الإقتصادي

هل انتهى «الفحص الجزافي» فعليًا في ضرائب مصر؟

هل أُغلق باب «الفحص الجزافي» فعلًا؟

عادت مصلحة الضرائب المصرية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في مصر بعد إعلانها أن التعديلات التشريعية الأخيرة تستهدف «إنهاء الفحص الجزافي» وترسيخ الاعتماد على التحول الرقمي. لكن القراءة الدقيقة لما نُشر رسميًا تُظهر أن المسألة ليست إلغاءً فوريًا كاملًا من اليوم إلى الغد، بل انتقال منظم على مرحلتين: الأولى تُبقي القرارات والتعليمات التنفيذية القديمة سارية على الفترات الضريبية لعام 2027 وما قبلها، والثانية تبدأ من الفترة الضريبية 2028 حيث تصبح المعاملة الضريبية قائمة كليًا على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية.

هذا التفصيل مهم؛ لأن كثيرًا من العناوين اختزلت التطور في عبارة «إلغاء الفحص الجزافي»، بينما النصوص الرسمية الصادرة عن المصلحة توضح أن الإلغاء التشريعي للأساس الذي كان يفتح باب التقدير الجزافي لا يعني اختفاء كل آثاره العملية فورًا، بل يمتد العمل بالتعليمات الانتقالية إلى الفترات السابقة على 2028 حفاظًا على استقرار المحاسبة الضريبية للسنوات الجارية والسابقة.

ماذا قالت مصلحة الضرائب المصرية رسميًا؟

في بيان منشور على الموقع الرسمي، قالت رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، إن التشريعات الجديدة نصت على استمرار سريان القرارات والتعليمات التنفيذية الصادرة بناءً على المادة 18 على الفترات الضريبية لعام 2027 وما قبلها، على أن تبدأ المعاملة الضريبية القائمة كليًا على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية اعتبارًا من الفترة الضريبية 2028. كما أكدت أن المنظومة التشريعية أصبحت «متكاملة لإغلاق كافة منافذ التقدير الجزافي»، مع إلغاء الحد الأدنى لإمساك الدفاتر الذي كان محددًا عند 500 ألف جنيه.

وبلغة أبسط: الدولة لا تقول إن كل ممول سيخرج غدًا من نطاق التقدير القديم تلقائيًا، لكنها تقول إن الطريق التشريعي أصبح مرسومًا بوضوح لإنهاء هذا النمط تدريجيًا، مع نقطة حسم فاصلة تبدأ في 2028.

ما الذي تغيّر في القانون فعليًا؟

1) تعديل قانون الإجراءات الضريبية الموحد

القانون رقم 150 لسنة 2026، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 28 يوليو 2026، عدّل الفقرة الأولى من المادة 38 من قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020. والنص المعدل يُلزم كل ممول يزاول نشاطًا تجاريًا أو صناعيًا أو حرفيًا أو مهنيًا بإمساك السجلات والدفاتر المحاسبية المنتظمة، يدويًا أو إلكترونيًا، مع عدم الإخلال بأحكام القانون رقم 6 لسنة 2025 الخاصة بالحوافز والتيسيرات للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه.

2) إلغاء الحد الأدنى القديم

الأثر العملي الأبرز هنا أن شرط حد الأعمال الأدنى لإمساك الدفاتر لم يعد قائمًا بالصورة القديمة. فبدلًا من أن يبقى الالتزام مقصورًا على من يتجاوزون سقفًا ماليًا معينًا، أصبح الأصل هو إلزام جميع الممولين بإمساك دفاتر وسجلات منتظمة، مع السماح للصغار بالاستفادة من نظم مبسطة لا تعفيهم من الفكرة الأساسية نفسها.

3) الإبقاء على التيسيرات للمشروعات الصغيرة

القانون رقم 6 لسنة 2025، الصادر في 12 فبراير 2025، وضع نظامًا ضريبيًا مبسطًا للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. هذا القانون لا يعفي تلك المشروعات من الانضمام للمنظومات الإلكترونية، بل يشترط للاستفادة من مزاياه الالتزام بتقديم الإقرارات والانضمام إلى منظومات المصلحة الإلكترونية، بما في ذلك الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني وفق مراحل الإلزام، كما يكتفي لها بإمساك سجلات ودفاتر مبسطة بدلًا من الأعباء المحاسبية الأثقل المفروضة على الكيانات الأكبر.

إذن.. هل انتهى «الفحص الجزافي» أم لا؟

الإجابة الدقيقة هي: نعم تشريعيًا، لكن ليس بالكامل وفوريًا على مستوى التطبيق الزمني. فالتعديل الجديد أزال الأساس الذي كان يُستند إليه في إصدار تعليمات نسب صافي الربح والمحاسبة التقديرية والجزافية للمستقبل، لكن المصلحة أبقت التعليمات والقرارات التنفيذية السابقة سارية على الفترات الضريبية حتى 2027. لذلك فإن الحديث عن نهاية «الفحص الجزافي» صحيح من زاوية الاتجاه القانوني، لكنه يحتاج دائمًا إلى هذا القيد الزمني حتى لا يتحول إلى تبسيط مضلل.

