الإقتصادي

مصر توسع مشروعات تخزين البترول والغاز بأكثر من 1.1 مليار دولار

مصر ترفع جاهزية التخزين الاستراتيجي للوقود والغاز

تواصل مصر تنفيذ حزمة من مشروعات تخزين الزيت الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي باستثمارات تتجاوز 1.1 مليار دولار، في إطار سياسة تستهدف تقوية أمن الطاقة ورفع مرونة منظومة الإمدادات في مواجهة اضطرابات الأسواق الإقليمية وتقلبات الواردات. وتكتسب هذه المشروعات أهمية أكبر مع الاعتماد على بنية تحتية قادرة على استقبال الخام والمنتجات والغاز المسال، ثم إعادة الضخ أو التوزيع للسوق المحلية وفق احتياجات الاستهلاك والصناعة والكهرباء.

البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة البترول والثروة المعدنية تؤكد أن ملف التخزين لم يعد مجرد عنصر لوجستي، بل أصبح جزءًا من إدارة المخاطر في سوق الطاقة. وتحدث الوزير المهندس كريم بدوي عن هذا التوجه خلال أكثر من مناسبة ميدانية ورسمية، مع التركيز على أن تأمين الإمدادات للسوق المحلية يمثل أولوية مباشرة للدولة، خاصة في فترات الذروة الصيفية وزيادة الطلب على الكهرباء والوقود.

سوميد في القلب من خطة التخزين

تتصدر الشركة العربية لأنابيب البترول “سوميد” المشهد باعتبارها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في منظومة الطاقة المصرية. وخلال زيارة ميدانية إلى تسهيلات سوميد في العين السخنة يوم 10 يوليو 2024، أكد المهندس كريم بدوي أن هذه التسهيلات تمثل ركيزة أساسية لخطط استقرار وتأمين الوقود للسوق المحلية، فيما أوضح المهندس محمد عبدالحافظ، رئيس الشركة، أن سوميد نقلت منذ تأسيسها عام 1974 نحو 3.5 مليار طن من الخام وأكثر من 100 مليون طن من المنتجات البترولية، مع نمو طاقتها السنوية من 40 مليون طن عند البداية إلى 117 مليون طن سنويًا حاليًا.

وتشمل أصول سوميد الرئيسية تسهيلات استقبال الخام في العين السخنة، والشحن في سيدي كرير، إلى جانب صهاريج التخزين وخطي الأنابيب الممتدين بقطر 42 بوصة وبطول 320 كيلومترًا بين البحر الأحمر والبحر المتوسط مرورًا بدهشور. وتمنح هذه الشبكة مصر قدرة أكبر على إدارة تدفقات الخام والمنتجات وتوجيهها بحسب احتياجات السوق أو حركة التجارة الإقليمية.

قدرات إضافية للمنتجات والغاز

الموقع الرسمي لسوميد يوضح أن الشركة وسعت أنشطتها من نقل الخام إلى تداول وتخزين المنتجات البترولية كذلك، إذ خصصت في العين السخنة مرافق لتداول السولار عبر تهيئة خزانين سعة كل منهما 103 آلاف متر مكعب، مع محطة تحميل بري لتلبية متطلبات السوق المحلية. كما طورت الشركة منطقة Ain Sokhna Product Hub لاستقبال وحدات التغييز العائمة، وتداول غاز البترول المسال، وتخزين ونقل منتجات متنوعة مثل الفيول.

وفي خدمة التخزين الاستراتيجي للخام، تؤكد سوميد أن منشآت سيدي كرير باتت من أهم خدماتها اللوجستية، إذ تتيح قدرات تخزينية تساعد المنتجين والمصافي على خفض احتياجاتهم الاستثمارية، وفي الوقت نفسه تغذي المصافي المصرية وتدعم الهيئة المصرية العامة للبترول في تكوين مخزون استراتيجي من الخام.

لماذا تتسارع الاستثمارات الآن؟

تعود أولوية التخزين في جزء منها إلى التحديات التي واجهتها سوق الطاقة خلال 2023 و2024، وما صاحبها من ضغوط على الاستيراد وسداد مستحقات الشركاء وزيادة الطلب المحلي. وفي 8 أبريل 2026، قال وزير البترول إن الحكومة خفضت مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2024 إلى نحو 1.3 مليار دولار، وهو ما دعم عودة الاستثمارات ورفع وتيرة النشاط في المنبع، بالتوازي مع التركيز على تنويع مزيج الطاقة والبنية التحتية اللازمة لضمان الاستمرارية.

