الإقتصادي

مدبولي يتابع إعادة هيكلة الشركات القابضة لتعظيم عائد أصول الدولة

مدبولي يراجع مسار إعادة هيكلة الشركات القابضة المملوكة للدولة

تتحرك الحكومة المصرية بوتيرة أسرع في ملف إعادة تنظيم الشركات المملوكة للدولة، وهو ملف يرتبط مباشرة بكفاءة إدارة الأصول العامة، وجاذبية الاستثمار، ومستقبل مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد. وفي هذا السياق، عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا في العاصمة الإدارية الجديدة يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 لمتابعة مستهدفات برنامج إعادة هيكلة الشركات القابضة، في خطوة تعكس أن الملف بات ضمن الأولويات الاقتصادية العليا للدولة.

وبحسب ما أعلنه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء والهيئة العامة للاستعلامات، فإن الاجتماع استهدف مراجعة أدوات تنظيم وإدارة الشركات التي تمتلكها الدولة، مع التركيز على رفع كفاءة استغلال الأصول وتعظيم العائد الاقتصادي منها، إلى جانب تطوير الأداء التشغيلي والمالي وتعزيز قواعد الحوكمة داخل هذه الكيانات.

من حضر الاجتماع؟

ضم الاجتماع عددًا من المسؤولين المعنيين بالشق الاقتصادي والاستثماري، من بينهم الدكتور حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وأحمد كجوك وزير المالية، والدكتور محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والدكتور هاشم السيد مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة. كما شارك مسؤولون من الوزارات والجهات ذات الصلة، وهو ما يعكس الطبيعة العابرة للوزارات في هذا الملف.

ويكتسب حضور هذه المجموعة أهمية خاصة لأن إعادة الهيكلة لم تعد مجرد مسألة إدارية تخص شركة أو قطاعًا بعينه، بل أصبحت جزءًا من رؤية أشمل لإدارة ملكية الدولة، وتهيئة الشركات الحكومية لخيارات متعددة تشمل التطوير، وإعادة التنظيم، وزيادة الكفاءة، وربما الطروحات أو نقل بعض الأصول إلى صناديق متخصصة عندما يكون ذلك هو المسار الأنسب.

ما الشركات القابضة التي شملتها المراجعة؟

الاجتماع تناول آليات إعادة تنظيم تبعية عدد من الشركات القابضة الكبرى، وتشمل:

  • الشركة القابضة للتشييد والتعمير
  • الشركة القابضة للسياحة والفنادق
  • الشركة القابضة للصناعات المعدنية
  • الشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية
  • الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج
  • الشركة القابضة للصناعات الكيماوية

وهذه الأسماء ليست هامشية في الاقتصاد المصري؛ فهي تضم شركات تعمل في قطاعات الصناعة، والإنشاءات، والسياحة، والدواء، والمنسوجات، وهي قطاعات ترتبط بالتشغيل والإنتاج والصادرات وسلاسل الإمداد المحلية. لذلك فإن أي تغيير في هيكل الإشراف أو الإدارة داخل هذه الكيانات ينعكس على خريطة الأعمال والاستثمار في السوق المصرية.

صلة مباشرة بوثيقة سياسة ملكية الدولة

التحرك الحكومي الأخير لا يمكن فصله عن وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي أصبحت المرجعية الأساسية لتحديد دور الدولة في النشاط الاقتصادي. وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أكدت في أكثر من مناسبة أن الإطار الاستراتيجي المحدث لسياسة ملكية الدولة للفترة 2026-2030 يستهدف إعادة تعريف دور الدولة بما يفسح مساحة أكبر للقطاع الخاص، مع التركيز على الحوكمة وكفاءة استخدام الموارد.

كما توضح السردية الوطنية للتنمية الشاملة الصادرة عن الوزارة أن الدولة تعمل على التحول التدريجي من دور المستثمر والمشغل المباشر في بعض الأنشطة إلى دور المنظم والمُمكّن، بما يدعم النمو التنافسي ويزيد مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل. ومن هذه الزاوية، تصبح إعادة هيكلة الشركات القابضة أداة تنفيذية وليست مجرد عنوان سياسي أو إداري.

