محمد العريان يحذر من رهانات الخزانة الأمريكية في السندات
محمد العريان ينتقد تدخل الخزانة الأمريكية في سوق السندات
فتح الاقتصادي المصري الأمريكي محمد العريان، كبير المستشارين الاقتصاديين لدى أليانز، نقاشاً واسعاً في الأوساط المالية بعد تحذيره من أن توسع وزارة الخزانة الأمريكية في التدخل بسوق السندات قد يحمل آثاراً عكسية على ثقة المستثمرين. العريان، الذي يُعد من أبرز الأصوات المتابعة لأسواق الدخل الثابت عالمياً، يرى أن استخدام الحكومة الأمريكية أدوات نقدية وتمويلية استثنائية لتهدئة العوائد طويلة الأجل ليس حلاً مريحاً للأسواق، بل قد يثير أسئلة أكبر بشأن آلية إدارة الدين العام الأمريكي.
ويشغل محمد العريان موقع كبير المستشارين الاقتصاديين في مجموعة أليانز، وفق سيرته الرسمية، كما يُعرف بمتابعته الدقيقة لتحولات السياسة النقدية وأسواق الدين السيادي. وفي هذا السياق، جاءت ملاحظاته وسط موجة اهتمام قوية بتحركات الخزانة الأمريكية خلال أغسطس 2026، بعد إعلانها زيادة أحجام بعض عمليات إعادة شراء السندات الأطول أجلاً.
ما الذي فعلته الخزانة الأمريكية؟
وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في 19 أغسطس 2026 أنها سترفع، بما لا يقل عن الضعف، أحجام عمليات دعم السيولة الخاصة بإعادة شراء السندات الاسمية طويلة الأجل، وتحديداً في شريحتي 10 إلى 20 عاماً و20 إلى 30 عاماً، على أن يبدأ التطبيق من 9 سبتمبر 2026. الوزارة قالت إن الخطوة تستهدف تقديم دعم أكبر للسيولة في الأجزاء الأطول من منحنى العائد، وهي المناطق التي شهدت ضغوطاً واضحة من جانب المستثمرين في الفترة الأخيرة.
من الناحية الفنية، تعني إعادة الشراء أن الخزانة تقوم بشراء بعض السندات القائمة من السوق، في خطوة يمكن أن تساعد على تحسين تداول الإصدارات الأقدم والأقل سيولة، وتخفيف التشوهات في التسعير، وربما تقليل الارتفاع الحاد في العوائد طويلة الأجل. وتوضح الأسئلة الشائعة الرسمية على TreasuryDirect أن الخزانة تملك صلاحية قانونية لإعادة شراء الأوراق المالية القائمة، وأن هذه العمليات تُستخدم لدعم السيولة، وتقليل تقلبات الرصيد النقدي، والحد من اضطرابات إصدار أذون الخزانة، وخفض كلفة الاقتراض بمرور الوقت.
لماذا اعتبر العريان هذه المقاربة مثيرة للقلق؟
جوهر التحذير الذي طرحه العريان يتمثل في أن السوق قد تفسر هذه التحركات على أنها محاولة غير مباشرة للتأثير على العوائد طويلة الأجل خارج الإطار التقليدي للسياسة النقدية التي يديرها الاحتياطي الفيدرالي. هذا النوع من الرسائل قد يربك المستثمرين، خصوصاً إذا بدا أن الخزانة تتحرك لتحقيق أهداف تشبه ما تقوم به البنوك المركزية، بينما يفترض بها التركيز على إدارة الدين وتمويل الحكومة بأقل تكلفة ممكنة وعلى مدى زمني مناسب.
وتزداد حساسية المسألة لأن النقاش الدائر في السوق لا يتعلق فقط ببرنامج إعادة شراء محدود، بل أيضاً بإمكانية استخدام الرصيد الكبير في حساب الخزانة العام لدى الاحتياطي الفيدرالي في تمويل هذه العمليات. تقارير حديثة أشارت إلى أن هذا الرصيد النقدي بات كبيراً، وأن الإدارة الأمريكية أبدت استعداداً لاستخدامه كوسادة مالية تساعد في تهدئة تكاليف الاقتراض. كما أشار تقرير آخر إلى أن المستثمرين بدأوا يتساءلون عما إذا كانت جهود الخزانة لتهدئة سوق السندات قد تنعكس سلباً على الثقة في الدولار نفسه.
حساب الخزانة العام.. لماذا يهم الأسواق؟
بالنسبة للقارئ المصري المهتم بالشركات والتمويل العالمي، فإن حساب الخزانة العام الأمريكي يشبه الخزانة التشغيلية الرئيسية للحكومة الفيدرالية، ويُدار عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وزارة الخزانة الأمريكية توضح رسمياً أن النقد التشغيلي للحكومة يُحتفظ به في هذا الحساب وفي حسابات أخرى مرتبطة بالنظام المالي الحكومي. وعندما يرتفع هذا الرصيد أو ينخفض بصورة كبيرة، ينعكس ذلك على السيولة في النظام المالي وعلى وتيرة الإصدارات والاقتراض قصير الأجل.
أهمية هذا الحساب لا تقتصر على كونه بنداً محاسبياً؛ فالمستثمرون يراقبونه لأنه قد يكشف كيف تخطط الحكومة لموازنة احتياجاتها النقدية مع إدارة الديون القائمة. ولهذا، فإن استخدامه في شراء سندات أطول أجلاً قد يُفهم في السوق باعتباره رسالة تتجاوز مجرد الإدارة اليومية للسيولة إلى محاولة احتواء صعود العوائد عند الطرف الطويل من المنحنى.
