الإقتصادي

مصلحة الضرائب المصرية: ماذا تغيّر فعليًا قبل الإقرارات؟

ما الذي تغيّر فعليًا بعد حلقة 15 يوليو؟

عاد ملف مصلحة الضرائب المصرية إلى واجهة اهتمام مجتمع الأعمال بعد الحلقة التي بثتها المصلحة يوم 15 يوليو 2026 ضمن برنامج «مسئول على الهوا»، وخصصتها لشرح التعديلات التشريعية الخاصة بالحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية، بحضور رجب محروس مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية. أهمية الحلقة لم تكن في الترويج العام لفكرة التيسير فقط، بل في توقيتها أيضًا، لأنها جاءت بعد تحركات تشريعية وتنفيذية متلاحقة، وفي مرحلة يحاول فيها الممولون والشركات الصغيرة فهم ما إذا كانت الوعود قد تحولت إلى قواعد قابلة للتطبيق فعلًا.

الإجابة المختصرة: نعم، هناك تغييرات عملية يمكن وصفها بأنها ملموسة، لكن أثرها يختلف بحسب حجم النشاط، وطبيعة التسجيل، وما إذا كان الممول ضمن النظام الضريبي المبسط المنظم بالقانون رقم 6 لسنة 2025 أم لا.

أول تغيير: الدفاتر المحاسبية أصبحت قاعدة عامة.. مع استثناء واضح للصغار

أحد أبرز ما أكدته مصلحة الضرائب المصرية في البيانات الرسمية الأخيرة هو تعديل المادة 38 من قانون الإجراءات الضريبية الموحد الصادر بالقانون رقم 206 لسنة 2020. ووفق ما أعلنته رشا عبد العال، رئيس المصلحة، فإن التعديل يُلزم جميع الممولين الذين يزاولون أنشطة تجارية أو صناعية أو حرفية أو مهنية بإمساك السجلات والدفاتر المحاسبية المنتظمة، سواء يدويًا أو إلكترونيًا.

لكن النقطة الأهم للمشروعات الصغيرة أن هذا الإلزام لم يُلغِ التيسيرات المقررة للكيانات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، إذ تظل هذه الفئة مستفيدة من إمساك دفاتر وحسابات مبسطة وفقًا لقانون 6 لسنة 2025. عمليًا، هذا يعني أن صاحب نشاط صغير لم يعد مضطرًا لافتراض أن «التشديد» الجديد يسري عليه بنفس الصورة التي تسري بها على الشركات الأكبر؛ بل إن المعيار الحاسم هنا هو حجم الأعمال والانضمام للنظام المناسب.

ثاني تغيير: بطاقة ضريبية مؤقتة لمدة 8 أشهر لتسريع بدء النشاط

من بين أكثر البنود العملية في الحزمة الثانية، تنظيم إصدار بطاقة ضريبية مؤقتة لمدة ثمانية أشهر بناءً على طلب الممول. هذه النقطة مهمة جدًا للشركات الجديدة ورواد الأعمال، لأن المصلحة أوضحت أن الهدف منها هو استكمال إجراءات تأسيس وترخيص النشاط بسرعة أكبر، بدلًا من تعطيل الانطلاق لحين اكتمال جميع الخطوات النهائية.

وفي الوقت نفسه، وضعت التعديلات قيدًا مهمًا: البطاقة المؤقتة لا تُستخدم في إصدار الفواتير والإيصالات الإلكترونية خلال فترة سريانها. المعنى العملي هنا أن الدولة تمنح مرونة في بدء النشاط والحصول على صفة ضريبية مبدئية، لكنها لا تفتح الباب لاستخدام كامل للأدوات الرقمية قبل استيفاء الضوابط النهائية. بالنسبة للممول، هذا تطور إيجابي لأنه يقلل وقت الانتظار، لكنه لا يعفيه من استكمال التأسيس النظامي سريعًا.

ثالث تغيير: الشركات الصغيرة تحت 20 مليون جنيه ما زالت صاحبة أكبر مكاسب

إذا كان هناك مستفيد مباشر وواضح من مسار التسهيلات، فهو شريحة المشروعات والمنشآت التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. مصلحة الضرائب المصرية أكدت أكثر من مرة أن النظام الضريبي المبسط الوارد في القانون رقم 6 لسنة 2025 هو نظام دائم وليس مهلة مؤقتة، وهذه نقطة مهمة لأصحاب الأعمال الذين كانوا يخشون انتهاء التيسيرات سريعًا.

ووفقًا لشرح المصلحة، فإن هذا النظام يمنح مزايا عملية واسعة، تشمل:

  • الإعفاء من نظام الخصم والتحصيل أو الدفعات المقدمة تحت حساب الضريبة.
  • تقديم إقرار ضريبة القيمة المضافة ربع سنويًا بدلًا من شهري.
  • تقديم إقرار ضريبة المرتبات والأجور سنويًا بدلًا من الالتزامات الشهرية المعتادة في بعض الحالات.
  • تبسيط الدفاتر والإجراءات دون إلزام بسجلات معقدة.
  • إعفاءات من ضرائب ورسوم محددة مثل الدمغة ورسم التنمية ورسوم التوثيق والشهر العقاري، فضلًا عن إعفاءات تتعلق بتوزيعات الأرباح والأرباح الرأسمالية وفق الضوابط المعلنة.

