مدبولي يراجع تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة
الحكومة تعيد فتح ملف الهيكل القانوني للبورصة المصرية
عاد ملف تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة إلى واجهة النقاش الحكومي، بعدما استعرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ملامح الخطة ضمن اجتماعات متابعة تطوير سوق المال وبرنامج الطروحات. وتتحرك الحكومة في هذا المسار بالتوازي مع جهود توسيع قاعدة الشركات المقيدة، ورفع كفاءة السوق، وزيادة جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي، وهي ملفات باتت في صدارة أجندة الإصلاح الاقتصادي في مصر.
وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة للرقابة المالية خلال اجتماع حكومي عُقد أواخر عام 2025، فإن الدراسة تتضمن إدخال تعديلات على قانون سوق رأس المال بما يتيح تغيير الشكل القانوني للبورصة المصرية إلى شركة مساهمة، تمهيدًا لإمكانية قيدها وطرحها لاحقًا إذا توافرت الظروف المناسبة. وجرى طرح هذا التصور باعتباره معمولًا به في عدد كبير من البورصات الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أن القرار النهائي يظل مرتبطًا بالجاهزية التشريعية والسوقية والتنظيمية.
ما الذي يعنيه التحول إلى شركة مساهمة؟
التحول المقترح لا يعني مجرد تغيير شكلي، بل يمثل إعادة بناء لنموذج الإدارة والحوكمة والتمويل داخل سوق المال المصري. فالبورصة المصرية تعمل حاليًا بصفتها كيانًا عامًا، بينما يسمح نموذج الشركة المساهمة عادة بمرونة أكبر في الإدارة، وتطوير الخدمات والأنظمة التقنية، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، إلى جانب توسيع أدوات التمويل المتاحة للتطوير المستقبلي.
كما أن هذا النموذج قد يفتح الباب، على المدى اللاحق، أمام طرح حصة من البورصة نفسها في السوق، وهو ما تعتبره دوائر رسمية خطوة تحمل رسالة ثقة في السوق المصري، وتنسجم مع توجه الدولة نحو توسيع الملكية العامة وتعميق التداول وزيادة الشفافية.
مدبولي يتابع الملف ضمن أجندة أوسع لتطوير سوق المال
تحركات الحكومة في هذا الاتجاه لا تبدو منفصلة عن برنامج أوسع لتفعيل دور البورصة في الاقتصاد. فقد تابع الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعات متعددة خلال 2026 بشأن تسريع استكمال مشروعات القوانين المنظمة لسوق رأس المال، ومتابعة الطروحات الحكومية، وزيادة عدد الشركات المقيدة. كما شددت الحكومة على أهمية استثمار الزخم الحالي في السوق لتعميق الإصلاحات المؤسسية وتحسين كفاءة البنية التشريعية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، أكد عمر رضوان، رئيس البورصة المصرية، في تصريحات صحفية خلال يونيو 2026، أن ملف التحول إلى شركة مساهمة لا يزال قيد الدراسة والتنسيق بين الحكومة والجهات التشريعية والرقابية، وأن الهدف الأساسي منه هو دعم الصالح العام وتطوير إدارة السوق وتعزيز كفاءته التشغيلية.
لماذا تكتسب الخطوة أهمية الآن؟
توقيت إعادة طرح الفكرة يرتبط بوضوح بحالة النشاط التي شهدها سوق المال المصري خلال 2026. ووفق بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، سجلت إجمالي تداولات الأسهم المقيدة نحو 579 مليار جنيه خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بنمو سنوي بلغ 62%، بينما ارتفعت تداولات السندات وأذون الخزانة بنحو 50% خلال الفترة نفسها. كما بلغ رأس المال السوقي للشركات المقيدة 3.4 تريليون جنيه في إحدى جلسات أبريل 2026، قبل أن تشير تقديرات لاحقة إلى صعوده إلى نحو 3.679 تريليون جنيه بنهاية الربع الثاني من العام.
هذه الأرقام تعكس سوقًا أكثر عمقًا وسيولة مقارنة بفترات سابقة، وهو ما يدعم منطق التحرك نحو نموذج مؤسسي أكثر تطورًا. كذلك فإن الحكومة تسعى في الوقت نفسه إلى زيادة عدد الشركات المطروحة، وهو ما يخلق حاجة إلى بورصة أكثر قدرة على التوسع والمنافسة الإقليمية.
