مدبولي يراجع حزمة ضريبية جديدة لدعم القيد في البورصة
الحكومة تدفع بحزمة ضريبية جديدة لتنشيط سوق المال
تواصل الحكومة المصرية تحريك ملف الإصلاح الضريبي المرتبط بالاستثمار وسوق المال، بعدما استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ملامح الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية الهادفة إلى تخفيف الأعباء عن مجتمع الأعمال، ودعم تنافسية الاقتصاد، وخلق بيئة أكثر جاذبية لقيد الشركات في البورصة المصرية. ويأتي هذا المسار ضمن توجه أوسع تتبناه الدولة خلال العام المالي 2026/2027 لتحفيز القطاع الخاص وتوسيع قاعدة الاستثمار المحلي والأجنبي.
التحركات الأخيرة لا تقتصر على تخفيفات شكلية، بل تمتد إلى تعديلات تشريعية وإجرائية تمس ضريبة القيمة المضافة، والتعامل الضريبي على الأوراق المالية، وسرعة رد الأرصدة الدائنة، إلى جانب حوافز مباشرة تستهدف الشركات الراغبة في القيد والتداول. ووفق ما أعلنته وزارة المالية والجهات الرسمية، فإن هذه الإجراءات صيغت بعد جولات حوار مجتمعي واسعة مع ممثلي الأعمال والممولين.
ما الذي تتضمنه الحزمة الثانية؟
بحسب ما أعلنه وزير المالية أحمد كجوك في 2 يوليو 2026، فإن القوانين المرتبطة بالحزمة الثانية دخلت مرحلة التطبيق بعد إقرارها برلمانيًا، وتتضمن حافزًا استثماريًا لتشجيع قيد الشركات بالبورصة لمدة 3 سنوات، إلى جانب التحول في محاسبة التعاملات على الأوراق المالية المقيدة من ضريبة الأرباح الرأسمالية إلى ضريبة الدمغة، في خطوة تستهدف تبسيط المعاملة الضريبية وخفض كلفة التداول وتحفيز السيولة في السوق. كما تشمل الحزمة تقليص مدد رد الرصيد الدائن للممولين، بما يمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة السيولة النقدية.
ومن البنود اللافتة أيضًا، ما يتعلق بخفض سعر ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية من 14% إلى 5%، مع إعفاء بعض المدخلات واللوازم المرتبطة بأجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى، بالإضافة إلى مد فترة تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات المستخدمة في الإنتاج الصناعي والأجهزة الطبية إلى 4 سنوات بدلًا من سنتين، وهو ما يمنح دفعة للصناعة والاستثمار الإنتاجي، خاصة للقطاعات كثيفة الإنفاق الرأسمالي.
دعم مباشر للبورصة المصرية
في زاوية بورصة مصر، تبدو الرسالة الحكومية واضحة: تنشيط القيد والتداول لم يعد هدفًا منفصلًا عن السياسة الضريبية. فالحزمة الجديدة تراهن على إزالة بعض التشوهات التي طالما اشتكى منها المستثمرون ومديرو الشركات، وعلى رأسها تعدد الأعباء وتعقيد المعالجة الضريبية للعمليات المرتبطة بالأوراق المالية. كما تتضمن الإجراءات المعلنة خفض ضريبة الدمغة لغير المقيمين إلى 5 في الألف وفق ما ورد في التصريحات الرسمية، مع الإبقاء على توجه يحقق قدرًا أكبر من الوضوح بين المستثمر المحلي والأجنبي.
هذا التوجه يتقاطع مع هدف أوسع يتمثل في زيادة عدد الشركات المقيدة وتعميق السوق. فكلما تحسنت كلفة القيد والتداول، زادت جاذبية البورصة كمنصة تمويل بديلة أمام الشركات المتوسطة والكبيرة، بدلًا من الاعتماد الكامل على الاقتراض المصرفي. وتراهن الحكومة كذلك على أن الحوافز الضريبية الجديدة قد ترفع معدلات الطروحات وتزيد أحجام التداول خلال السنوات المقبلة.
القيمة المضافة والصناعة: تخفيف العبء وتحسين الكفاءة
لا تتوقف الحزمة عند السوق المالي فقط، بل تمتد إلى قطاعات إنتاجية وخدمية مهمة. فقد أكدت مصلحة الضرائب المصرية أن التعديلات تشمل إعفاءات وتخفيضات في ضريبة القيمة المضافة لعدد من الأنشطة والسلع ذات الأثر الاقتصادي أو الاجتماعي، وبينها الأجهزة الطبية وبعض الخدمات المالية غير المصرفية، فضلًا عن السلع العابرة وخدمات الترانزيت، في محاولة لتحسين تنافسية مصر كمركز إقليمي للتجارة والخدمات.
