الإقتصادي

مصر تعيد رسم خريطة الغاز مع تحول شحنات أمريكية من أوروبا

تحول لافت في سوق الغاز يضع مصر في قلب المشهد

شهدت تجارة الغاز الطبيعي المسال الأمريكية خلال يونيو 2026 تحولًا مهمًا، بعدما هبطت حصة أوروبا من الشحنات إلى أقل من 50% للمرة الأولى منذ ما يقرب من عامين، وفق بيانات أولية لحركة الناقلات نشرتها تقارير دولية استنادًا إلى بيانات LSEG. ويعكس هذا التغير صعود وجهات بديلة أكثر جاذبية، على رأسها الأسواق الآسيوية، إلى جانب زيادة مشتريات مصر في توقيت حساس يتزامن مع ذروة استهلاك الكهرباء خلال الصيف.

وبحسب البيانات المتداولة في الأسواق، بلغت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال نحو 10.6 مليون طن متري في يونيو، بينما استحوذت آسيا على نحو 3.25 مليون طن بما يعادل قرابة 31% من الإجمالي. هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جاء مدفوعًا بفارق الأسعار بين آسيا وأوروبا، وبطلب إضافي من مشترين من بينهم مصر التي أصبحت خلال الأشهر الأخيرة أكثر حضورًا في سوق الشحنات الفورية.

لماذا تراجعت أوروبا هذه المرة؟

السوق الأوروبية بقيت خلال العامين الماضيين الوجهة الأبرز للغاز الأمريكي بعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، لكن مع بداية صيف 2026 بدأت ملامح منافسة جديدة تتشكل. فكلما ارتفعت الأسعار الفورية في آسيا، زادت جاذبية تحويل الشحنات الأمريكية إليها، خصوصًا من خليج المكسيك الأمريكي الذي يمنح الموردين مرونة في تحديد الوجهة النهائية وفق أفضل عائد.

التغير الحالي لا يعني خروج أوروبا من المعادلة، لكنه يكشف أن القارة لم تعد وحدها اللاعب القادر على جذب معظم الإمدادات الأمريكية. وفي الخلفية، يبرز عامل آخر له وزن كبير بالنسبة للقارئ المصري، وهو أن مصر عادت بقوة إلى جانب المشترين النشطين للغاز المسال، مع سعي الحكومة إلى سد الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب الموسمي المرتفع.

مصر تزيد وارداتها لتأمين صيف 2026

في الداخل المصري، تتعامل الحكومة مع ملف الغاز بوصفه أولوية اقتصادية وتشغيلية. وزارة البترول والثروة المعدنية أعلنت في 12 يونيو 2026 جاهزية منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال في العين السخنة، والتي تضم ثلاث سفن تغييز هي هوج جاليون وإنرجوس إسكيمو في ميناء سوميد وإنرجوس باور في ميناء سونكر، إلى جانب سفينة رابعة في دمياط. ووفق الوزارة، تصل الطاقة الإجمالية للتغييز إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على استقبال الشحنات وإعادتها إلى حالتها الغازية ثم ضخها في الشبكة القومية.

أهمية هذه الأرقام أنها توضح سبب تنامي الحضور المصري في سوق الغاز العالمية هذا العام. فالقاهرة لا تتحرك فقط لشراء شحنات إضافية، بل تبني أيضًا بنية تشغيلية تسمح باستيعابها بسرعة خلال أشهر الذروة، خاصة مع ارتفاع الأحمال الكهربائية. وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي شدد خلال جولته الميدانية في العين السخنة على أن الدولة تعمل بخطة استباقية بالتنسيق مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لضمان استقرار الإمدادات.

بنية تحتية أوسع واستراتيجية أكثر مرونة

ما يلفت الانتباه أن مصر لا تعتمد على أداة واحدة في إدارة الملف، بل على مزيج من زيادة الاستيراد، ورفع كفاءة وحدات التغييز، والعمل على تنشيط الإنتاج المحلي. الوزارة كانت قد أكدت أيضًا أن صيف العام الماضي شهد أحمالًا كهربائية تجاوزت 40 ألف ميجاوات، وهو ما يفسر الاستعداد المبكر لصيف 2026 عبر توسيع قدرات استقبال الغاز.