هذا التحرك لا ينفصل عن هدف أكبر تعلنه الوزارة، وهو تعزيز موقع مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة. ووفق وزارة البترول، فقد أُبرمت 152 اتفاقية بترولية جديدة مع شركات عالمية خلال الفترة من يوليو 2014 إلى يونيو 2025، باستثمارات حدها الأدنى 23.856 مليار دولار، إلى جانب 25 اتفاقية خلال العام المالي 2024/2025 وحده باستثمارات دنيا 1.225 مليار دولار لحفر 115 بئرًا جديدة. ومع زيادة الإنتاج والاستيراد والتصنيع، تصبح سعات التخزين عنصرًا حاسمًا في استيعاب التدفقات وإعادة توزيعها بكفاءة.

العين السخنة محور رئيسي لأمن الطاقة

أصبحت منطقة العين السخنة واحدة من أهم نقاط الارتكاز في خطة الدولة للطاقة، ليس فقط لتخزين الخام والمنتجات، بل أيضًا لاستقبال الغاز الطبيعي المسال المستورد وإعادة تغييزه. وفي مارس 2026، تفقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي محطة تداول وتخزين المنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال بميناء سوميد، حيث تُضخ الشحنات إلى سفينتي التغييز هوج جاليون وإنرجوس إسكيمو لإعادة تغويز الغاز وضخه في الشبكة القومية.

ثم في 12 يونيو 2026، أعلنت وزارة البترول أن منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال في العين السخنة تضم ثلاث سفن تغييز هي هوج جاليون وإنرجوس إسكيمو في ميناء سوميد وإنرجوس باور في ميناء سونكر، مع سفينة رابعة في دمياط، لتصل طاقة التغييز الإجمالية إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا. هذا التطور يوضح كيف باتت مرافق التخزين والتداول مرتبطة مباشرة بأمن الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي.

توسعات جديدة في السعات التخزينية

الوزارة كشفت أيضًا عن مشروعات توسعية جارية في البنية الأساسية. ففي 5 سبتمبر 2026، أوضح وزير البترول أن توسعات محطة السخنة تشمل إنشاء محطة لتخزين وتدفيع الخام والمنتجات البترولية على مساحة 19 فدانًا، بما يرفع إجمالي السعات التخزينية من 300 ألف متر مكعب إلى 460 ألف متر مكعب. وتمثل هذه الزيادة مؤشرًا مباشرًا على اتجاه الدولة لتعزيز المخزون التشغيلي والاحتياطي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سلسلة الإمداد.

كما تبرز مشروعات سابقة تؤكد هذا الاتجاه، منها مستودع رأس بدران الذي سجل في 2021 رقمًا قياسيًا عالميًا كأضخم مستودع تخزين خام بسقف عائم بسعة 175 ألف متر مكعب، بما يعادل نحو 1.1 مليون برميل. ورغم أن هذه المشروعات نُفذت في توقيتات مختلفة، فإنها تكشف مسارًا متصلاً لتوسيع قدرات التخزين على مستوى الجمهورية.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟

اقتصاديًا، تعني زيادة قدرات تخزين البترول والغاز منح السوق المحلية مساحة أكبر لامتصاص الصدمات، وتقليل مخاطر نقص الإمدادات أو ارتفاع كلفة الشحنات العاجلة، فضلًا عن تحسين كفاءة تشغيل المصافي وشبكات النقل. كما تمنح هذه القدرات مصر ميزة إضافية في تجارة الطاقة الإقليمية، سواء في تداول الخام والمنتجات بين البحر الأحمر والمتوسط أو في إدارة واردات الغاز المسال وإعادة ضخه للشبكة القومية.

ومن زاوية الاستثمار، فإن تطوير التخزين لا ينفصل عن جذب رؤوس الأموال إلى أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتكرير والبتروكيماويات. فالمستثمر الأجنبي ينظر إلى البنية الأساسية باعتبارها جزءًا من جدوى المشروع، وكلما تحسنت قدرات النقل والتخزين والتصدير، ارتفعت جاذبية السوق المصرية.

خلاصة المشهد

الرسالة الأهم من هذه المشروعات أن مصر لا تتعامل مع التخزين باعتباره نشاطًا هامشيًا، بل كأداة سيادية لضمان استقرار السوق ودعم النمو الصناعي وتقليل هشاشة الإمدادات أمام التوترات الخارجية. وبين سوميد والعين السخنة وسيدي كرير وباقي التوسعات، يبدو أن الدولة تدفع بقوة نحو بناء منظومة طاقة أكثر مرونة، قادرة على خدمة السوق المحلية أولًا، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية ثانيًا.

  • إجمالي الاستثمارات المعلنة في المشروعات: أكثر من 1.1 مليار دولار.
  • القدرة السنوية الحالية لسوميد: 117 مليون طن.
  • طول خطي سوميد: 320 كيلومترًا.
  • طاقة التغييز الحالية: نحو 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا.
  • السعات الجديدة بمحطة السخنة: من 300 ألف إلى 460 ألف متر مكعب.