الإقتصادي

نهاية الغذاء الرخيص تعيد رسم رهانات الأسهم بالمنطقة

لماذا عاد ملف الغذاء إلى قلب قرارات المستثمرين؟

أعادت التحذيرات الأخيرة من UBS بشأن انتهاء حقبة «الغذاء الرخيص» فتح النقاش حول كيفية استثمار هذه الموجة في أسواق الخليج والشرق الأوسط. الفكرة الأساسية ليست أن أسعار السلع الغذائية سترتفع بخط مستقيم، بل أن هيكل التكلفة العالمي للغذاء أصبح أكثر حساسية لعوامل الطاقة، والشحن، والأسمدة، والمناخ، والتوترات الجيوسياسية. وبالنسبة للمستثمر المصري الذي يتابع أسواق المنطقة، فإن هذا التحول يعني أن بعض الشركات المرتبطة بالأمن الغذائي قد تكتسب أهمية أكبر من شركات الاستهلاك التقليدية.

UBS أشار في أكثر من مادة بحثية خلال 2026 إلى أن السلع الأولية ما زالت تؤدي دورًا مهمًا في التحوط من التضخم، خاصة عندما تتزامن اختناقات العرض مع المخاطر الجيوسياسية. كما لفت البنك إلى أن أسعار الطاقة والنقل والأسمدة يمكن أن تنتقل إلى المنظومة الزراعية وتدعم بقاء الضغوط على الغذاء لفترة أطول مما كان معتادًا في سنوات سابقة.

من زاوية الخليج: الأمن الغذائي لم يعد ملفًا استهلاكيًا فقط

في الشرق الأوسط، خصوصًا الخليج، لا يُنظر إلى الغذاء باعتباره بندًا في سلة التضخم فحسب، بل كملف أمن استراتيجي. الإمارات طورت خلال السنوات الأخيرة أدوات مؤسسية لمتابعة المخزون الاستراتيجي، وتنويع الواردات، ومراقبة سلاسل الإمداد، فيما تؤكد المنصات الحكومية الرسمية أن استراتيجية الأمن الغذائي تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الإنتاج المحلي، والحد من الفاقد، ورفع الجاهزية في أوقات الأزمات.

أما السعودية، فتكثف استثماراتها الزراعية والغذائية ضمن رؤية 2030. ووفق وكالة الأنباء السعودية، تجاوز إجمالي إنتاج السلع الزراعية والغذائية 16 مليون طن في 2024، مع نمو سنوي مركب للقطاع الزراعي بأكثر من 7% خلال آخر خمس سنوات. كما أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن المملكة حققت نسب اكتفاء ذاتي تتجاوز 100% في منتجات مثل التمور والألبان وبيض المائدة، إلى جانب تقدم في ملف الدواجن والروبيان.

هذه الأرقام مهمة للمستثمر لأنها تعني أن الإنفاق على الغذاء لم يعد دفاعيًا فقط، بل أصبح استثماريًا أيضًا، سواء عبر البنية التحتية الزراعية أو شركات المدخلات مثل الأسمدة والكيماويات الزراعية والخدمات اللوجستية.

الأسهم الأكثر ارتباطًا بالفكرة: لماذا تبرز فرتيجلوب؟

إذا كان عنوان القصة هو ارتفاع الكلفة الهيكلية للغذاء، فإن الأسمدة تبدو من أوضح حلقات الاستفادة الاستثمارية في المنطقة. وهنا يبرز اسم فرتيجلوب بوصفها من أكثر الشركات التصاقًا بهذا المسار. الشركة، ومقرها أبوظبي، تصف نفسها بأنها أكبر مُصدّر بحري لليوريا والأمونيا مجتمعتين، وأكبر منتج للأسمدة النيتروجينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما أنها منصة ADNOC للأمونيا منخفضة الكربون.

أهمية فرتيجلوب للمستثمر الإقليمي لا تأتي فقط من حجمها، بل من تموضعها الجغرافي والتشغيلي. فالشركة تمتلك أصولًا في الإمارات ومصر والجزائر، ما يمنحها انتشارًا مباشرًا داخل نطاق «أسواق الخليج والشرق الأوسط» الذي يهم القارئ المصري. كما أن عرضها التقديمي للمستثمرين في الربع الأول من 2026 أشار إلى أن مقرها في أبوظبي وأنها تضم نحو 2725 موظفًا عالميًا، في حين أظهرت نتائج 2025 تحقيق أكثر من مليار دولار EBITDA، ثم نموًا سنويًا في EBITDA بنسبة 31% في الربع الأول من 2026 رغم البيئة الجيوسياسية الصعبة.

