت في قلب الطفرة العالمية للذكاء الاصطناعي، لكنه يعيد تسليط الضوء على سؤال لا يمكن للأسواق تجاهله: هل يتم تمويل النمو الحقيقي، أم يتم تمويل توقعات النمو فقط؟ بالنسبة للمستثمرين في مصر والمنطقة، الإجابة عن هذا السؤال مهمة لأن أثرها يتجاوز سهم إنفيديا نفسه إلى مزاج السوق العالمي تجاه التكنولوجيا، والائتمان، ومشروعات البنية التحتية الرقمية في الشرق الأوسط.