الإقتصادي

مصر تترقب تفعيل الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية فور النشر

الحكومة تستعد لتطبيق الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية

تتجه مصر إلى بدء تنفيذ قوانين الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية فور صدورها رسميًا، بحسب ما أكده وزير المالية أحمد كجوك في 2 يوليو 2026، بعد إقرار البرلمان للتعديلات المرتبطة بالحزمة. وتراهن الحكومة على هذه الخطوة في دعم الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال، وتقليل الأعباء الإجرائية والمالية، بما يعزز جاذبية السوق المصرية للاستثمار ويمنح الشركات مساحة أكبر للسيولة والتوسع.

ويأتي هذا التحرك ضمن مسار أوسع تتبناه وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية منذ العام الماضي، يقوم على التبسيط والميكنة وتشجيع الامتثال الطوعي، بدلًا من زيادة الأعباء على الممولين. كما ربطت الحكومة بين التسهيلات الضريبية وتحسين بيئة الأعمال، خاصة مع سعيها إلى دفع الاستثمار الخاص وزيادة النشاط الإنتاجي والتصديري.

ماذا تتضمن الحزمة الثانية؟

البيانات الرسمية والتغطيات المحلية المتطابقة أظهرت أن الحزمة الجديدة تشمل باقة من التعديلات التشريعية والتنفيذية، من أبرزها:

  • اعتبار المساهمة التكافلية من التكاليف واجبة الخصم من الوعاء الضريبي، وهو ما يخفف العبء على الشركات والممولين.
  • تسريع رد الرصيد الدائن لضريبة القيمة المضافة، إذ تقرر رد الرصيد للمشروعات المنضمة للنظام الضريبي المبسط إذا مر عليه أكثر من 3 أشهر بدلًا من 6 أشهر، وتقليص المدة للمشروعات الأخرى إلى 4 أشهر بدلًا من 6.
  • إعفاء السلع العابرة والخدمات المرتبطة بها من ضريبة القيمة المضافة، في خطوة تستهدف تنشيط تجارة الترانزيت وتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية.
  • إعفاء الشركات التي تقدم خدمات مالية غير مصرفية من ضريبة القيمة المضافة، بغض النظر عن الجهة الرقابية المختصة.
  • عدم خضوع الخدمات المالية المقدمة من الهيئة القومية للبريد لضريبة القيمة المضافة.
  • مد فترة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات المستخدمة في الإنتاج الصناعي والأجهزة الطبية إلى 4 سنوات بدلًا من سنتين.
  • خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية إلى 5% بدلًا من 14%، مع إعفاء بعض المدخلات المرتبطة بأجهزة الغسيل الكلوي والمرشحات ومكونات الأجهزة التعويضية من الضريبة.

تيسيرات إضافية للعقار والبورصة والمنازعات

الحزمة لا تتوقف عند ملف القيمة المضافة فقط، بل تمتد إلى ملفات طالما أثارت مطالبات من المستثمرين والأفراد. فبحسب ما أعلنته وزارة المالية ورئيسة مصلحة الضرائب رشا عبد العال، تم تثبيت ضريبة التصرفات العقارية لغير التجار عند 2.5% من قيمة البيع مهما تكرر التصرف، مع مد مهلة السداد إلى 60 يومًا بدلًا من 30 يومًا، وإعفاء التصرفات بين الأقارب من الدرجة الأولى.

كما تقرر تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية لمدة 6 أشهر، على أن يستمر تلقي الطلبات حتى 31 ديسمبر 2026. ويمثل هذا البند أهمية كبيرة للشركات التي تفضل تسوية النزاعات بشكل ودي وسريع بدلًا من المسارات القضائية الطويلة.

وفي سوق المال، تتضمن الحزمة إجراءات تستهدف تنشيط القيد والتداول في البورصة المصرية، من بينها العودة إلى ضريبة الدمغة بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية، مع خفض ضريبة الدمغة لغير المقيمين، وإضافة حافز استثماري على الأوراق المالية غير المقيدة عند الاحتفاظ بها لمدة 3 سنوات قبل التصرف فيها.

لماذا تراهن الحكومة على هذه الحزمة؟

تسعى وزارة المالية من خلال الحزمة الثانية إلى تحقيق توازن بين زيادة كفاءة التحصيل وتخفيف تكلفة الامتثال الضريبي. وتقول الحكومة إن توسيع القاعدة الضريبية بشكل طوعي أصبح أكثر جدوى من فرض أعباء جديدة، خاصة في ظل الحاجة إلى تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودعم المستثمرين القائمين.