وهذا يجعل السهم مرشحًا واضحًا في أي سلة استثمارية تراهن على استمرار الضغوط في تكاليف الزراعة. فكلما ظلت أسعار الطاقة، أو الشحن، أو الإمدادات الزراعية الحساسة مرتفعة نسبيًا، زادت قدرة شركات المدخلات الأساسية على الحفاظ على أهميتها التسعيرية، وإن كانت أرباحها تبقى بطبيعة الحال مرتبطة بدورات السلع العالمية.

ما الذي يدعم جاذبية فرتيجلوب تحديدًا؟

  • موقع إقليمي محوري: الشركة تتمركز في أبوظبي ولها أصول إنتاجية في مصر أيضًا، ما يمنحها قربًا من أسواق الاستهلاك والتصدير.
  • ثقل سوقي في الأسمدة النيتروجينية: وهي من أكثر المدخلات حساسية لتكاليف الطاقة والطلب الزراعي.
  • دور في الأمونيا منخفضة الكربون: ما يضيف زاوية نمو طويلة الأجل تتجاوز الدورة التقليدية للأسمدة.
  • ارتباط مباشر بملف الأمن الغذائي الخليجي: وهو ملف تضعه الحكومات في صدارة أولوياتها الاستثمارية.

وماذا عن السعودية؟

رغم أن فكرة «الاستفادة من الغذاء الغالي» قد تقود بعض المستثمرين إلى البحث فورًا عن شركات تجزئة غذائية، فإن الرهان الأكثر اتساقًا في الخليج قد يكون على المدخلات والتمكين لا على الرف الاستهلاكي فقط. في السعودية مثلًا، تُعد سابك للمغذيات الزراعية جزءًا مهمًا من هذا المشهد بحكم حضورها في سوق المغذيات الزراعية، بينما تؤكد بيانات سابك الرسمية أن وحدة Agri-Nutrients تمثل أحد محاور أعمالها الاستراتيجية، وأن الشركة من كبار منتجي اليوريا الحبيبية عالميًا.

ومن المهم هنا التفريق بين الأسهم التي تستفيد من ارتفاع الأسعار لأنها تبيع مدخلات نادرة أو أساسية، وبين شركات قد تتضرر إذا ضغطت أسعار الغذاء على القوة الشرائية للمستهلكين. لهذا السبب، فإن شركات الأسمدة واللوجستيات الزراعية، أو المنصات المرتبطة بالبنية التحتية للأمن الغذائي، تبدو أقرب إلى الاستفادة النسبية من شركات الأغذية المعبأة ذات الهوامش المحدودة.

كيف يقرأ المستثمر المصري هذه القصة؟

بالنسبة لمصر، يظل ملف الغذاء حساسًا للغاية داخل الاقتصاد الكلي، حتى مع تباطؤ وتيرة بعض الضغوط الشهرية. فالبنك المركزي المصري أعلن في 9 يوليو 2026 أن التضخم السنوي العام للحضر سجل 14.3% في يونيو 2026 مقابل 14.6% في مايو، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.3%. هذه البيانات لا تعني انتهاء الضغوط، لكنها تشير إلى أن الغذاء لا يزال عاملًا رئيسيًا في متابعة المستثمرين لاتجاه الأسعار والسياسة النقدية.

ومن زاوية إقليمية، فإن أي صعود جديد في تكلفة الغذاء عالميًا قد ينعكس على أسواق الاستيراد، وعلى ربحية الشركات الزراعية، وعلى سياسات الشراء والتخزين في المنطقة. البنك الدولي شدد في تقرير صدر في 29 يونيو 2026 على أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان يملكون فرصًا واضحة لتعزيز الأمن الغذائي وخلق وظائف من خلال سياسات موجهة واستثمارات استراتيجية في النظم الغذائية والزراعية.

الخلاصة: من «تضخم الغذاء» إلى «استثمار الغذاء»

الرسالة التي يمكن استخلاصها من طرح UBS ليست دعوة لمطاردة أي سهم له علاقة بعالم الغذاء، بل لفهم أين تتجمع القوة التسعيرية في السلسلة. وفي الخليج والشرق الأوسط، تبدو هذه القوة أوضح لدى منتجي الأسمدة، وبعض الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للأمن الغذائي، أكثر من شركات البيع النهائي للمستهلك.

لهذا، إذا كان المستثمر يبحث عن اسم واحد يعكس هذه الفكرة في المنطقة، فإن فرتيجلوب تظل من أبرز المرشحين، ليس فقط لأنها لاعب ضخم في الأسمدة النيتروجينية، بل لأنها أيضًا تقع عند تقاطع ثلاث قصص كبرى: الأمن الغذائي الخليجي، وتضخم المدخلات الزراعية، والتحول إلى الأمونيا منخفضة الكربون. أما في السعودية والإمارات، فاستمرار الإنفاق الرسمي على الأمن الغذائي يعزز البيئة العامة لهذه الرهانات، حتى لو ظلت الأسهم نفسها معرضة لتقلبات دورات السلع والطاقة العالمية.