الإقتصادي

ناسداك يسجل قمة تاريخية بدعم أسهم التكنولوجيا

إغلاق قياسي جديد لناسداك وسط عودة الزخم إلى أسهم التكنولوجيا

أنهى مؤشر ناسداك المركب جلسة التداول على ارتفاع قوي بلغ 1.05% ليغلق عند 27,477.31 نقطة، بعدما لامس خلال الجلسة مستوى تاريخيًا جديدًا عند 27,544.07 نقطة. ويعكس هذا الأداء استمرار شهية المستثمرين تجاه أسهم النمو والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، رغم بقاء عوائد سندات الخزانة الأمريكية عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وهو عامل كان في فترات سابقة يشكل ضغطًا مباشرًا على تقييمات هذا القطاع.

ومن زاوية تهم القارئ المصري المتابع للأسواق العالمية، فإن هذا الصعود لا يقتصر تأثيره على وول ستريت فقط، بل يمتد إلى معنويات الاستثمار عالميًا، خاصة أن ناسداك يُعد المؤشر الأبرز لقياس أداء الشركات الأمريكية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والخدمات الرقمية. وعندما يحقق المؤشر قممًا جديدة، فإن ذلك غالبًا ما ينعكس على تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الأعلى مخاطرة حول العالم، كما يؤثر في اتجاهات الصناديق الدولية التي تتابع الأسهم الأمريكية عن قرب.

لماذا تجاهل المستثمرون ارتفاع العوائد؟

اللافت في الجلسة أن المكاسب تحققت رغم استمرار ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قرب مستويات مرتفعة؛ إذ أظهرت بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن هذا العائد دار في مطلع أكتوبر 2026 حول 5.24% إلى 5.29%، بينما تُظهر بيانات وزارة الخزانة الأمريكية قراءات قرب 5.11% في أواخر سبتمبر لآجال قريبة من هذا النطاق الزمني. وعادة ما يُنظر إلى صعود العوائد باعتباره منافسًا للأسهم، لأنه يرفع تكلفة التمويل ويزيد جاذبية الأدوات الأقل مخاطرة، إلا أن السوق هذه المرة أعطى وزنًا أكبر لتوقعات نمو أرباح شركات التكنولوجيا وقدرتها على الحفاظ على هوامش قوية.

هذا السلوك يعكس أيضًا تحوّلًا في طريقة تسعير المستثمرين لقطاع التكنولوجيا، فبدلًا من النظر إليه فقط باعتباره قطاعًا حساسًا للفائدة، باتت الأسواق تتعامل مع بعض أسمائه الكبرى على أنها شركات تحقق نموًا تشغيليًا حقيقيًا وتملك مراكز نقدية ضخمة، ما يجعلها أكثر قدرة على امتصاص أثر العوائد المرتفعة مقارنة بشركات النمو الأصغر حجمًا. ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار الطلب على أسهم التكنولوجيا الثقيلة حتى مع بيئة نقدية ومالية ليست سهلة بالكامل.

أسهم التكنولوجيا تقود المشهد من جديد

في خلفية هذا الارتفاع، يظل الاهتمام العالمي منصبًا على الشركات العملاقة المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وفي مقدمتها إنفيديا، مايكروسوفت، أمازون، أبل وميتا بلاتفورمز. هذه المجموعة تمثل ثقلاً كبيرًا في المؤشرات الأمريكية، وأي موجة صعود فيها تمنح ناسداك دفعة واضحة. كما أن استمرار الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والخدمات السحابية يدعم التقديرات الإيجابية لأرباح القطاع في الأجلين القصير والمتوسط.

وبالنسبة للمستثمرين في المنطقة، ومنهم المتابعون في مصر، فإن ما يحدث في ناسداك لا يُقرأ فقط من زاوية الأرقام اليومية، بل من زاوية الرسالة الأوسع: السوق الأمريكية ما زالت ترى أن شركات التكنولوجيا الكبرى قادرة على تحقيق نمو يفوق متوسط السوق، حتى مع استمرار الجدل حول الفائدة والعجز الأمريكي وحجم الإصدارات الحكومية من السندات. وهذا يفسر لماذا تستمر الصناديق العالمية في الحفاظ على مراكزها داخل القطاع بدلًا من التخارج الواسع منه.

