مصر والإمارات تبحثان توسيع الاستثمارات في 5 قطاعات
مصر والإمارات تدفعان نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية
تكثف القاهرة وأبوظبي تحركاتهما لتوسيع قاعدة الاستثمارات الإماراتية في مصر، بعد مباحثات رسمية جرت في دبي على هامش الدورة الخامسة عشرة من قمة AIM للاستثمار يوم 8 سبتمبر 2026، وجمعت الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مع الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية في الإمارات. وتركزت المناقشات على تعزيز الاستثمار المشترك في خمسة مسارات رئيسية تشمل البنية التحتية، والخدمات الرقمية، والتنمية الصناعية، والتصنيع الزراعي والغذائي، والسياحة، مع بحث آليات تحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية بين البلدين إلى مشروعات قابلة للتنفيذ على الأرض.
وتأتي هذه المباحثات في توقيت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص ورفع كفاءة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بالتوازي مع برنامج إصلاح اقتصادي أوسع وتحركات رسمية لتحسين مناخ الأعمال وتسهيل إجراءات المستثمرين. كما شارك في اللقاء محمد عوض، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، إلى جانب السفير عصام عاشور، سفير مصر لدى الإمارات، وهو ما يعكس الطابع التنفيذي المباشر للمحادثات وليس الاكتفاء بالإطار الدبلوماسي العام.
ما هي القطاعات الخمسة محل الاهتمام؟
بحسب البيانات الرسمية المصرية والإماراتية، فإن أجندة التعاون الحالية بين البلدين تتجه نحو القطاعات التي تمنح عائداً أسرع وقدرة أعلى على خلق وظائف وتدفقات نقدية بالعملة الأجنبية. وفي مقدمة هذه القطاعات:
- البنية التحتية: بما يشمل النقل والمرافق والخدمات اللوجستية وتمويل مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- الخدمات الرقمية: خاصة المدفوعات والتكنولوجيا المالية والتحول الرقمي وخدمات الأعمال العابرة للحدود.
- التنمية الصناعية: مع تركيز على الصناعات التحويلية والتكامل مع سلاسل الإمداد الإقليمية.
- التصنيع الزراعي والغذائي: كقطاع يهم السوق المصرية ويعزز الأمن الغذائي والتصدير.
- السياحة: باعتبارها أحد القطاعات القادرة على جذب استثمارات رأسمالية وتشغيلية كبيرة داخل مصر.
اللافت أن الجانب المصري عرض هذه القطاعات باعتبارها متسقة مع أولويات خطة التنمية ورؤية مصر 2030، بينما أبدى الجانب الإماراتي اهتماماً بتوسيع الشراكات في القطاعات الإنتاجية والخدمية ذات الأثر طويل الأجل.
رسائل مصر للمستثمر الإماراتي من دبي
خلال مشاركته في قمة AIM، استعرض الوزير أحمد رستم الوضع الكلي للاقتصاد المصري، مشيراً إلى تسجيل معدل نمو يبلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، مع حديث رسمي عن أدوات جديدة لتقليل مخاطر تمويل مشروعات البنية الأساسية وتشجيع البنوك والمؤسسات على تمويل مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص. كما ناقش رستم مع قيادات بنوك ومؤسسات مالية إقليمية، بينها أبوظبي الإسلامي وFAB وستاندرد تشارترد، فرص ضخ تمويلات جديدة وترويج الفرص الاستثمارية في مصر.
ومن زاوية عملية، فإن هذا الطرح يهم المستثمر الإماراتي لسببين: الأول أن الدولة المصرية تحاول تقليل تكلفة الدخول إلى مشروعات البنية التحتية عبر أدوات ضمان وتمويل أكثر مرونة، والثاني أن الحكومة تريد ربط الاستثمارات الجديدة بقطاعات إنتاجية قادرة على التصدير أو الإحلال محل الواردات، وهو اتجاه أصبح أكثر حضوراً في الخطاب الاقتصادي الرسمي خلال 2026. وهذه قراءة تحليلية تستند إلى تصريحات الوزارة بشأن القطاعات ذات الأولوية وآليات تمويل البنية الأساسية.