الطروحات الحكومية في قلب المشهد
لا يمكن فصل ملف تحويل البورصة إلى شركة مساهمة عن برنامج الطروحات الحكومية. فالحكومة كانت قد وسعت في 2026 نطاق الشركات المستهدفة بالقيد والطرح، بما في ذلك شركات مملوكة للدولة وأخرى تابعة لقطاعات استراتيجية. كما شهدت البورصة خلال مايو 2026 قيدًا مؤقتًا لعدد 6 شركات مملوكة للدولة، في خطوة استهدفت تجهيزها لعمليات طرح أو توسيع لقاعدة الملكية في مراحل لاحقة.
كذلك ناقشت الحكومة خطط طرح شركات من قطاعات البترول والخدمات والكيانات التابعة للدولة، في إطار وثيقة سياسة ملكية الدولة التي تستهدف توسيع مشاركة القطاع الخاص. ومن هذه الزاوية، فإن تطوير البورصة ذاتها يصبح جزءًا من البنية التحتية المطلوبة لنجاح هذه الطروحات، وليس مجرد ملف تنظيمي منفصل.
ماذا تقول المؤشرات عن اتساع السوق؟
البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أظهرت خلال 2026 أن عدد الشركات المقيدة في البورصة المصرية يدور حول 260 شركة، في حين يوجد في مصر عشرات الآلاف من الشركات المساهمة القابلة نظريًا للاستفادة من مزايا القيد. وتؤكد هذه الفجوة أن السوق لا يزال يملك مساحة كبيرة للنمو، سواء عبر إدراج شركات جديدة أو توسيع أحجام التداول وتنوع الأدوات المالية.
ومن ثم، فإن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة قد يُنظر إليه كأداة ضمن حزمة أكبر تهدف إلى:
- رفع كفاءة الإدارة والحوكمة داخل السوق.
- تعزيز القدرة على التحديث التكنولوجي والتشغيلي.
- زيادة تنافسية البورصة المصرية إقليميًا.
- دعم برنامج الطروحات الحكومية والخاصة.
- توسيع قاعدة المستثمرين والشركات المقيدة.
تحديات تشريعية وتنظيمية لا تزال قائمة
رغم المزايا النظرية، فإن تنفيذ الخطوة يحتاج إلى تعديلات قانونية واضحة، وحسم لطبيعة الملكية ونسب الطرح وآليات الرقابة بعد التحول. كما أن القضية ترتبط بحساسية دور البورصة بوصفها مشغلًا للسوق ومنصة منظمة له في الوقت نفسه، ما يتطلب توازنًا دقيقًا بين الاعتبارات التجارية والمصلحة العامة.
وتشير القراءة الحالية للمشهد إلى أن الحكومة تتعامل مع الملف بحذر محسوب؛ فلا يوجد إعلان رسمي عن موعد نهائي للتحول أو الطرح، لكن هناك مسارًا واضحًا للدراسة والتجهيز، خاصة مع الدفع المتواصل نحو تحديث تشريعات سوق المال وتسريع الطروحات.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين في مصر؟
بالنسبة للمستثمرين، فإن استمرار الحكومة في بحث هذا التحول يبعث بإشارة مفادها أن سوق المال المصري مرشح لمزيد من التطوير المؤسسي. وإذا اكتملت التعديلات المطلوبة ونُفذت الخطة، فقد تستفيد السوق من مستويات أعلى من الشفافية والمرونة والقدرة على جذب الاستثمارات، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع طروحات جديدة وتحسن مستدام في أحجام التداول.
وفي المحصلة، تبدو الخطة جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تموضع البورصة المصرية داخل الاقتصاد الوطني: ليس فقط كساحة لتداول الأسهم، بل كمنصة رئيسية لتمويل النمو، وجذب المدخرات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، ورفع كفاءة إدارة الأصول العامة. وحتى صدور القرارات التشريعية والتنفيذية النهائية، سيظل ملف تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة أحد أكثر ملفات الاستثمار متابعة في مصر خلال الفترة المقبلة.