بيانات الاقتصاد الأمريكي ما زالت في قلب التسعير

المتعاملون لم ينفصلوا عن البيانات الاقتصادية، بل على العكس؛ فكل قراءة تتعلق بالتضخم أو سوق العمل أو الإنفاق الاستهلاكي أصبحت تؤثر سريعًا في تسعير السندات والأسهم معًا. لكن ما يبدو واضحًا هو أن السوق باتت توازن بين عاملين: الأول هو أثر الفائدة المرتفعة على التقييمات، والثاني هو متانة نتائج الشركات الكبرى. وفي الجلسة الأخيرة، رجحت الكفة لمصلحة العامل الثاني، وهو ما سمح لناسداك بتسجيل قمة جديدة بدلًا من التراجع تحت ضغط العوائد.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن ناسداك ليس مجرد اسم لمؤشر شهير، بل مؤسسة سوقية وتقنية عالمية تقودها أدينا فريدمان، رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية، التي تتولى قيادة الشركة منذ الأول من يناير 2017، وتولت أيضًا رئاسة المجلس منذ الأول من يناير 2023. هذا البعد المؤسسي مهم لأن ناسداك لم يعد فقط منصة تداول، بل لاعبًا رئيسيًا في البنية التحتية للأسواق العالمية وخدمات البيانات والتقنيات المالية.

ما الذي يعنيه هذا الارتفاع للأسواق خارج الولايات المتحدة؟

حين يسجل ناسداك مستوى قياسيًا جديدًا، فإن التأثير لا يبقى داخل الولايات المتحدة. فأسواق الأسهم في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط تتابع الأداء الأمريكي باعتباره مؤشرًا مبكرًا على اتجاه شهية المخاطرة عالميًا. وفي أوقات كثيرة، يؤدي صعود أسهم التكنولوجيا الأمريكية إلى تحسين المزاج الاستثماري تجاه الشركات المرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في بقية الأسواق، حتى إن لم تكن بنفس الحجم أو الربحية.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن متابعة ناسداك تظل مهمة لعدة أسباب: أولًا لأنه يقيس نبض الاقتصاد الرقمي العالمي؛ ثانيًا لأن تحركاته تؤثر في قرارات الصناديق الأجنبية العابرة للأسواق؛ وثالثًا لأن موجات الصعود أو التصحيح فيه تنتقل نفسيًا وماليًا إلى فئات أصول أخرى، من الأسهم الدولية إلى العملات والسلع. لذلك فإن القفزة الأخيرة ليست مجرد خبر أمريكي محلي، بل تطور عالمي له دلالات مباشرة على مناخ الاستثمار الدولي.

هل يستمر الصعود؟

استمرار الزخم في ناسداك سيظل مرهونًا بعدة عناصر متداخلة، أبرزها: نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى، مسار عوائد السندات الأمريكية، ووتيرة البيانات الاقتصادية المقبلة. فإذا ظلت الأرباح قوية واستوعبت السوق مستويات العائد المرتفعة، فقد يبقى الاتجاه الصاعد قائمًا. أما إذا قفزت العوائد بوتيرة أسرع أو ظهرت إشارات تباطؤ حاد في الإنفاق أو أرباح الشركات، فقد نشهد فترات من التذبذب أو جني الأرباح.

  • أغلق ناسداك المركب عند 27,477.31 نقطة بارتفاع 1.05%.
  • سجل أعلى مستوى خلال الجلسة عند 27,544.07 نقطة، وهو مستوى قياسي جديد.
  • عوائد السندات الأمريكية بقيت مرتفعة قرب نطاق 5.2% على سندات 10 سنوات وفق بيانات رسمية حديثة.
  • الداعم الرئيسي كان استمرار الزخم في أسهم التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

خلاصة المشهد أن وول ستريت، وتحديدًا قطاع التكنولوجيا، بعثت برسالة جديدة مفادها أن المستثمرين ما زالوا مستعدين لدفع تقييمات أعلى عندما يقتنعون بأن النمو الحقيقي في الأرباح ما زال قائمًا. وفي هذه المعادلة، نجح ناسداك مجددًا في انتزاع قمة تاريخية جديدة، مؤكدًا أن أسهم التكنولوجيا لا تزال المحرك الأهم لاتجاهات الأسواق العالمية في المرحلة الحالية.