هبوط الين يضغط على شركات اليابان قبل اجتماعات العشرين
ضعف الين يعود إلى الواجهة مع اقتراب اجتماعات مجموعة العشرين
عاد ضعف الين الياباني إلى مركز اهتمام الأسواق العالمية مع اقتراب اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين، بعدما اقتربت تحركات الدولار مجددًا من المستويات التي أثارت في وقت سابق مخاوف طوكيو من تسارع هبوط العملة. وفي قلب المشهد يقف محافظ بنك اليابان كازو أويدا، الذي يقود التحول النقدي الأكثر حساسية في البلاد منذ إنهاء أسعار الفائدة السلبية في مارس 2024.
بالنسبة لقراء السوق في مصر، تبدو القصة أبعد من مجرد تحرك في زوج الدولار/الين؛ فضعف العملة اليابانية ينعكس مباشرة على نتائج أعمال الشركات، من المصنعين الكبار الذين يستفيدون من زيادة تنافسية الصادرات، إلى شركات التجزئة والطاقة والمواد الخام التي تتضرر من ارتفاع تكلفة الواردات. ولهذا تبقى كل إشارة تصدر عن طوكيو أو واشنطن مؤثرة في تسعير الأسهم والسندات والعملات معًا.
ما الذي أعاد الملف إلى الواجهة؟
السبب الرئيسي هو أن الأسواق عادت لاختبار المنطقة الحساسة نفسيًا قرب 160 ينًا للدولار، وهي منطقة يعتبرها المتعاملون حدًا يرفع احتمالات تدخل السلطات اليابانية في سوق الصرف. وبحسب تقارير رويترز المنشورة عبر منصات مالية دولية، فإن الين هبط إلى 161.96 للدولار في 3 يوليو 2024، وهو أدنى مستوى له في 38 عامًا، بعد أن كان قد سجل 160.245 للدولار في 29 أبريل 2024 قبل موجة تدخل يابانية واسعة.
هذا التطور لا يُقرأ فقط من زاوية العملات، بل من زاوية الشركات المدرجة أيضًا. فكلما بقي الدولار قويًا والين ضعيفًا، ارتفعت فاتورة استيراد الوقود والسلع الوسيطة والمواد الغذائية، ما يضغط على هوامش شركات تعتمد على المدخلات المستوردة، ويغذي بدوره التضخم المحلي. وفي المقابل، تستفيد الشركات اليابانية ذات الإيرادات الخارجية الكبيرة عندما تُحوِّل أرباحها من الدولار أو اليورو إلى الين.
أويدا في الصدارة.. لكن القرار ليس نقديًا فقط
محافظ بنك اليابان كازو أويدا، الذي يشغل منصبه منذ 9 أبريل 2023 وتمتد ولايته الحالية حتى 8 أبريل 2028، أصبح الشخصية الأكثر متابعة في هذا الملف، لأن الأسواق تحاول قياس ما إذا كان البنك المركزي مستعدًا لتشديد السياسة بوتيرة أسرع لدعم الين أو على الأقل لوقف هبوطه. وتُظهر الصفحة الرسمية لبنك اليابان أن أويدا هو المحافظ الثاني والثلاثون للبنك.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا: بنك اليابان لا يستهدف سعر الصرف مباشرة، فيما تبقى قرارات التدخل الفعلي في سوق العملات ضمن نطاق وزارة المالية اليابانية. لذلك فإن أي نقاش حول الين يدور عادة بين ثلاثة أطراف: البنك المركزي، ووزارة المالية، والسوق العالمية التي تقارن دائمًا بين العائد في اليابان والعائد في الولايات المتحدة.
ماذا فعل بنك اليابان بالفعل في 2024؟
في 19 مارس 2024 أنهى بنك اليابان رسميًا سياسة أسعار الفائدة السلبية، وقرر توجيه سعر الفائدة القصير الأجل ليبقى عند نطاق 0% إلى 0.1%، معتبرًا أن الوصول إلى هدف التضخم البالغ 2% بات أكثر قربًا بصورة مستدامة. كما أوقف إطار التحكم في منحنى العائد بصيغته السابقة، منهياً بذلك مرحلة طويلة من التيسير النقدي غير التقليدي.
ورغم هذه الخطوة التاريخية، لم يتلقَّ الين دعمًا دائمًا، لأن الفجوة بين الفائدة اليابانية المنخفضة والعوائد الأميركية بقيت واسعة. هذا الفارق هو المحرك الأساسي لما يُعرف بصفقات الكاري تريد، حيث يقترض المستثمرون بعملة منخفضة العائد مثل الين ويستثمرون في عملات أو أصول أعلى عائدًا. وعندما تستقر هذه المعادلة، يتعرض الين عادة لضغط بيعي مستمر.
كما أشار أويدا في خطاب رسمي خلال 8 مايو 2024 إلى أن التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين في اليابان بلغ نحو 2.5% في مارس 2024، مؤكدًا أن الإطار الجديد للسياسة النقدية أصبح أكثر تقليدية مع اعتماد الفائدة القصيرة الأجل كأداة رئيسية. هذا مهم للشركات لأن مسار الفائدة يحدد كلفة التمويل المحلية، بينما يحدد الين كلفة الاستيراد وقيمة الإيرادات الخارجية.
