مدبولي ومحافظ المركزي يبحثان التضخم وتدفقات الدولار
مدبولي ومحافظ البنك المركزي: تنسيق مستمر لكبح التضخم وتعزيز موارد النقد الأجنبي
في وقت تترقب فيه الأسواق المحلية أي إشارات جديدة بشأن مسار الأسعار والسيولة الدولارية، عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا مع محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله لبحث عدد من الملفات الاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها تطورات التضخم، ومستوى الاحتياطيات الأجنبية، وسبل زيادة تدفقات النقد الأجنبي بما يدعم احتياجات الاقتصاد المصري والقطاعات الإنتاجية.
الاجتماع يأتي ضمن آلية التنسيق الدوري بين الحكومة والبنك المركزي، وهي آلية شدد عليها مدبولي باعتبارها ضرورية لتحقيق اتساق السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، بما يساند أهداف النمو ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الضغوط الإقليمية والعالمية. ووفق ما أوردته الهيئة العامة للاستعلامات، تناول اللقاء الأداء الراهن للاقتصاد المصري، إلى جانب الجهود المشتركة لتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، والحد من الضغوط التضخمية، وزيادة التدفقات بالعملة الأجنبية.
ما الذي نوقش في الاجتماع؟
بحسب البيانات الرسمية، ركز اللقاء على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا متابعة المؤشرات الاقتصادية الحالية، وثانيًا الحفاظ على توافر النقد الأجنبي اللازم لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية، وثالثًا استمرار العمل على خفض التضخم بصورة تدريجية ومستدامة. كما تطرق الاجتماع إلى التطورات في الاقتصاد العالمي وانعكاساتها على الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
ويكتسب هذا الاجتماع أهمية إضافية لأنه يأتي بعد سلسلة من التحركات النقدية والمالية التي تستهدف تثبيت مسار التراجع في معدلات التضخم، مع المحافظة في الوقت نفسه على مرونة سوق الصرف وتدبير العملة الأجنبية للأنشطة الاقتصادية ذات الأولوية، وعلى رأسها الصناعة والسلع الأساسية.
التضخم تحت المجهر: ماذا تقول أحدث بيانات المركزي؟
أحدث بيان للجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري، الصادر في 24 سبتمبر 2026، أشار إلى أن التضخم الأساسي السنوي سجل 14.9% في أغسطس 2026، مع تأكيد البنك أن تطورات الأسعار جاءت أفضل من التوقعات السابقة. كما أوضح البيان أن التضخم الشهري العام سجل نسبًا منخفضة خلال الشهور الأخيرة، إذ بلغ سالب 0.4% في يونيو، و0.0% في يوليو، و0.1% في أغسطس 2026، وهو ما يعكس تباطؤًا واضحًا في وتيرة الزيادات السعرية مقارنة بفترات سابقة أكثر حدة.
ورغم هذا التحسن، شدد البنك المركزي على أن ميزان المخاطر لا يزال يميل إلى الاتجاه الصعودي، خصوصًا بسبب التوترات الإقليمية واحتمالات انتقال أثر ارتفاع أسعار الطاقة أو الغذاء عالميًا إلى السوق المحلية، فضلًا عن انعكاسات إجراءات الضبط المالي على الأسعار. ولهذا أبقت لجنة السياسة النقدية أسعار العائد الأساسية دون تغيير في اجتماع 24 سبتمبر، ليستقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19.0%، والإقراض لليلة واحدة عند 20.0%، وسعر العملية الرئيسية والخصم عند 19.5%.
الاحتياطي الأجنبي يواصل الصعود
من النقاط اللافتة في المشهد الاقتصادي المصري خلال 2026 استمرار نمو صافي الاحتياطيات الدولية. ووفق أحدث إعلان رسمي من البنك المركزي المصري، وصل صافي الاحتياطي إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 56.2939 مليار دولار في نهاية يوليو، و55.0723 مليار دولار في نهاية يونيو من العام نفسه. ويعكس هذا المسار التصاعدي تحسنًا في قدرة الدولة على دعم الالتزامات الخارجية وتوفير غطاء أقوى لاحتياجات الاستيراد والسلع الاستراتيجية.
