الإقتصادي

مصر تشدد ضوابط استيراد السكر وتراهن على طفرة الإنتاج المحلي

مصر تعيد ترتيب سوق السكر بين ضبط الاستيراد وتعزيز الإنتاج

تتحرك الحكومة المصرية خلال 2026 في مسارين متوازيين لضبط سوق السكر: أولهما تشديد قواعد الاستيراد، وثانيهما دعم التوسع في الإنتاج المحلي من بنجر السكر وقصب السكر. هذا التوجه لا يقتصر على إدارة سلعة غذائية أساسية فحسب، بل يرتبط مباشرة بملف الأمن الغذائي، وتقليل الضغط على العملة الأجنبية، وتحسين أوضاع المصانع المحلية التي واجهت منافسة قوية من السكر المستورد أو الخام الذي يُعاد تكريره محليًا بتكلفة أقل.

وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية القرار رقم 119 لسنة 2026، الذي ينظم استيراد السكر الخام والمكرر، ويشترط الحصول على موافقة استيرادية مسبقة بالكميات المطلوبة، تعتمد من وزيري التموين والتجارة الداخلية والاستثمار والتجارة الخارجية. وبالتوازي، يستمر العمل بضوابط صارمة على التصدير، بما يجعل إدارة السوق قائمة على مبدأ موازنة العرض والطلب محليًا قبل فتح الباب لتحركات التجارة الخارجية.

ما الذي تغير في قواعد الاستيراد؟

التحول الأبرز ليس “منعًا مطلقًا” بقدر ما هو تشديد رقابي وتنظيمي على الواردات. منشور مصلحة الجمارك المصرية رقم 11 لسنة 2026 عمّم قرار تنظيم استيراد السكر، بما يعكس رغبة الدولة في ربط أي استيراد باحتياجات السوق الفعلية، وليس بقرارات تجارية منفصلة عن أوضاع الإنتاج المحلي.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها لأن مصر تستورد كميات من السكر الخام لإعادة التكرير محليًا، بينما ترى الحكومة أن تدفق واردات منخفضة التكلفة قد يضغط على المصانع الوطنية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي. ووفق تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية في تقريرها السنوي عن السكر بمصر، فإن الحكومة اتجهت إلى تنظيم استيراد الخام والمكرر بعد أن استفاد بعض المستوردين والصناعات من هبوط الأسعار العالمية، وهو ما خلق فجوة سعرية أمام المنتج المحلي.

لماذا تدافع الدولة عن الصناعة المحلية؟

السكر من السلع الاستراتيجية الحساسة في السوق المصرية، ليس فقط بسبب حضوره في الاستهلاك اليومي، ولكن أيضًا بسبب ارتباطه بشبكات التموين والدعم. ووفق التقرير نفسه، يحصل المستفيدون من منظومة الدعم على كيلو سكر بسعر مدعم يبلغ 12.6 جنيه، بينما تراوح سعر التجزئة في السوق خلال أوائل 2026 بين 28 و38 جنيهًا للكيلو بحسب النوع والعلامة التجارية ومنفذ البيع.

هذا الفارق السعري يجعل استقرار الإمدادات مسألة بالغة الأهمية للحكومة، ولذلك يتركز الاهتمام الرسمي على تأمين المخزون، وتفادي إغراق السوق بواردات قد تضرب هوامش ربح المصانع المحلية، ثم تخلق لاحقًا اختناقات إذا تراجع الإنتاج الوطني أو تقلصت الزراعة التعاقدية.

الإنتاج المحلي يتحسن.. والبنجر يقود النمو

على جانب الإنتاج، تشير البيانات المتداولة رسميًا وتقارير القطاع إلى أن بنجر السكر بات المحرك الرئيسي لنمو الصناعة في مصر، متجاوزًا قصب السكر من حيث حجم الزيادة المتوقعة. وزارة التموين أعلنت في ديسمبر 2024 استعدادها الكامل لموسم قصب السكر 2025، مع تشغيل جميع مصانع السكر التابعة، واستهداف شراء 6 ملايين طن من محصول القصب لإنتاج نحو 650 ألف طن سكر.

كما حددت الحكومة أسعار توريد مشجعة للمزارعين؛ إذ أقرت في ذلك الموسم سعر 2500 جنيه لطن القصب و2400 جنيه لطن البنجر، مع حوافز إضافية للمزارعين الأعلى إنتاجية. هذا المسار يعكس قناعة رسمية بأن زيادة المعروض المحلي تبدأ من الحقل قبل المصنع.

لكن النمو الأكبر يبدو قادمًا من البنجر. تقديرات تقرير وزارة الزراعة الأمريكية الصادر في 2026 تضع إجمالي إنتاج السكر في مصر عند نحو 3 ملايين طن في الموسم 2025/2026، موزعة بواقع 2.3 مليون طن من بنجر السكر و0.7 مليون طن من القصب، أي أن البنجر يمثل قرابة 77% من الإجمالي.

