الإقتصادي

مصر تستعد لإطلاق منصة استثمار رقمية موحدة خلال 24 شهرًا

مصر تمضي نحو منصة رقمية موحدة لإدارة رحلة المستثمر

تتجه الحكومة المصرية إلى تدشين منصة رقمية موحدة للاستثمار خلال فترة تمتد إلى 24 شهرًا، في خطوة تستهدف إعادة صياغة تجربة المستثمر من التأسيس وحتى التشغيل والتوسع، عبر نافذة حكومية واحدة تقلل الاعتماد على المستندات الورقية وتحد من تكرار البيانات بين الجهات المختلفة. ويأتي هذا المسار ضمن خطة أوسع لتطوير مناخ الاستثمار في مصر، تقودها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة برئاسة حسام هيبة، مع شراكة تقنية وتنظيمية من جهات حكومية أخرى.

أهمية المشروع لا تتوقف عند كونه تطويرًا تقنيًا، بل تتصل مباشرة بتقليل زمن الإجراءات وتكلفتها على الشركات، خصوصًا في القطاعات التي تحتاج إلى تراخيص وموافقات متعددة. كما يعكس توجهًا رسميًا لنقل دورة حياة الاستثمار إلى نموذج رقمي متكامل بدلًا من التعامل مع نوافذ متفرقة في جهات مختلفة.

ما الذي نعرفه عن المنصة الجديدة؟

المؤشرات الرسمية المتاحة تُظهر أن الحكومة تعمل على ما يُعرف باسم منصة الكيانات الاقتصادية، وهي منظومة وطنية موحدة تستهدف جمع خدمات تأسيس الشركات، والتراخيص، والتشغيل، والتوسع، وحتى الخروج من السوق، داخل واجهة رقمية واحدة. ووفق ما أعلنته وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية في اجتماع تنسيقي نُشر في 5 مارس 2026، فإن المنصة تستهدف الانتقال من نموذج “الحكومة متعددة النوافذ” إلى منصة واحدة تخفض الوقت والتكلفة المرتبطين ببدء ومزاولة الأنشطة الاقتصادية.

كما أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في مراجعتها لبيئة الأعمال في مصر خلال 2026 أن المنصة المنتظرة يُفترض أن تكتمل بنهاية عام 2026، وأن هدفها هو جمع بيانات وإجراءات تأسيس الأعمال والترخيص والتشغيل والتوسع والخروج في نظام واحد يعتمد مبدأ “الإدخال مرة واحدة”، أي عدم مطالبة المستثمر بإعادة تقديم البيانات نفسها لجهات متعددة.

صلة المنصة الجديدة بما تم إطلاقه بالفعل

الحديث عن منصة استثمار رقمية موحدة لا يبدأ من الصفر. فخلال الفترة الماضية، أطلقت مصر بالفعل منصة تراخيص الاستثمار الرقمية، التي عرّفتها الهيئة العامة للاستثمار والمصادر الرسمية باعتبارها أول نافذة إلكترونية موحدة للحصول على التراخيص والموافقات والتصاريح اللازمة لمزاولة الأنشطة الاقتصادية. ووفق بيانات منشورة في فبراير 2026، تقدم هذه المنصة نحو 460 خدمة بالتعاون مع 41 جهة حكومية مُصدرة للتراخيص.

وفي مرحلة سابقة، ذكرت الهيئة العامة للاستثمار أن منصة التراخيص الموحدة بدأت تجريبيًا تحت اسم Track License، مع إتاحة الدفع الإلكتروني لجزء كبير من الخدمات، على أن يتم استكمال باقي الخدمات تدريجيًا. كما أشارت تقارير دولية حديثة إلى أن المنصة الموحدة للتراخيص توسعت لتتكامل مع أكثر من 43 جهة، مع مئات الخدمات الرقمية الخاصة بالتقديم والسداد والتوقيع الإلكتروني ومتابعة الطلبات.

هذا يعني أن المشروع الجديد لا يلغي ما تم إنجازه، بل يبني عليه. فبدلًا من الاكتفاء برقمنة مرحلة التراخيص، تتجه الدولة إلى منظومة أشمل تضم مختلف محطات رحلة المستثمر في مصر.

