مصر تجهز 16 مشروع شراكة بـ3.08 مليار دولار في المياه والكهرباء
مصر توسع برنامج الشراكة مع القطاع الخاص في البنية الأساسية
تستعد الحكومة المصرية لطرح حزمة جديدة من مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة إجمالية تبلغ نحو 3.08 مليار دولار، تشمل 16 مشروعًا في قطاعات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف، والبنية الكهربائية في عدد من المدن والمناطق الصناعية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه الدولة الدفع نحو جذب استثمارات خاصة إلى مشروعات المرافق والخدمات، مع الحفاظ على ملكية الأصول العامة وتوزيع المخاطر التمويلية والتشغيلية بصورة أكثر كفاءة.
وتؤكد البيانات المتاحة من وزارة المالية ووحدة المشاركة مع القطاع الخاص أن هذا التوجه ليس منفصلًا عن مسار أوسع تتبناه الحكومة منذ سنوات لتسريع تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي مرتفع وخبرة تشغيلية متخصصة، مثل المياه والطاقة والخدمات المرتبطة بالمدن الجديدة.
أين تتركز الاستثمارات الجديدة؟
بحسب التفاصيل المنشورة عن الحزمة الجديدة، يستحوذ قطاع تحلية المياه على النصيب الأكبر من الاستثمارات. وتشمل القائمة مشروع محطة تحلية مياه بحر في محافظة السويس بقيمة تقارب مليار دولار، ومشروعًا آخر في محافظة بورسعيد بنحو 800 مليون دولار. وتبلغ الطاقة الإنتاجية المجمعة للمشروعين نحو مليون متر مكعب يوميًا، على أن يتم التنفيذ على مرحلتين.
كما تضم الحزمة مشروعات أخرى في المياه، من بينها محطة العلمين للتحلية باستثمارات تقارب 170 مليون دولار، ومشروع تحلية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالعين السخنة تقدر قيمته بنحو 710 ملايين دولار. وكانت الحكومة قد أشارت في اجتماعات رسمية خلال أبريل 2026 إلى أن هناك 14 مشروعًا مستقبليًا بنظام الشراكة في مجال التحلية بإجمالي طاقة يصل إلى 2.36 مليون متر مكعب يوميًا، ما يعكس اتساع البرنامج على المدى المتوسط.
مشروعات الصرف والمعالجة ضمن الأولويات
لا تقتصر الخطة على التحلية فقط، بل تشمل أيضًا مشروعات في معالجة مياه الصرف والحمأة. ووفق التفاصيل المتداولة، تضم القائمة مشروع معالجة الحمأة في أبو رواش بقيمة تقارب 150 مليون دولار، إلى جانب مشروع لإعادة استخدام مياه الغسيل العكسي في محطة مياه مسطرد بقيمة 23.5 مليون دولار. كما تشمل أربعة مشروعات لمعالجة الصرف الصناعي في العامرية بالإسكندرية، وأبو رواش، وبورسعيد، ووادي النطرون.
هذا المسار يتسق مع الرسائل الرسمية الصادرة عن الدولة خلال 2026، والتي شددت على التوسع في إعادة استخدام المياه ومعالجة الصرف، إلى جانب توطين تصنيع المكونات الكهروميكانيكية المستخدمة في محطات المياه والصرف الصحي داخل مصر، بما يقلل فاتورة الواردات ويدعم سلاسل الإمداد المحلية.
الكهرباء والمدن الجديدة حاضرة بقوة
في قطاع الكهرباء، تتضمن الخطة مشروعات لمحطات ومحولات وشبكات توزيع في عدد من المدن الجديدة والمناطق الصناعية. ومن بين ما تم الكشف عنه: مشروع محطة وشبكات للمطورين بقيمة 10 ملايين دولار، ومحطة لخدمة المنطقة الصناعية الثامنة بمدينة السادات بقيمة 21 مليون دولار، ومحطة في منطقة آيات بمدينة 6 أكتوبر بقيمة 4 ملايين دولار، إلى جانب شبكات توزيع كهرباء في المنصورة الجديدة وأسوان الجديدة بقيمتي 12 مليون دولار ومليوني دولار على الترتيب.
ويأتي ذلك في ظل مستهدفات حكومية لزيادة كفاءة البنية الكهربائية وخفض الفاقد، مع استمرار توجيه استثمارات عامة ضخمة للقطاع. وكانت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي قد أوضحت في عرض خطة 2025/2026 أن القطاع يستهدف خفض نسبة الفاقد في الطاقة الكهربائية إلى نحو 13%، مع زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى نحو 16%.