كما توضح الأسئلة الشائعة الرسمية بالمصلحة أن الشركات المسجلة وفق القانون 6 لسنة 2025 تستفيد كذلك من إلغاء مجموعة من الالتزامات، منها عدم الخضوع لنظام الخصم والتحصيل تحت حساب الضريبة، والاكتفاء بتسوية سنوية للمرتبات وما في حكمها، وتقديم 4 إقرارات قيمة مضافة فقط سنويًا بدلًا من 12.

هل تغيّر شيء في معدلات الضريبة نفسها على الصغار؟

من حيث المنطق العملي، نعم على مستوى طريقة المحاسبة وليس فقط الإجراءات. فالمصلحة كانت قد أوضحت سابقًا أن المحاسبة في النظام المبسط تتم بضريبة دخل نسبية تبدأ من 0.4% لحجم أعمال أقل من 500 ألف جنيه سنويًا، وتصل بحد أقصى إلى 1.5% للأنشطة التي يقل حجم أعمالها عن 20 مليون جنيه سنويًا. هذا يعني أن التغيير ليس إداريًا فقط، بل يمتد إلى قابلية أكبر للتنبؤ بالعبء الضريبي، وهي نقطة أساسية للشركات الصغيرة عند إعداد الإقرار وتدبير السيولة.

رابع تغيير: تسهيلات إضافية في القيمة المضافة ورد الضريبة

الحزمة الثانية لا تتعلق فقط بضريبة الدخل والإجراءات، بل تمتد أيضًا إلى ضريبة القيمة المضافة. فوفق ما عُرض رسميًا في يوليو 2026، تتضمن الحزمة خصم المساهمة التكافلية من الوعاء الضريبي، وزيادة مدة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات المستخدمة في الإنتاج الصناعي والأجهزة الطبية إلى 4 سنوات بدلًا من سنتين. كما شملت خفض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية من 14% إلى 5%، وإعفاء مدخلات أجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى وبعض الأجزاء واللوازم من الضريبة.

وبالنسبة للمشروعات الخاضعة لقانون التسهيلات، هناك ميزة إضافية مهمة: مشروع تعديلات القيمة المضافة يتيح رد الرصيد الدائن بعد 3 أشهر فقط للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، بدل فترات أطول كانت تمثل ضغطًا على التدفقات النقدية.

خامس تغيير: باب تسوية المنازعات ما زال مفتوحًا حتى نهاية 2026

قبل موسم الإقرارات، لا يهتم الممول فقط بما سيدفعه الآن، بل أيضًا بما إذا كانت هناك منازعات قديمة يمكن غلقها. في هذا السياق، أعلنت مصلحة الضرائب المصرية في 24 يونيو 2026 تجديد العمل بالقانون رقم 79 لسنة 2016 بشأن إنهاء المنازعات الضريبية حتى 31 ديسمبر 2026. هذا لا يدخل حرفيًا ضمن الإقرار الجديد، لكنه يغيّر البيئة المحيطة به؛ لأن الشركات تستطيع المضي في التسوية بدلًا من استمرار نزاعات تستنزف الوقت والسيولة.

ماذا يعني هذا عمليًا قبل موسم الإقرارات؟

إذا كنت ممولًا فرديًا أو صاحب شركة صغيرة في مصر، فالمشهد الحالي يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط عملية. الأولى: لا تنتظر حتى آخر يوم، لأن المصلحة شددت في موسم إقرارات 2025 على أن الأفراد يقدمون حتى 31 مارس 2026، بينما امتد موعد الشركات عن عام 2025 حتى 30 أبريل 2026 أو خلال أربعة أشهر من انتهاء السنة المالية للشركة. الثانية: حدّد موقعك بدقة، هل أنت ضمن النظام المبسط أقل من 20 مليون جنيه أم خارجه؟ لأن هذا السؤال يترتب عليه شكل الدفاتر، وتكرار الإقرارات، وطريقة المحاسبة. الثالثة: افصل بين التيسير والإعفاء الكامل؛ فالتسهيلات خففت العبء وقللت الالتزامات، لكنها لم تُلغِ واجب التسجيل الصحيح، والالتزام بالمنظومات الإلكترونية، وتقديم الإقرار في موعده.

الخلاصة

بعد حلقة 15 يوليو 2026 عن «الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية»، أصبح واضحًا أن مصلحة الضرائب المصرية انتقلت من مرحلة الشرح العام إلى مرحلة ترجمة بعض البنود إلى قواعد أكثر تحديدًا: دفاتر منتظمة للجميع مع تبسيط محفوظ للصغار، بطاقة ضريبية مؤقتة 8 أشهر، مزايا مستمرة للمشروعات تحت 20 مليون جنيه، وتيسيرات إضافية في القيمة المضافة وتسوية المنازعات. بالنسبة للممولين والشركات الصغيرة في مصر، التغيير الحقيقي ليس في الخطاب فقط، بل في أن كلفة الالتزام أصبحت أوضح، وبعض التعقيد الإجرائي تراجع فعلًا. لكن الاستفادة الكاملة ستظل مرتبطة بسرعة الانضمام للنظام المناسب، ودقة تجهيز الإقرار، وعدم تأجيل القرار الضريبي إلى اللحظات الأخيرة.