التدخل في السوق.. أرقام تكشف حجم القلق
السلطات اليابانية لم تكتفِ بالتصريحات. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية، بحسب رويترز، أن طوكيو أنفقت 5.92 تريليون ين في تدخل شراء الين يوم 29 أبريل 2024، ثم 3.87 تريليون ين إضافية في 1 مايو 2024. وبعد أن عاد الين للهبوط في يوليو، تدخلت اليابان مجددًا وأنفقت 5.53 تريليون ين أخرى لدعم العملة.
بالنسبة للشركات، هذه التدخلات لا تُنهي المشكلة لكنها قد تبطئ حدة التقلبات، وهو أمر بالغ الأهمية للشركات التي تُعد موازناتها على أساس سعر صرف تقديري. فالتقلب الحاد يربك خطط التسعير والتحوط، خاصة لدى الشركات الصناعية وشركات الاستيراد. وفي أسواق مثل مصر، يدرك المستثمرون جيدًا أن تقلب العملة لا يؤثر في الاقتصاد الكلي فقط، بل في القوائم المالية الفصلية أيضًا.
ماذا قالت طوكيو قبل اجتماعات العشرين؟
في مؤتمر صحفي لوزارة المالية اليابانية بتاريخ 12 أبريل 2024، كان ضعف الين حاضرًا ضمن أسئلة الصحفيين قبل اجتماعات واشنطن، ما يعكس أن الملف كان مطروحًا بالفعل على طاولة الحكومة قبل بلوغ السوق ذروة التوتر. وبعد أيام، شارك الجانب الياباني في اجتماعات مجموعة العشرين وناقش ملفات الاقتصاد العالمي والتمويل الدولي، فيما بقيت تحركات العملة تحت المراقبة السياسية والمالية الوثيقة.
وفي أكتوبر 2024، عندما عادت الضغوط على العملة، قال وزير المالية الياباني آنذاك كاتسونوبو كاتو إن تحركات الصرف يجب أن تكون مستقرة، وإن الحكومة تراقب الأسواق بيقظة شديدة بما يشمل التحركات المضاربية، وفق ما نقلته رويترز. كما أوضح أن قادة مالية مجموعة العشرين لم يناقشوا أسعار الصرف بشكل مباشر في ذلك الاجتماع، وهو ما يبرز أن معالجة الين غالبًا ما تبدأ من أدوات اليابان الداخلية أكثر من البيانات الجماعية الدولية.
لماذا يهم هذا قطاع الشركات ونتائج الأعمال؟
- المصدرون: شركات السيارات والإلكترونيات والآلات تستفيد عادة من ضعف الين لأنه يعزز تنافسية منتجاتها في الخارج ويزيد قيمة الإيرادات المحولة إلى العملة المحلية.
- المستوردون: شركات الطاقة، التجزئة، الأغذية والمواد الخام تواجه ارتفاعًا في تكلفة الواردات، ما قد يضغط على الهوامش أو يدفعها إلى رفع الأسعار.
- التمويل والاستثمار: مسار الفائدة اليابانية يحدد كلفة الاقتراض المحلية، بينما يحدد سعر الصرف عائدات الاستثمار الخارجي والتحوط.
- التوجيهات المستقبلية: أي تعديل في توقعات الشركات لسعر الصرف قد يغيّر نظرة المستثمرين لنتائج الأرباح السنوية والربع سنوية.
ومن زاوية استثمارية، فإن ضعف الين ليس خبرًا سلبيًا أو إيجابيًا بالمطلق؛ بل هو عامل إعادة توزيع بين قطاعات الأعمال. لذلك يراقب المستثمرون في البورصة اليابانية ليس فقط اتجاه العملة، بل أيضًا أي الشركات أكثر حساسية للدولار، وأيها يملك مرونة تمرير التكاليف إلى المستهلك.
ما الذي تترقبه الأسواق الآن؟
الأسواق تتابع ثلاثة مسارات متوازية: أولًا، ما إذا كان بنك اليابان سيلمح إلى مزيد من رفع الفائدة بعد التحول الذي بدأ في مارس 2024؛ ثانيًا، ما إذا كانت وزارة المالية ستكثف رسائلها التحذيرية أو تعود إلى التدخل المباشر؛ وثالثًا، مسار الدولار نفسه في ضوء السياسة النقدية الأميركية وعوائد السندات. وإذا بقيت الفجوة بين العائدين الأميركي والياباني واسعة، فسيظل الين تحت الضغط حتى مع أي تدخلات متقطعة.
بالنسبة للشركات، الخلاصة واضحة: الين الضعيف لم يعد مجرد مؤشر في سوق العملات، بل متغير جوهري في نتائج الأعمال. ومن هنا، فإن ظهور أويدا في أي اجتماع دولي أو مؤتمر لاحق لا يُقرأ باعتباره حدثًا بروتوكوليًا، بل باعتباره لحظة قد تعيد رسم توقعات المستثمرين لأرباح الشركات اليابانية، وكلفة الواردات، واتجاهات التضخم خلال الفصول المقبلة.