لماذا تعود الدولة بقوة إلى نموذج PPP؟
يعكس التوسع الحالي قناعة حكومية بأن نموذج PPP يمكنه تخفيف الضغط على الموازنة العامة، خصوصًا في المشروعات كثيفة التمويل وطويلة الأجل. وزير المالية أحمد كجوك أكد في تصريحات رسمية خلال 12 أبريل 2026 أن الحكومة تعمل على طرح أكثر من 20 مشروعًا جديدًا بنظام الشراكة مع القطاع الخاص، في إطار توفير فرص اقتصادية أكثر جاذبية وزيادة تدفقات الاستثمار.
ومن جانبه، قال عاطر حنورة، رئيس وحدة المشاركة مع القطاع الخاص بوزارة المالية، إن الدولة تستهدف توسيع مساهمة القطاع الخاص في البنية الأساسية والخدمات العامة من خلال مشروعات مدروسة وآليات طرح أكثر شفافية. وفي يوليو 2026، أشار إلى أن الوحدة كانت تستهدف طرح 19 مشروعًا باستثمارات تقارب 6 مليارات دولار خلال فترة تتراوح بين 8 و9 أشهر، مع استحواذ قطاع المياه على النصيب الأكبر من هذه الطروحات.
المياه في صدارة الأولويات الاستثمارية
الاهتمام المتزايد بمشروعات التحلية ومعالجة الصرف يرتبط باعتبارات استراتيجية تتجاوز مجرد التوسع العمراني. فالحكومة المصرية تضع أمن المياه في قلب خططها التنموية، سواء لخدمة المجتمعات العمرانية الجديدة أو دعم النشاط الصناعي أو تقليل الضغط على الموارد المائية التقليدية. ولهذا عقد الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعات متتابعة في 2026 لمتابعة التوسع في مشروعات التحلية، بحضور وزراء المالية والإسكان والكهرباء ومسؤولي الجهات المعنية.
كما ناقش رئيس الوزراء في 8 يونيو 2026 مع مسؤولي شركة أكوا باور تنفيذ مشروعات تحلية مياه البحر في مصر، في إشارة إلى انفتاح الحكومة على التعاون مع شركات إقليمية ودولية ذات خبرة كبيرة في هذا المجال.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين والاقتصاد المصري؟
من منظور استثماري، تقدم هذه الحزمة رسالة واضحة بأن مصر لا تزال ترى في المرافق العامة والبنية الأساسية ساحة رئيسية لجذب رؤوس الأموال الخاصة، خصوصًا في القطاعات ذات الطلب المستقبلي المؤكد مثل المياه والكهرباء. كما أن توزع المشروعات بين السويس وبورسعيد والعلمين والعامرية والسادات والمدن الجديدة يعكس ارتباط البرنامج بخطط التنمية الإقليمية والتوسع الصناعي والعمراني.
وعلى المستوى المحلي، قد تسهم هذه المشروعات في دعم نشاط الشركات العاملة في المقاولات والهندسة والمهمات الكهروميكانيكية، خاصة مع توجه الدولة إلى توطين الصناعة المرتبطة بمحطات التحلية والمعالجة. كما أن الاعتماد على نماذج تعاقدية طويلة الأجل يفتح الباب أمام نقل خبرات تشغيلية وفنية إلى السوق المصرية، وهو ما قد ينعكس على جودة الخدمات واستدامة التشغيل.
خلاصة المشهد
الحزمة الجديدة البالغة 3.08 مليار دولار لا تبدو مجرد قائمة مشروعات منفصلة، بل جزء من مسار حكومي أوسع لإعادة تشكيل تمويل البنية الأساسية في مصر عبر الشراكة مع القطاع الخاص. التركيز الواضح على تحلية المياه ومعالجة الصرف وشبكات الكهرباء يشير إلى أولويات الدولة في السنوات المقبلة: تأمين الموارد، خدمة التوسع العمراني والصناعي، ورفع كفاءة المرافق دون تحميل الموازنة العامة كامل العبء التمويلي. وإذا سارت الطروحات وفق الجداول المعلنة، فقد تشهد السوق المصرية جولة جديدة من المنافسة على أحد أهم ملفات الاستثمار في البنية الأساسية خلال الفترة المقبلة.