لماذا تحظى الإمارات بثقل خاص في ملف الاستثمار داخل مصر؟
العلاقة الاستثمارية بين البلدين ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً أكبر خلال العامين الأخيرين. وتشير بيانات رسمية إماراتية ومصرية إلى أن الإمارات تعد أكبر مستثمر عربي في مصر ومن بين أكبر المستثمرين الأجانب، بينما واصلت الشركات الإماراتية توسيع حضورها في قطاعات العقارات والطاقة والخدمات المالية واللوجستيات والأغذية. كما تؤكد وزارة الاقتصاد الإماراتية أن مشروع تطوير رأس الحكمة مثل محطة رئيسية في تعميق تدفقات الاستثمار المتبادل، فيما تواصل الهيئة العامة للاستثمار في مصر الترويج لفرص جديدة أمام المستثمرين الإماراتيين.
وفي السياق ذاته، شهد 8 سبتمبر 2026 أيضاً اجتماعاً بين محمد عوض، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، ومسؤولي غرف دبي لبحث دعم الشراكات بين مجتمعي الأعمال في البلدين، بما يعزز المسار نفسه الذي ناقشه الوزيران على هامش قمة AIM. وتوضح هذه التحركات المتزامنة أن القاهرة تعمل على فتح أكثر من قناة تواصل مع المؤسسات الإماراتية: حكومية، واستثمارية، ومصرفية، وتجارية.
الأغذية والطاقة والخدمات المالية.. أمثلة على التعاون الجاري
ورغم أن المباحثات الأخيرة ركزت على خمسة قطاعات بعينها، فإن التعاون المصري الإماراتي يمتد بالفعل إلى ملفات أخرى مرتبطة بها. ففي 26 أغسطس 2026، أُعلن عن تفعيل اتفاق توريد قمح لمدة خمس سنوات بين شركة الظاهرة الزراعية للتجارة والهيئة العامة للسلع التموينية في مصر بقيمة 500 مليون دولار، وهو مثال على الربط بين الاستثمار وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي. كما تتواصل مباحثات التعاون في الطاقة المتجددة، حيث ناقشت وزارة الكهرباء المصرية مع شركة مصدر الإماراتية خلال 30 أغسطس 2026 التقدم في مشروعات مشتركة للطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء.
كذلك برز ملف الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية ضمن الأجندة الجديدة، بعدما تحدث وزير التخطيط عن مباحثات تخص توسع شركة «سهل» المصرية في مركز دبي المالي العالمي، بما يعكس اهتماماً رسمياً بتصدير الخدمات الرقمية المصرية إلى الأسواق الإقليمية، وليس الاكتفاء بجذب رؤوس الأموال إلى الداخل فقط.
ماذا يعني ذلك للسوق المصرية؟
بالنسبة للمتابعين في مصر، فإن أهمية هذه التطورات لا تتوقف عند قيمة الاستثمارات المنتظرة فقط، بل تمتد إلى نوعيتها. فالتركيز على الصناعة، والغذاء، والبنية التحتية، والخدمات الرقمية، والسياحة يعني أن الحكومة تراهن على قطاعات قادرة على دعم النمو، وتوفير فرص عمل، وزيادة الصادرات أو الإيرادات الدولارية، وتحسين جودة الخدمات. كما أن وجود مؤسسات تمويل وبنوك إماراتية كبرى في النقاشات يرفع احتمال تسريع الإغلاق المالي للمشروعات، وهي نقطة كانت تمثل تحدياً في عدد من المشروعات الكبرى خلال السنوات الماضية.
ومن منظور أوسع، تعكس هذه المباحثات اتجاهاً مصرياً واضحاً نحو تعميق الشراكات العربية في الاستثمار المباشر، بدلاً من الاعتماد فقط على التدفقات قصيرة الأجل. وإذا تحولت التفاهمات الحالية إلى مشروعات فعلية، فقد تدعم ذلك قدرة الاقتصاد المصري على جذب تمويل طويل الأجل في قطاعات أكثر ارتباطاً بالإنتاج الحقيقي.
خلاصة المشهد
الرسالة الأساسية من اجتماعات دبي هي أن مصر والإمارات تنتقلان من مناقشة التعاون الاقتصادي العام إلى تحديد قطاعات تنفيذية واضحة، مع حضور رسمي من الوزراء والجهات الاستثمارية، واهتمام موازٍ من البنوك والمؤسسات التمويلية. وبالنسبة لقارئ قسم «بنوك واستثمار مصر»، فإن الملف الأهم الآن ليس فقط حجم الأموال التي قد تدخل، بل أي القطاعات ستسبق غيرها إلى التنفيذ، وكيف ستترجم هذه التفاهمات إلى مصانع ومشروعات وخدمات وفرص عمل داخل السوق المصرية خلال الأشهر المقبلة.