مرسيدس-بنز تستهدف خفض 800 مليون يورو من تكاليف العمل
مرسيدس-بنز تشدد برنامج الكفاءة في ألمانيا
تتجه مرسيدس-بنز إلى استهداف خفض يبلغ نحو 800 مليون يورو من تكاليف العمل في ألمانيا، بحسب ما أوردته تقارير صحفية ألمانية في 24 سبتمبر 2026، في تطور يسلط الضوء على الضغوط التي تواجهها شركات السيارات الأوروبية في بيئة تتسم بارتفاع التكاليف وتباطؤ بعض الأسواق الرئيسية. وتأتي هذه الخطوة بينما تواصل المجموعة تنفيذ برنامجها الأشمل لتحسين الكفاءة التشغيلية والربحية، مع تركيز واضح على مواقعها الألمانية التي تُعد قلب عملياتها الصناعية والإدارية.
التحرك الجديد لا يبدو معزولاً عن المسار الذي أعلنته الشركة خلال العامين الماضيين. فمرسيدس كانت قد أكدت رسمياً في تقاريرها وموادها المقدمة للمستثمرين أنها دخلت في مناقشات مع مجلس العمال العام في ألمانيا من أجل خفض تكاليف الأفراد وتحسين القدرة التنافسية، وفي المقابل جرى تمديد ضمانات الوظائف في ألمانيا حتى نهاية عام 2034. وهذا يعني أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط بخفض مباشر للنفقات، بل أيضاً بإعادة صياغة توازن حساس بين حماية العمالة والحفاظ على تنافسية التصنيع الألماني.
لماذا الآن؟
السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين والمتابعين في مصر والمنطقة هو: لماذا تتسارع هذه الخطوات الآن؟ الإجابة ترتبط بأكثر من عامل. أولاً، قطاع السيارات العالمي يمر بمرحلة انتقالية مكلفة تشمل التوسع في السيارات الكهربائية، وتحديث خطوط الإنتاج، والاستثمار في البرمجيات والذكاء الاصطناعي. ثانياً، المنافسة في الصين، وهي سوق محورية لمرسيدس، اشتدت بصورة كبيرة، ما أثر على الربحية وهوامش التشغيل. وثالثاً، الشركات الألمانية باتت أكثر حساسية لفوارق التكلفة بين الإنتاج المحلي والإنتاج في دول أقل تكلفة داخل أوروبا وخارجها.
في نتائج الربع الثاني من 2026، أوضحت مرسيدس-بنز أن أعمال سيارات الركوب سجلت ربحاً تشغيلياً معدلاً بقيمة 909 ملايين يورو، مع هامش عائد على المبيعات 4.0% مقارنة مع 5.1% قبل عام. كما باعت الشركة 417,765 سيارة في الربع نفسه، بينما هبطت المبيعات في الصين بنحو 30% على أساس سنوي، في حين ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل 51% إلى 52,852 وحدة. هذه الأرقام تُظهر أن الطلب على الطرازات الجديدة ما زال قائماً، لكن الربحية تتعرض لضغط واضح.
برنامج أوسع من مجرد تقليص الرواتب
الرئيس التنفيذي للمجموعة أولا كيلينيوس تحدث في أكثر من مناسبة عن ضرورة تحسين موقع التكلفة والإنتاجية، فيما قاد المدير المالي هارالد فيلهلم رسائل أوضح للمستثمرين بشأن العودة إلى هوامش ربح من خانتين على المدى القريب. وبحسب ما عرضته الشركة في يوم أسواق المال، فإن الخطة تشمل خفض تكاليف الإنتاج بنسبة 10% حتى 2027، وخفضاً إضافياً يتجاوز 10% في التكاليف الثابتة خلال ثلاث سنوات، بعد أن كانت قد خفضت تلك التكاليف بالفعل بنسبة 19% بين 2019 و2024، ثم أشارت لاحقاً إلى أن الانخفاض التراكمي منذ 2019 اقترب من 25%.
لذلك، فإن هدف توفير 800 مليون يورو في ألمانيا ينبغي قراءته داخل إطار أوسع يضم:
- تقليص المناصب الإدارية وزيادة الاعتماد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
- إعادة تنظيم الأنشطة غير الأساسية وبيع بعض أنشطة التجزئة المملوكة للشركة في ألمانيا إلى مجموعات وكلاء.
- رفع الكفاءة الصناعية عبر تحسين استغلال المصانع وتوزيع الطرازات بين المواقع.
- الاستفادة من دول أقل تكلفة داخل أوروبا، وخاصة المجر.