شركة القناة للسكر في قلب المشهد

من أبرز الأسماء في هذا التحول شركة القناة للسكر، التي أصبحت عنوانًا رئيسيًا للتوسع الصناعي الزراعي في هذا الملف. الشركة، ومقر مشروعها في غرب المنيا، تصف نفسها بأنها أكبر مصنع خط واحد لتصنيع بنجر السكر في العالم، باستثمارات تصل إلى نحو مليار دولار، وبطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 750 ألف طن سنويًا وفق موقعها الرسمي.

وفي مايو 2026، تفقد وزير الصناعة المهندس خالد هاشم مصنع الشركة في ملوي بمحافظة المنيا، فيما أكدت تغطيات محلية أن المشروع يمثل أحد أكبر قلاع إنتاج السكر في مصر. كما سبق لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي زيارة موقع الشركة لمتابعة الاستعدادات لموسم بنجر السكر 2026، حيث أعلنت الشركة خلال الزيارة أنها تعاملت مع أكثر من 20 ألف مزارع، وأنها وردت وشغّلت نحو 2.6 مليون طن بنجر منذ بداية الموسم حتى تاريخ الزيارة.

وتشير البيانات المعلنة عن المشروع إلى استصلاح 181 ألف فدان في صحراء غرب المنيا، مع اعتماد نظم ري حديثة وزراعة ذكية، وهو ما يضع المشروع في قلب استراتيجية الدولة لزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي بدلًا من الاستيراد.

اجتماعات وزارية ورسائل واضحة للسوق

التحركات التنظيمية لم تأتِ بمعزل عن تنسيق حكومي واسع. ففي 1 أبريل 2026، عقد اجتماع ثلاثي ضم الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، وعلاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، لبحث آليات العمل المشترك وتعزيز استقرار الأسواق.

وقبلها، اجتمع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية مع مسؤولي شركات إنتاج السكر في مصر، ومن بينهم ممثلو الشرقية للسكر والقناة للسكر والنيل للسكر وصافولا، لبحث التوازن بين الإنتاج المحلي واحتياجات الاستهلاك، وآليات الاستيراد والتصدير. الرسالة الأساسية من هذه الاجتماعات أن الحكومة لا تنظر إلى السكر بوصفه مجرد سلعة، بل قطاعًا إنتاجيًا متكاملًا يحتاج إلى سياسة تجارية متوازنة.

هل اقتربت مصر من الاكتفاء الذاتي؟

الحديث عن الاكتفاء الذاتي الكامل ما زال يحتاج إلى حذر، لكن الاتجاه العام واضح: الفجوة الاستيرادية تتراجع. تقارير محلية متخصصة أشارت إلى أن إنتاج مصر من السكر ارتفع خلال 2025 إلى نحو 2.6 مليون طن، مع توقعات بالاقتراب من 2.9 مليون طن خلال 2026، مدفوعًا بالتوسع في زراعة البنجر وزيادة الطاقة التصنيعية.

ورغم ذلك، لا تزال مصر بحاجة إلى واردات لتغطية جزء من الطلب، خاصة مع نمو الاستهلاك. تقرير وزارة الزراعة الأمريكية يتوقع واردات إجمالية بنحو 1.06 مليون طن في الموسم 2026/2027، مع بقاء البرازيل المورد الرئيسي للسكر الخام، والاتحاد الأوروبي مورّدًا مهمًا للسكر المكرر.

  • تنظيم الاستيراد: الاستيراد أصبح مرتبطًا بموافقة مسبقة تحدد الكميات المطلوبة.
  • حماية الصناعة: الحكومة تستهدف تقليل الضغوط على المصانع المحلية من الواردات الأرخص.
  • التوسع الزراعي: بنجر السكر يقود الزيادة في الإنتاج مع استمرار دعم القصب.
  • مشروعات كبرى: شركة القناة للسكر في المنيا تمثل ركيزة رئيسية في زيادة المعروض المحلي.
  • استقرار السوق: الهدف النهائي هو تأمين الإمدادات، دعم المزارع، والحفاظ على توازن الأسعار.

ماذا يعني ذلك للمستهلك والسوق؟

بالنسبة للمستهلك المصري، فإن نجاح هذه السياسة سيُقاس بمدى توافر السكر بصورة مستقرة، وبأسعار أقل تقلبًا، ودون أزمات نقص أو قفزات حادة. أما بالنسبة لسوق المال وقطاع الأعمال، فإن الرسالة الأهم هي أن الدولة تميل إلى تعميق التصنيع المحلي وإحلال الواردات تدريجيًا في السلع الأساسية كلما توفرت قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة.

وبين ضوابط الاستيراد، واستمرار القيود على التصدير، والتوسع في زراعة البنجر وتحديث مصانع القصب، تبدو مصر في مرحلة إعادة تشكيل حقيقية لسوق السكر. وإذا استمرت الاستثمارات الزراعية والصناعية بالمعدلات الحالية، فقد يتحول هذا القطاع من مصدر ضغط على فاتورة الواردات إلى نموذج ناجح للإنتاج المحلي القادر على تلبية السوق بكفاءة أعلى.