الأسواق تجاوبت سريعاً.. لكن الأسئلة لم تختف
رد الفعل الأولي في سوق السندات كان واضحاً؛ إذ تراجعت العوائد طويلة الأجل بعد إعلان الخزانة زيادة عمليات الشراء، بحسب تغطيات مالية متقاطعة. لكن هذا التراجع لم ينهِ الجدل، لأن بعض المحللين رأوا أن الأثر قد يكون مؤقتاً إذا استمرت الضغوط الأساسية على سوق الدين، سواء بسبب مستويات الدين المرتفعة أو مخاوف التضخم أو زيادة المعروض من السندات الحكومية. Reuters نقلت أيضاً أن بعض المحللين شبّهوا التحرك بمحاولة سريعة لامتصاص التوتر في السوق أكثر من كونه معالجة هيكلية للمشكلة.
وفي بعد سياسي واقتصادي أوسع، ظهرت تصريحات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤكد أنه لم يوجّه وزير الخزانة سكوت بيسنت لاتخاذ هذه الخطوة، وأن الوزير تصرف وفق تقديره للموقف. كما قال بيسنت إن الحكومة قد تزيد عمليات إعادة الشراء مستقبلاً إذا دعت الحاجة. هذا يعزز الانطباع بأن الملف لم يعد تقنياً فقط، بل بات جزءاً من نقاش أوسع حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في تسعير أدوات الدين الأمريكي.
لماذا يهم ذلك الشركات والمستثمرين في مصر؟
رغم أن الخبر أمريكي في جوهره، فإن تداعياته تتجاوز واشنطن سريعاً. سوق السندات الأمريكية هو مرجع التسعير الأهم عالمياً، وأي تغير حاد في عوائده ينعكس على تكلفة التمويل، وتقييمات الأسهم، وتحركات الدولار، وشهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة. بالنسبة للشركات المصرية التي تتابع تكلفة الاقتراض الخارجي أو تحركات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين، فإن استقرار العوائد الأمريكية أو اضطرابها يبقى عاملاً محورياً في قرارات التمويل والاستثمار.
كما أن ارتفاع العوائد الأمريكية لفترات طويلة قد يزيد جاذبية الأصول الدولارية على حساب بعض الأسواق الناشئة، بينما قد يدعم تراجعها النسبي تدفقات أكثر مرونة نحو تلك الأسواق. لذلك، فإن التحذير الذي أطلقه العريان لا يُقرأ فقط باعتباره رأياً أكاديمياً، بل إشارة إلى احتمال دخول أكبر سوق سندات في العالم مرحلة أكثر تعقيداً من حيث الرسائل والسياسات والأدوات.
بين خفض كلفة الاقتراض وحماية المصداقية
المعادلة التي تواجهها الخزانة الأمريكية تبدو شديدة الحساسية: من جهة، لديها مصلحة واضحة في دعم سيولة السوق وخفض كلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية مع تضخم احتياجات التمويل؛ ومن جهة أخرى، فإن أي تدخل يُنظر إليه باعتباره محاولة إدارية للضغط على العوائد قد يكلّفها جزءاً من المصداقية التي تحتاجها بشدة في التعامل مع المستثمرين العالميين.
البيانات الرسمية تظهر أن برنامج إعادة الشراء أصبح بالفعل أداة قائمة في إدارة الدين الأمريكي، وليس مجرد فكرة طارئة. فقد أظهر تقرير رقابي لوزارة الخزانة أن الحكومة نفذت خلال السنة المالية 2025 ما مجموعه 64 عملية إعادة شراء منتظمة، بإجمالي قيمة اسمية بلغ 185.3 مليار دولار، وبتكلفة إجمالية 171.6 مليار دولار من دون الفوائد المستحقة، وهو ما يبرز أن الأداة أصبحت جزءاً عملياً من صندوق أدوات إدارة الدين.
لكن ما يحذر منه العريان هو أن توسيع استخدام هذه الأداة في توقيت حساس، ومع الحديث عن رصيد نقدي ضخم يقترب من تريليون دولار في حساب الخزانة العام، قد يبعث برسالة مفادها أن السلطات الأمريكية باتت قلقة من الارتفاع السريع في العوائد لدرجة دفعتها إلى التدخل المباشر. وإذا ترسخ هذا الانطباع، فقد تكون النتيجة زيادة القلق بدلاً من تهدئته.
خلاصة المشهد
في النهاية، لا يدور الجدل حول ما إذا كانت الخزانة الأمريكية تملك الحق القانوني في إعادة شراء السندات؛ فهي تملك هذا الحق بوضوح. الخلاف الحقيقي يتعلق بكيفية استخدام هذا الحق، وتوقيته، وحجمه، والإشارة التي يرسلها إلى المستثمرين. وهنا تحديداً يبرز تحذير محمد العريان: الأسواق قد تتسامح مع التدخلات الفنية المحدودة، لكنها تصبح أكثر حذراً عندما تشعر أن إدارة الدين تتحول إلى أداة غير مباشرة لتوجيه السوق.
وبالنسبة لمتابعي قطاع شركات ونتائج الأعمال في مصر، فإن هذه التطورات تستحق المتابعة الدقيقة، لأن أي تبدل في ثقة المستثمرين تجاه السندات الأمريكية ينعكس سريعاً على تكلفة التمويل العالمية، وتقييمات الشركات، ومسارات التدفقات الاستثمارية عبر الحدود. لذلك، فإن رسالة العريان تبدو أبعد من مجرد تعليق على سوق السندات؛ إنها تنبيه مبكر إلى أن إدارة الدين السيادي الأمريكي أصبحت نفسها جزءاً من قصة المخاطر في الأسواق العالمية.