وتستند هذه الرؤية إلى نتائج أعلنتها الوزارة سابقًا؛ إذ قال أحمد كجوك إن 120 ألف ممول انضموا طوعًا إلى النظام الضريبي المبسط، فيما قدم الممولون 660 ألف إقرار جديد ومعدل، أفصحوا فيها عن حجم أعمال يقترب من تريليون جنيه، مع سداد ضرائب إضافية بنحو 80 مليار جنيه. هذه الأرقام تعكس، من وجهة نظر الحكومة، أن التيسير قد يكون أكثر فاعلية من التشدد في جذب الاقتصاد غير الرسمي ورفع معدلات الالتزام.

دور مصلحة الضرائب وخطة التنفيذ

مصلحة الضرائب المصرية بدأت بالفعل التحضير العملي للحزمة الجديدة عبر حملات تعريفية ولقاءات مع مجتمع الأعمال. وفي مطلع يوليو 2026، قالت رشا عبد العال إن الحزمة تتضمن تعديلات تشريعية في 7 قوانين ضريبية، إلى جانب إجراءات تنفيذية وإدارية وفنية تحت شعار إزالة التحديات ومزيد من التسهيلات.

ومن بين الآليات المنتظرة أيضًا، إطلاق قائمة بيضاء للممولين الأكثر التزامًا، يتم اختيارهم آليًا وفق معايير محددة، مع منحهم مزايا خدمية مثل أولوية الحصول على بعض الخدمات ورد أسرع للضريبة. ويعكس ذلك توجهًا متزايدًا لربط المزايا بدرجة الالتزام، وليس فقط بحجم النشاط.

كذلك تعمل المصلحة على مزيد من التحول الرقمي في الخدمات، وهو اتجاه يتكامل مع تصريحات وزير المالية الأخيرة بشأن توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتبسيط الإجراءات وحماية بيانات الممولين والمستثمرين.

انعكاسات متوقعة على الاستثمار والسيولة

من الناحية الاقتصادية، تكتسب الحزمة الثانية أهميتها من كونها تستهدف ثلاث نقاط حساسة لأي مستثمر: الوقت، والسيولة، واليقين التشريعي. تقليص فترات رد ضريبة القيمة المضافة يعني تحرير جزء من السيولة المحتجزة داخل الشركات، بينما يتيح تجديد قانون إنهاء المنازعات مسارًا أقل كلفة لحسم الملفات القديمة. أما الحوافز الموجهة للبورصة والتصرفات العقارية، فتعطي إشارات إلى رغبة الحكومة في تنشيط أدوات التمويل والاستثمار المحلي.

وفي سياق أوسع، تتكامل هذه الخطوات مع توجهات الموازنة الجديدة 2026/2027، التي أعلنت فيها وزارة المالية تخصيص 90 مليار جنيه لبرامج دعم النشاط الاقتصادي، مع استهداف نمو اقتصادي بنسبة 5.4% وفق تصريحات الوزير في أبريل 2026. لذلك، تبدو الحزمة الثانية جزءًا من سياسة أشمل تسعى إلى تخفيف التكاليف على القطاع الخاص مع الحفاظ على الانضباط المالي.

ماذا ينتظر السوق الآن؟

المرحلة الحاسمة بالنسبة لمجتمع الأعمال هي لحظة صدور القوانين ونشرها رسميًا، لأن التنفيذ سيبدأ فور ذلك وفق تأكيدات وزارة المالية. وبعدها سيكون الاختبار الحقيقي في سرعة تطبيق البنود على الأرض، وخصوصًا ما يتعلق برد الضريبة، وتفعيل الإعفاءات، وتسوية المنازعات، وتبسيط الخدمات للممولين.

وبالنسبة للسوق المصرية، فإن نجاح الحزمة الثانية لن يُقاس فقط بعدد التعديلات القانونية، بل بمدى قدرتها على خفض تكلفة التعامل مع المنظومة الضريبية، ودفع مزيد من الشركات إلى العمل الرسمي، وتحويل الشراكة بين الدولة ومجتمع الأعمال من شعار سياسي إلى أثر ملموس في المصانع والمكاتب وأسواق المال.