ما الذي تغيّر مؤسسيًا في 2026؟

من التطورات اللافتة هذا العام إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ضمن التعديل الوزاري الذي جرى في 11 فبراير 2026، وفق القرار الجمهوري رقم 75 لسنة 2026، مع انتقال الحاجة إلى إعادة ترتيب الاختصاصات والآثار المترتبة على ذلك بقرارات يصدرها رئيس مجلس الوزراء. هذا التحول المؤسسي يفسر جانبًا من الاجتماعات المتكررة التي عُقدت خلال 2026 لمراجعة تبعية الشركات القابضة وآليات إدارتها.

وبالتوازي، برز دور وحدة الشركات المملوكة للدولة التابعة لمجلس الوزراء بوصفها الجهة المنوط بها متابعة القرارات والإجراءات الخاصة بتنظيم هذه الشركات، مع العمل بالتنسيق مع الوزارات والهيئات المختلفة. وكانت وزارة التخطيط قد أشارت في فبراير 2026 إلى أن هذه الوحدة تعمل وفق القانون رقم 170 لسنة 2025 المنظم لبعض الأحكام الخاصة بملكية الدولة في الشركات التي تملكها أو تساهم فيها.

لماذا يهم هذا الملف المستثمرين والقطاع المصرفي؟

بالنسبة لقراء قسم بنوك واستثمار مصر، فإن أهمية الخبر تتجاوز الجانب الحكومي البحت. فإعادة هيكلة الشركات القابضة تعني عمليًا تحسين جودة القوائم المالية، وإعادة تقييم الأصول، ورفع الانضباط الإداري، وتحديد الشركات القابلة للشراكة أو الطرح أو إعادة التمويل. وهذه كلها عناصر تؤثر في شهية البنوك ومؤسسات التمويل والمستثمرين المحليين والأجانب.

كما أن وضوح خريطة ملكية الدولة ومسارات التخارج أو الشراكة يحد من الضبابية التي طالما اعتبرها المستثمرون إحدى العقبات أمام ضخ استثمارات طويلة الأجل. وكلما تحسنت الحوكمة والإفصاح، زادت قدرة الشركات على جذب شريك استراتيجي أو الاستفادة من أسواق المال أو تنفيذ خطط توسع أكثر كفاءة.

الربط بين إعادة الهيكلة والطروحات

الحكومة كانت قد راجعت خلال اجتماعات سابقة في 2026 ملفات متصلة بالطروحات العامة وتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة ونقل بعض الكيانات أو الأصول إلى الصندوق السيادي أو صناديق وطنية أخرى. وفي هذا السياق، تبدو إعادة الهيكلة خطوة تمهيدية ضرورية قبل أي طرح أو شراكة، لأن المستثمر بطبيعته يبحث أولًا عن هيكل ملكية واضح، وحوكمة قابلة للقياس، ومؤشرات مالية وتشغيلية يمكن البناء عليها.

كما أن التقارير الحكومية السابقة أشارت إلى تقدم في إعداد قوائم لشركات مستهدفة بالنقل أو الطرح المؤقت في البورصة المصرية، ما يعني أن الملف يتحرك على أكثر من محور في الوقت نفسه: إعادة تنظيم، وتطوير، وحوكمة، وتجهيز استثماري.

ماذا بعد؟

المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحكومة ستتجه إلى تسريع تنفيذ نماذج مختلفة لكل شركة أو قطاع، بدلًا من تطبيق قالب موحد على الجميع. فبعض الكيانات قد تكون أولويتها رفع الكفاءة التشغيلية، وأخرى قد تحتاج إلى إعادة هيكلة مالية، بينما قد يكون المسار الأنسب لعدد منها هو الشراكة مع القطاع الخاص أو النقل إلى أذرع استثمارية متخصصة.

المؤكد حتى الآن أن الدولة المصرية تتعامل مع الشركات القابضة باعتبارها جزءًا من معادلة أوسع لإصلاح الاقتصاد وتحسين إدارة الأصول العامة. ومن ثم، فإن اجتماع مصطفى مدبولي لم يكن مجرد مراجعة إجرائية، بل حلقة جديدة في إعادة رسم علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي، على نحو قد يترك أثرًا مباشرًا على مناخ الأعمال، وتدفقات الاستثمار، وكفاءة الشركات المملوكة للدولة خلال السنوات المقبلة.

وفي ظل استمرار العمل على تحديث السياسات الاقتصادية وتحفيز دور القطاع الخاص، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بسرعة التنفيذ، وجودة الحوكمة، والقدرة على تحويل الخطط التنظيمية إلى نتائج مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات القابضة التابعة للدولة.