كما تواصل الحكومة مسارًا موازيا يركز على زيادة الإنتاج المحلي من البحر المتوسط. ففي فبراير 2026، أعلنت الوزارة أن حقل غرب مينا التابع لاستثمارات شل مرشح لبدء باكورة إنتاجه بنهاية العام، بإضافة تُقدر بنحو 160 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز، إلى جانب تكثيف برامج حفر آبار جديدة مع شركات دولية مثل بي بي وشركاء آخرين. هذه التحركات لا تلغي الحاجة الحالية للاستيراد، لكنها قد تخفف الضغط تدريجيًا على فاتورة الواردات لاحقًا.

ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد المصري؟

من زاوية بنوك واستثمار مصر، فإن زيادة مشتريات الغاز المسال تضع عدة ملفات على الطاولة. أولًا، هناك كلفة مباشرة على العملة الأجنبية مع ارتفاع الاعتماد على الواردات خلال فترات الذروة. وثانيًا، هناك أثر غير مباشر على الصناعة والكهرباء، لأن تأمين الإمدادات يقلل مخاطر الاضطراب التشغيلي ويمنح الشركات وضوحًا أكبر في التخطيط والإنتاج. وثالثًا، فإن انتظام الإمدادات يظل عاملًا حاسمًا في الحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادي خلال الصيف.

وتشير تقديرات نقلتها منصات أعمال إقليمية اعتمادًا على بيانات S&P Global Platts إلى أن واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال قد تصل إلى نحو 11.14 مليون طن متري في 2026، مقارنة بنحو 9.01 مليون طن في 2025. وإذا تحققت هذه التوقعات، فهذا يعني أن مصر ستظل واحدة من أبرز مصادر الطلب في شرق المتوسط والأسواق الناشئة خلال العام الجاري.

هل تستفيد مصر فقط كمشترٍ؟

الإجابة الأدق هي أن مصر تتحرك حاليًا من موقع المستورد النشط لتأمين السوق المحلية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على عناصر قوتها الاستراتيجية كمركز إقليمي للطاقة. فشبكة الغاز القومية، ومرافق الاستقبال والتغييز، ومحطات الإسالة القائمة، تمنح القاهرة مرونة أكبر من كثير من دول المنطقة في إدارة تدفقات الغاز بين الاستهلاك المحلي والتجارة الإقليمية، وفق تطورات السوق والإنتاج.

هذه المرونة مهمة للمستثمرين أيضًا، لأن سوق الطاقة لم تعد تُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الإنتاج اليومي، بل بقدرة الدولة على الاستجابة السريعة لتقلبات الأسعار العالمية، وتأمين الوقود للقطاعات الإنتاجية، والحفاظ على الجاذبية الاستثمارية لشركات النفط والغاز. وفي هذا السياق، تضع وزارة البترول زيادة الإنتاج وسداد مستحقات الشركاء الأجانب وتحسين بيئة الاستثمار ضمن أولوياتها المعلنة.

الخلاصة

تراجع حصة أوروبا من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية في يونيو ليس مجرد خبر عن تبدل وجهات الشحن، بل مؤشر على إعادة توزيع النفوذ داخل السوق العالمية. ومصر تظهر هنا كعامل مؤثر، لا كمتابع فقط، بعدما رفعت مشترياتها وعززت جاهزيتها اللوجستية لتأمين احتياجات الصيف.

وبالنسبة للسوق المصرية، فإن الرسالة الأهم هي أن ملف أمن الطاقة بات يرتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية وأسعار آسيا وأوروبا، وبقدرة القاهرة على التحرك السريع عبر الاستيراد، والتغييز، وزيادة الإنتاج المحلي في آن واحد. لذلك، فإن أي تغير في خريطة الغاز الأمريكي المسال لم يعد شأناً خارجيًا بحتًا، بل تطورًا له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري، من فاتورة الاستيراد إلى استقرار الكهرباء والصناعة.

  • إجمالي صادرات أمريكا من الغاز المسال في يونيو 2026: نحو 10.6 مليون طن متري.
  • حصة آسيا: حوالي 3.25 مليون طن متري.
  • قدرات التغييز في مصر: نحو 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا.
  • مواقع التغييز الرئيسية: العين السخنة ودمياط.
  • الهدف المصري الحالي: تأمين الطلب الصيفي وتقليص فجوة الاستهلاك المحلي.