لماذا يهم ذلك المستثمرين في مصر؟

المستثمر المحلي أو الأجنبي كان يواجه في كثير من الحالات تعددًا في الجهات المطلوبة لاستخراج الموافقات، خاصة مع الأنشطة التي تتداخل فيها اختصاصات هيئات تنظيمية وفنية مختلفة. وتوضح مراجعة OECD أن بعض المشروعات كانت تحتاج إلى ما بين 5 و13 ترخيصًا أو تصريحًا قبل بدء التشغيل، وهو ما يفسر تركيز الحكومة على توحيد الإجراءات وتسريعها.

بالنسبة للسوق المصرية، فإن نجاح منصة الاستثمار الرقمية الموحدة قد يحقق عدة مكاسب عملية:

  • تقليص زمن بدء النشاط عبر توحيد النماذج والإجراءات.
  • خفض التكلفة الإدارية على الشركات ورواد الأعمال.
  • رفع الشفافية من خلال التتبع الإلكتروني للطلبات والمواعيد.
  • تقليل الاحتكاك الورقي والاعتماد على المستندات التقليدية.
  • تحسين جودة البيانات بين الجهات الحكومية بما يدعم صنع القرار.

هذه النقاط تصبح أكثر أهمية مع سعي مصر إلى جذب استثمارات جديدة في الصناعة والخدمات واللوجستيات والطاقة، ومع التنافس الإقليمي على تقديم بيئة أعمال أسرع وأكثر وضوحًا.

التحول الرقمي لم يعد مقتصرًا على التأسيس فقط

الهيئة العامة للاستثمار كانت قد أعلنت أيضًا عن توسعها في الخدمات الرقمية المرتبطة بالأداء الاقتصادي والخدمات الفنية المتخصصة، بما يشمل تقديم طلبات ومتابعتها إلكترونيًا عبر منصات موحدة. كما ذكرت الهيئة في أغسطس 2025 أن التأسيس الإلكتروني أصبح يمثل 85% من إجمالي الشركات التي يتم تأسيسها من خلالها، ما يعكس تغيرًا ملموسًا في سلوك المتعاملين مع الخدمات الاستثمارية.

ومن الناحية العملية، فإن هذا التطور يشير إلى أن السوق المصرية أصبحت أكثر استعدادًا للانتقال إلى مرحلة أوسع من الرقمنة، ليس فقط في تسجيل الشركات، بل أيضًا في إدارة تراخيصها وموافقاتها وخدماتها اللاحقة.

من يقود هذا الملف؟

الملف تتحرك فيه عدة جهات، على رأسها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة برئاسة حسام هيبة، إلى جانب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهات الحكومية المرتبطة بإصدار التراخيص والموافقات. كما تظهر الاجتماعات الرسمية أن العمل لا يقتصر على بناء منصة تقنية، بل يشمل أيضًا إعادة هندسة الإجراءات نفسها، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مجرد نقل التعقيد الورقي إلى شاشة إلكترونية.

وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية؛ لأن أي منصة موحدة لن تحقق أثرًا حقيقيًا إذا لم تترافق مع تبسيط فعلي للخطوات والاشتراطات والجداول الزمنية.

ماذا بعد؟

حتى الآن، تتفق المصادر الرسمية والدولية على أن مصر تتحرك نحو نافذة استثمار رقمية شاملة خلال أفق زمني قصير نسبيًا، مع وجود منصات قائمة بالفعل للتراخيص والتأسيس الإلكتروني تشكل الأساس العملي للمشروع. ورغم أن بعض التقارير تحدثت عن أرقام متباينة لعدد الأنشطة أو الخدمات المشمولة، فإن الثابت هو أن الهدف النهائي يتمثل في تجميع خدمات الاستثمار في واجهة واحدة تقلل التكرار، وتُسرّع إصدار الموافقات، وتُحسن تجربة المستثمر داخل السوق المصرية.

بالنسبة لقسم بنوك واستثمار مصر، فإن هذا التطور يستحق المتابعة؛ لأنه لا يرتبط فقط بسهولة تأسيس الشركات، بل يمس أيضًا قدرة الاقتصاد المصري على جذب استثمارات جديدة، وتحسين ترتيب بيئة الأعمال، وتعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية في التعامل مع القطاع الخاص. وإذا تم تنفيذ المنصة وفق الإطار المعلن، فقد تتحول خلال الفترة المقبلة إلى واحدة من أهم أدوات إصلاح مناخ الاستثمار في مصر.