مدبولي يتابع إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وخطة الطروحات
مدبولي يراجع مسار هيكلة الشركات الحكومية ضمن برنامج التخارج
عاد ملف إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة إلى واجهة الاهتمام الحكومي، بعدما عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا لمتابعة موقف الشركات العامة وخطة الطروحات الحكومية، في سياق أوسع يستهدف إعادة تنظيم حضور الدولة في النشاط الاقتصادي، وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص، وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة.
وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة للاستعلامات، فإن اجتماع 31 مارس 2026 ضم الدكتور حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهاشم السيد الرئيس التنفيذي للوحدة المركزية لحصر وتنظيم الشركات المملوكة للدولة التابعة لمجلس الوزراء. وخلال الاجتماع، تمت مراجعة الشركات المرشحة للقيد المؤقت في البورصة المصرية، إلى جانب شركات أخرى جارٍ نقلها إلى صندوق مصر السيادي ضمن آلية تستهدف تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة.
البيانات الرسمية أوضحت أن 10 شركات من أصل 20 شركة كانت تتبع قطاع الأعمال العام كان مقررًا قيدها مؤقتًا خلال أسبوعين من الاجتماع، على أن يُستكمل قيد بقية الشركات قبل نهاية أبريل 2026. كما تمت الإشارة إلى نقل 40 شركة إلى صندوق مصر السيادي، مع اعتماد منهجية جديدة تستهدف رفع مستويات الشفافية وتوسيع قاعدة المستثمرين.
ما الذي يعنيه القيد المؤقت ونقل الشركات للصندوق السيادي؟
التحركات الحالية لا تعني بالضرورة بيعًا فوريًا لكل الأصول، لكنها تمثل إعادة فرز للشركات الحكومية بحسب جاهزيتها وطبيعة دورها. فالشركات القابلة لجذب مستثمرين أو القابلة للتداول يمكن توجيهها إلى مسار الطرح أو القيد في السوق، بينما تُحال الأصول التي تحتاج إلى إعادة صياغة أو تعظيم قيمة إلى صندوق مصر السيادي، في حين تبقى الشركات التي تحتاج إعادة هيكلة أعمق تحت إشراف الوحدة المعنية.
هذا التصور يتسق أيضًا مع ما أورده صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في 25 فبراير 2026 بعد استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، حيث أكد أن تسريع التخارج من القطاعات غير الاستراتيجية وتقليص البصمة الاقتصادية للدولة يظل عنصرًا حاسمًا لدعم نمو يقوده القطاع الخاص. كما أشار التقرير إلى أن الإطار المؤسسي الجديد يسمح بتوجيه الشركات الجاهزة للسوق إلى وحدة التخارج، ونقل الأصول الاستراتيجية أو القابلة لتعظيم القيمة إلى صندوق مصر السيادي، مع إبقاء حالات إعادة الهيكلة تحت المتابعة المباشرة.
صلة وثيقة بسياسة ملكية الدولة 2026-2030
الاجتماع الأخير لا يمكن فصله عن المسار الأوسع لتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة. ففي يونيو 2026 شهدت الحكومة إطلاق الإصدار الثاني من الوثيقة تحت عنوان "تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر 2026-2030"، بما يعكس انتقال الملف من مرحلة إعلان المبادئ العامة إلى مرحلة التنفيذ الأدق، وتحديد الأولويات القطاعية وأدوات التخارج والشراكة.
ووفقًا لبيانات رسمية، وجّه مدبولي في اجتماع لاحق خلال مايو 2026 بإعداد خطة تنفيذية دقيقة تحدد القطاعات المستهدفة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، مع ربط واضح بين تلك الخطة وعمل وحدة الشركات المملوكة للدولة. ويعني ذلك أن الحكومة لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره برنامجًا منفصلًا للطروحات فقط، بل باعتباره جزءًا من هيكلة أوسع لدور الدولة الاقتصادي.
القانون الجديد والإطار المؤسسي
التطور الأبرز في هذا الملف يتمثل في ترسيخ الإطار المؤسسي المنظم له. فبحسب تقرير صندوق النقد الدولي رقم 26/69، فإن القانون رقم 170 لسنة 2025 بشأن تنظيم ملكية الدولة أنشأ وحدة للشركات المملوكة للدولة تحت مكتب رئيس الوزراء، لتكون مسؤولة عن بناء قاعدة بيانات مركزية، ودعم سياسة فرز الشركات، وتحسين الإفصاح والحوكمة.
هذه النقطة مهمة للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، لأن ضعف البيانات أو غياب التصنيف الواضح للشركات كان من بين أبرز العقبات التي حدّت سابقًا من سرعة تنفيذ التخارجات. ومن ثم، فإن توحيد المعلومات، ونشر مؤشرات المتابعة، وتحسين القابلية للتقييم، كلها عناصر ترفع من فرص نجاح الطروحات أو الشراكات المستقبلية.