ومن زاوية السوق، هذه النقطة شديدة الحساسية لأصحاب الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، لأن أي التزام ضريبي لم يعد مرهونًا فقط بحجم النشاط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة الممول على إثبات معاملاته من خلال دفاتر منتظمة ومستندات وبيانات رقمية يمكن الرجوع إليها عند الفحص.

لماذا تصر مصلحة الضرائب المصرية على المنظومات الرقمية؟

السبب لا يتعلق فقط بالرقابة أو زيادة الحصيلة. الخطاب الرسمي لـمصلحة الضرائب المصرية يربط بين التحول الرقمي وبين تقليص النزاعات، ورفع كفاءة الفحص، وتيسير الخدمات، وتسريع رد الضريبة، وبناء علاقة أقل اعتمادًا على التقدير الشخصي للمأمور وأكثر اعتمادًا على البيانات. وفي تصريحات حديثة، قالت رشا عبد العال إن مسار التحول الرقمي الذي بدأ منذ عام 2017 أسهم في تحسين كفاءة وجودة الخدمات الضريبية، وذكرت أن متوسط مدة رد ضريبة القيمة المضافة انخفض إلى 22 يومًا مقارنة بالمهلة القانونية البالغة 45 يومًا.

عمليًا، كلما توسعت قواعد البيانات المتولدة من الفواتير والإيصالات الإلكترونية، ضعفت الحاجة إلى التقديرات الجزافية التقليدية. وهذا يفسر لماذا تربط المصلحة بين إغلاق منافذ المحاسبة التقديرية وبين الإلزام بالدفاتر المنتظمة والانضمام إلى المنظومات الرقمية.

ماذا يعني ذلك للممولين في مصر حتى 2028؟

  • حتى الفترات الضريبية لعام 2027: ما زالت التعليمات التنفيذية والقرارات المبنية على المادة 18 مستمرة للفترات السابقة، بما يعني أن المرحلة الانتقالية لم تنته بعد.
  • اعتبارًا من الفترة الضريبية 2028: يصبح الأساس الكامل للمحاسبة هو الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية.
  • جميع الممولين: الالتزام بإمساك دفاتر منتظمة أصبح القاعدة العامة، سواء يدويًا أو إلكترونيًا.
  • المشروعات حتى 20 مليون جنيه: ما زالت تتمتع بتيسيرات وحوافز وفق القانون 6 لسنة 2025، لكنها ليست خارج مسار الرقمنة والالتزام بالإقرارات والمنظومات الإلكترونية.
  • المؤسسون الجدد: استحدث القانون 150 لسنة 2026 بطاقة ضريبية مؤقتة لمدة 8 أشهر لاستكمال إجراءات تأسيس وترخيص النشاط، مع حظر استخدامها لإصدار الفواتير أو الإيصالات الإلكترونية خلال فترة سريانها.

كيف يقرأ مجتمع الأعمال هذه الخطوة؟

بالنسبة للشركات المنظمة، القرار يحمل قدرًا أكبر من الوضوح القانوني ويحد من مفاجآت التقدير الجزافي. أما بالنسبة لصغار الممولين، فالتحدي الحقيقي ليس فقط في النص القانوني، بل في الجاهزية المحاسبية والتكنولوجية: مسك دفاتر، الاحتفاظ بالمستندات، التعامل مع المحاسب، والتأقلم مع الفاتورة والإيصال الإلكترونيين.

هنا تصبح الرسالة الأساسية من مصلحة الضرائب المصرية واضحة: من يريد الاستفادة من التيسيرات عليه في المقابل أن يدخل المنظومة الرسمية كاملة، وأن يتحول من الاقتصاد غير الموثق إلى اقتصاد يقوم على البيانات والفوترة والسجلات. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل سينتهي الفحص الجزافي؟ بل أصبح: هل الممول مستعد لبيئة ضريبية لا تعترف إلا بما هو مثبت دفتريًا ورقميًا؟

الخلاصة

القرار الجديد لا يُنهي «الفحص الجزافي» بضغطة زر، لكنه يضع له تاريخ نهاية واضحًا في المستقبل القريب. حتى فترات 2027 ستظل التعليمات الانتقالية قائمة، لكن من 2028 تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا في مصر: لا حد أدنى لإمساك الدفاتر، لا استثناء من مبدأ الانتظام المحاسبي، ولا فصل بين الامتثال الضريبي والتحول الرقمي. وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب أن يقرأ بها السوق وأصحاب الأعمال التطورات الأخيرة داخل مصلحة الضرائب المصرية.