كذلك تسمح الحزمة بسرعة أكبر في رد الأرصدة الدائنة؛ إذ تم تقليص مدة رد الرصيد الدائن للمشروعات المنضمة إلى النظام الضريبي المبسط إلى 3 أشهر بدلًا من 6 أشهر، وللمشروعات الأخرى إلى 4 أشهر بدلًا من 6 أشهر. هذه النقطة تحديدًا تحظى بأهمية خاصة للشركات المدرجة وغير المدرجة، لأن سرعة استرداد المستحقات الضريبية تنعكس مباشرة على التدفقات النقدية والقدرة على التوسع.
33 إجراءً بعد حوار مع مجتمع الأعمال
اللافت أن وزارة المالية كانت قد أوضحت في مارس 2026 أن الحزمة الثانية تضم 33 إجراءً تشريعيًا وتنفيذيًا، جرى تطويرها بعد نحو 40 لقاءً للحوار المجتمعي مع ممثلي المجتمع الضريبي ومؤسسات الأعمال. هذا المسار التشاركي ظهر أيضًا في تصريحات رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، التي أكدت أن الحزمة تستهدف إزالة الأعباء عن الممولين الملتزمين، وتعزيز الثقة بين الإدارة الضريبية والمجتمع الاقتصادي.
ومن بين ما أعلنته المصلحة كذلك، إدراج المساهمة التكافلية ضمن التكاليف واجبة الخصم من الوعاء الضريبي، وتجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية لمدة 6 أشهر لتلقي الطلبات حتى 31 ديسمبر 2026. كما تشمل التسهيلات توحيد نسبة 2.5% على التصرفات العقارية لغير التجار، ومد مهلة السداد إلى 60 يومًا بدلًا من 30 يومًا، مع إعفاء أقارب الدرجة الأولى في بعض الحالات.
لماذا يهم ذلك المستثمرين الآن؟
أهمية هذه الحزمة لا ترتبط فقط بالأثر الضريبي المباشر، بل بكونها جزءًا من رسالة ثقة موجهة إلى المستثمرين بأن السياسة المالية تتجه إلى التبسيط لا التعقيد. الحكومة كانت قد أشارت في يونيو 2026 إلى أن الإيرادات الضريبية ارتفعت بنحو 28.7% على أساس سنوي خلال أول 9 أشهر من العام المالي 2025/2026 لتصل إلى 1.85 تريليون جنيه، دون فرض أعباء ضريبية إضافية، وهو ما عزته إلى اتساع النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإجراءات.
بالنسبة للمستثمر في البورصة، فإن استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة يمثل عنصرًا حاسمًا في قابلية التنبؤ بالالتزامات الضريبية. أما بالنسبة للشركات، فإن حافز القيد لمدة 3 سنوات، وسرعة رد الأرصدة الدائنة، ومد تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات، كلها أدوات تخفض تكلفة النمو والتوسع.
ماذا بعد؟
المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة هذه التعديلات على ترجمة الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة داخل البورصة المصرية. نجاح الحزمة لن يقاس فقط بعدد النصوص القانونية، بل بمدى تسارع القيد الجديد، وتحسن أحجام التداول، وتراجع شكاوى المستثمرين من التعقيدات الضريبية. وإذا اقترنت التسهيلات بسرعة تنفيذ واضحة واستقرار تنظيمي، فقد تتحول إلى نقطة دعم فعلية لسوق المال المصري في توقيت تحتاج فيه الشركات إلى تمويل أوسع وأكثر كفاءة.
- خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية من 14% إلى 5%.
- مد تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية إلى 4 سنوات.
- حافز لتشجيع القيد بالبورصة لمدة 3 سنوات.
- التحول إلى ضريبة الدمغة بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية المقيدة.
- تقليص مدد رد الرصيد الدائن لدعم السيولة النقدية للشركات.
في المحصلة، تعكس المراجعة الحكومية الأخيرة للحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية رهانًا واضحًا على أن الإصلاح الضريبي يمكن أن يصبح أداة مباشرة لتنشيط بورصة مصر، وليس مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات. وبين تخفيف أعباء القيمة المضافة، وتحفيز القيد، وتبسيط المعاملة الضريبية للتداول، يبدو أن الحكومة تضع سوق المال في قلب أجندة جذب الاستثمار خلال الفترة المقبلة.