ماذا تقول الأرقام عن مسار التخارج؟
صندوق النقد أشار إلى أن مصر باعت حصصًا في 9 شركات وحققت منها نحو 2.2 مليار دولار خلال 2023 وبداية 2024، قبل أن يتباطأ النشاط خلال الشهور اللاحقة، باستثناء عملية بيع أسهم في بنك صغير داخل البورصة المصرية في ديسمبر 2024. كما أوضح التقرير أن الحكومة حددت 4 صفقات رئيسية تستهدف الإغلاق المالي قبل نهاية البرنامج، مع حصيلة متوقعة بنحو 1.5 مليار دولار، على أن يوجَّه نحو نصفها إلى الموازنة للمساهمة في خفض الدين والاحتياجات التمويلية.
وفي الوقت نفسه، تحدث التقرير عن وجود 11 عملية تخارج إضافية في قطاعات ذات أولوية، فضلًا عن 5 شركات مملوكة لجهات عسكرية و7 شركات ضمن برنامج الطروحات. كما أشار إلى التحضير لمنح امتيازات إدارة لـ11 مطارًا مصريًا بدءًا بمطار واحد كنموذج أولي، وهو مسار يفتح الباب أمام إدارة خاصة للأصول العامة دون بيعها بشكل مباشر.
أثر متوقع على البورصة المصرية والاستثمار
إعادة تنشيط برنامج الطروحات لا يرتبط فقط بتوفير موارد مالية، بل أيضًا بتعميق سوق المال المصري. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء ما أعلنته جهات رسمية مؤخرًا عن أن عدد الشركات المقيدة في البورصة المصرية يبلغ نحو 260 شركة، مقابل قاعدة أوسع من الشركات المساهمة القابلة للاستفادة من مزايا القيد، وهو ما يبرز الحاجة إلى توسيع المعروض وتعزيز التنوع القطاعي داخل السوق.
كما أظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن الفترة من بداية 2026 وحتى 30 أبريل 2026 تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات سوق المال؛ إذ ارتفع مؤشر EGX30 بنسبة 26.56% خلال الشهور الأربعة الأولى من العام، فيما سجلت قيمة تداولات الأسهم المقيدة نحو 579 مليار جنيه. هذا التحسن يمنح الحكومة نافذة أفضل لتسويق الطروحات إذا جرى تجهيز الشركات بشكل مهني ووفق معايير إفصاح واضحة.
لماذا يهم هذا الملف الاقتصاد المصري الآن؟
في التوقيت الحالي، تنظر الحكومة إلى إعادة هيكلة الشركات الحكومية باعتبارها أداة مزدوجة: الأولى تتعلق بتحسين كفاءة الأصول العامة ورفع عوائدها، والثانية ترتبط بإعادة توجيه الاقتصاد نحو نموذج يعتمد بصورة أكبر على الاستثمار الخاص والإنتاجية والتصدير. ويأتي ذلك بينما يؤكد الشركاء الدوليون، وفي مقدمتهم صندوق النقد، أن الإصلاحات الهيكلية لا تقل أهمية عن الاستقرار النقدي والمالي.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الخطة لن يُقاس فقط بعدد الشركات التي تُنقل أو تُقيد أو تُطرح، بل بمدى قدرة الدولة على بناء منظومة حوكمة أكثر وضوحًا، وتقديم شركات قابلة للتقييم، وإتاحة فرص عادلة للمستثمرين، وتوجيه الموارد المتحصلة إلى خفض أعباء الدين وتمويل الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
- أبرز ما تم الإعلان عنه: متابعة حكومية لبرنامج الطروحات وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة.
- عدد الشركات المستهدفة بالقيد المؤقت: 20 شركة، بينها 10 كان مقررًا قيدها أولًا.
- عدد الشركات الجاري نقلها لصندوق مصر السيادي: 40 شركة.
- الإطار الحاكم: وثيقة سياسة ملكية الدولة وتحديثها للفترة 2026-2030.
- الهدف الاقتصادي: تعظيم كفاءة الأصول العامة وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
في المحصلة، يبدو أن الحكومة تدفع الآن نحو مرحلة أكثر تنظيمًا ووضوحًا في ملف التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية، مستفيدة من بنية مؤسسية جديدة، ومن تحسن نسبي في شهية السوق. لكن الاختبار الحقيقي سيظل في سرعة التنفيذ، وجودة الشركات المطروحة، وقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين تعظيم قيمة الأصول والحفاظ على المصالح الاستراتيجية للاقتصاد المصري.