المجر والصين والولايات المتحدة... خريطة تكلفة جديدة
من أهم الإشارات التي كشفتها مرسيدس للمستثمرين أن توسيع الطاقة الإنتاجية في مصنع كيشكمِت بالمجر يمثل جزءاً من استراتيجية “أفضل تكلفة” داخل أوروبا. الشركة قالت صراحة إن تكاليف عناصر الإنتاج هناك أقل بنحو 70% مقارنة بألمانيا. وفي يوليو 2026 أعلنت استثمارات تقارب مليار يورو في الموقع، بما ضاعف مساحة المصنع وزاد مرونته لإنتاج سيارات بمحركات احتراق وهجينة وكهربائية بالكامل.
في الوقت نفسه، تسير مرسيدس وفق نهج “الإنتاج المحلي للأسواق المحلية”، مستهدفة رفع نسبة هذا النمط من 60% إلى 70% بحلول 2027. عملياً، هذا يعني توزيعاً أوسع للإنتاج على أسواق مثل الولايات المتحدة والصين، بما يقلل الاعتماد على الشحن الطويل ويحد من بعض المخاطر التجارية والجمركية، لكنه يفرض ضغطاً مستمراً على القاعدة الصناعية الأعلى تكلفة في ألمانيا.
ماذا عن العمالة الألمانية؟
حتى الآن، لا توجد إشارة رسمية من مرسيدس إلى إغلاق مصانع ألمانية، بل إن الشركة قالت بوضوح في عرضها للمستثمرين إنه لا توجد خطط لإغلاق مصانع في ألمانيا. لكن هذا لا ينفي أن المفاوضات مع مجالس العمال قد تصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت الفجوة بين تكلفة التصنيع في ألمانيا والدول الأخرى.
كما أن البيانات الرسمية تظهر أن الشركة دفعت نحو 1.1 مليار يورو كتدفقات خارجة مرتبطة بمدفوعات إنهاء خدمة ضمن برنامج Next Level Performance خلال النصف الأول من 2026. هذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن خفض التكلفة لا يجري فقط عبر تحسين العمليات، بل أيضاً عبر إجراءات لها أثر مباشر على هيكل العمالة.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه التطورات بعيدة جغرافياً لكنها مهمة اقتصادياً. مرسيدس-بنز واحدة من أكثر العلامات تأثيراً في سوق السيارات الفاخرة عالمياً، وأي تحول في تكاليفها أو استراتيجيتها الإنتاجية ينعكس على سلاسل الإمداد، وتسعير الطرازات، واستثمارات المكونات، وحتى اتجاهات الصناعة الأوروبية التي ترتبط بها أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بصورة غير مباشرة.
كيف يقرأ المستثمرون هذا التحرك؟
من زاوية أسواق المال، الرسالة مزدوجة. فمن ناحية، يسعد المستثمرون عادة بأي برنامج جاد لتحسين الهوامش ورفع الكفاءة، خاصة عندما تكون الشركة تحت ضغط في الصين وتواجه دورة استثمارية ضخمة في الطرازات الجديدة والكهرباء. ومن ناحية أخرى، فإن الوصول إلى وفر بحجم 800 مليون يورو من تكاليف العمل في ألمانيا قد يختبر علاقة الإدارة بالنقابات، ويضيف قدراً من الضبابية الاجتماعية والسياسية حول التنفيذ.
لكن المؤكد أن إدارة مرسيدس لا تريد الانتظار. ففي الربع الثاني من 2026 سجلت المجموعة إيرادات 32.1 مليار يورو وربحاً تشغيلياً للمجموعة 1.5 مليار يورو، مع صافي سيولة صناعية قوي بلغ 30.4 مليار يورو بنهاية يونيو. هذه الأرقام تمنح الشركة مساحة للتحرك، لكنها أيضاً تفسر سبب التركيز على الانضباط المالي الآن: الحفاظ على الملاءة لا يكفي وحده إذا كانت الهوامش في أعمال السيارات الأساسية تتعرض للتآكل.
الخلاصة
خطة مرسيدس-بنز لخفض تكاليف العمل في ألمانيا بنحو 800 مليون يورو تمثل أحدث فصل في إعادة هيكلة أعمق داخل الشركة، هدفها حماية الربحية في مواجهة المنافسة الصينية، وارتفاع التكلفة الأوروبية، والاستثمارات الكبيرة في الجيل الجديد من السيارات. وحتى إن لم تتحول هذه الخطوة إلى خفض واسع للوظائف على الفور، فإنها تؤكد أن شركات السيارات الألمانية دخلت بالفعل مرحلة أكثر صرامة في إدارة النفقات، حيث لم يعد اسم العلامة وحده كافياً لضمان هوامش مرتفعة كما كان في السابق.