وكانت الرئاسة المصرية قد أشارت في مايو 2026 إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ نحو 53 مليار دولار في أبريل 2026، وهو مستوى وُصف حينها بأنه تاريخي، مع تغطية واردات تقارب 6.3 شهر. وفي فبراير 2026، أوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن الاحتياطيات سجلت 52.6 مليار دولار في يناير، بما يغطي نحو 6.9 شهر من الواردات السلعية، وهو ما يعكس المساحة التي تتحرك فيها السياسة النقدية لدعم الاستقرار.
لماذا تركز الحكومة على تدفقات الدولار؟
الحديث عن «تدفقات الدولار» لا يرتبط فقط بسوق الصرف، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد على تمويل الواردات الإنتاجية، وخدمة الالتزامات الخارجية، وتوفير مدخلات التصنيع، والحفاظ على استقرار الأسواق. ومن هذا المنطلق، فإن التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي يهدف إلى ضمان استمرار دخول النقد الأجنبي عبر قنوات متعددة، سواء من الصادرات أو تحويلات المصريين العاملين بالخارج أو الاستثمار الأجنبي أو الأنشطة الخدمية.
وفي هذا السياق، أعلن البنك المركزي المصري في أغسطس 2026 أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، وهو رقم يعكس أهمية هذا المورد في دعم ميزان المدفوعات وتوفير سيولة دولارية للاقتصاد. كما يفسر جانبًا من اهتمام صناع القرار بتأمين بيئة اقتصادية مستقرة تحفز استمرار التدفقات الخارجية.
رسالة للأسواق والقطاع الخاص
بالنسبة للمتعاملين في سوق المال وقطاع الأعمال، فإن هذا النوع من الاجتماعات يحمل رسالة واضحة مفادها أن ملف التضخم لم يغب عن الأولوية، وأن الحكومة والبنك المركزي يتحركان ضمن إطار مشترك يوازن بين خفض الأسعار، وتأمين النقد الأجنبي، واستمرار النشاط الاقتصادي. كما أن ربط ملف الدولار باحتياجات الصناعة والقطاعات ذات الأولوية يبعث بإشارة مهمة للمستثمرين مفادها أن إدارة السيولة الأجنبية باتت أكثر التصاقًا بأهداف الإنتاج والنمو.
وكان مدبولي قد أكد في أكثر من مناسبة خلال 2026 أن الدولة تتابع عن قرب تداعيات التطورات الإقليمية على الاقتصاد المحلي، مع استمرار الالتزام بمرونة سعر الصرف وخفض التضخم وتحقيق نمو يقوده القطاع الخاص. كما شدد في اجتماع اقتصادي موسع خلال سبتمبر 2026 على مواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الوطني بالتوازي مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
من هما أبرز طرفي الاجتماع؟
يرأس الحكومة المصرية حاليًا الدكتور مصطفى مدبولي، فيما يتولى حسن عبدالله قيادة البنك المركزي المصري. والأخير يقود المؤسسة النقدية في مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها تحديات الأسعار، وتكلفة التمويل، وتدبير النقد الأجنبي، وإدارة توقعات الأسواق. وفي هذا الملف تحديدًا، يبدو حسن عبدالله هو الشخصية الأبرز في الخبر بحكم صلته المباشرة بالسياسة النقدية والاحتياطيات وأسعار الفائدة.
ولم يتسن التحقق من حساب رسمي موثق لحسن عبدالله أو مصطفى مدبولي على إنستغرام من مصادر موثوقة يمكن الاستناد إليها، لذلك لا يتم إدراج أي اسم مستخدم غير مؤكد التزامًا بالدقة التحريرية.
الخلاصة
اجتماع مدبولي ومحافظ البنك المركزي لا يقدم قرارات تنفيذية معلنة بقدر ما يعكس اتجاهًا ثابتًا في إدارة الاقتصاد المصري: تنسيق وثيق بين السياسة المالية والنقدية، متابعة لصيقة لمسار التضخم، واهتمام خاص بتعزيز موارد النقد الأجنبي. وبينما تُظهر أحدث البيانات الرسمية تراجعًا تدريجيًا في ضغوط الأسعار وارتفاعًا في الاحتياطيات، يبقى التحدي الأساسي هو الحفاظ على هذا المسار وسط بيئة إقليمية ودولية لا تزال شديدة التقلب. بالنسبة لقراء «بورصة مصر»، فإن الرسالة الأهم هي أن ملفي التضخم والدولار سيظلان في قلب المتابعة الحكومية خلال الفترة المقبلة، لما لهما من تأثير مباشر على السوق، والاستثمار، وتكلفة التمويل، والأسعار اليومية للمستهلك المصري.