الإقتصادي

هل تُبطئ مخاوف الذكاء الاصطناعي طفرة الاستثمار بالمنطقة؟

مخاوف «الذكاء الاصطناعي الخطر» لا تُنهي الطفرة.. لكنها تغيّر شكلها

أعادت مذكرة حديثة من BCA Research بتاريخ 15 سبتمبر 2026 طرح سؤال بات يتكرر في الأسواق العالمية: هل يمكن أن تؤدي المخاوف المتزايدة من أضرار الذكاء الاصطناعي إلى كبح موجة الصعود في الأسهم والاستثمارات المرتبطة به؟ ورغم أن التقرير نفسه موجّه للمستثمرين العالميين، فإن زاوية السؤال تهم أسواق الخليج والشرق الأوسط بشكل مباشر، لأن المنطقة لم تعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبحت ساحة استثمار وتنظيم وبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

الواقع في الخليج يوحي بأن القلق من «الانفلات» أو سوء الاستخدام لن يوقف الزخم الاستثماري قريباً، لكنه قد يدفع الحكومات والشركات إلى مسار مختلف: استثمار أكبر، ولكن تحت رقابة أعلى، وتشريعات أوضح، وتركيز أشد على السيادة الرقمية والأمان والبيانات.

الإمارات: رهان مزدوج على التوسع والحوكمة

الإمارات تبدو المثال الأوضح على هذا التحول. فالدولة ماضية منذ سنوات في تنفيذ استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 الهادفة إلى ترسيخ موقعها كمركز عالمي للاستثمار والتطبيقات الذكية. وفي 14 يونيو 2026، أعلن مجلس الوزراء الإماراتي إنشاء هيئة الذكاء الاصطناعي والبيانات لتوحيد منظومة البيانات والذكاء الاصطناعي والحكومة الرقمية، مع تعيين عمر سلطان العلماء رئيساً للهيئة، وهو الوزير الذي يقود هذا الملف في الدولة. هذا التطور يعكس بوضوح أن أبوظبي ودبي لا تنظران إلى الذكاء الاصطناعي كموضة استثمارية فقط، بل كقطاع استراتيجي يحتاج إلى هيكل مؤسسي أقوى.

عند الحديث عن هذا الملف، يبرز اسم عمر سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد في الإمارات. وتؤكد المنصات الحكومية الإماراتية أنه يتولى هذا الدور منذ 2017، في إطار مسعى رسمي لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للنمو والإنتاجية والخدمات الحكومية.

الأكثر دلالة على استمرار الطفرة أن استراتيجية حكومة أبوظبي الرقمية 2025-2027 تستهدف تحويل الإمارة إلى أول حكومة «مولودة بالذكاء الاصطناعي» بالكامل بحلول 2027، مع استثمارات معلنة بقيمة 13 مليار درهم خلال الفترة من 2025 إلى 2027. ويشمل ذلك توسيع الاعتماد على السحابة السيادية، ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات، وتطوير مئات الحلول الرقمية داخل الجهات الحكومية.

بالنسبة للمستثمر، هذا يعني أن أي تصاعد في المخاوف الأخلاقية أو التنظيمية قد لا يضرب الإنفاق، بل ربما يزيده في مجالات مثل الأمن السيبراني، حوكمة البيانات، مراكز البيانات، والحوسبة السحابية السيادية.

السعودية: الذكاء الاصطناعي كملف سيادي واقتصادي

في السعودية، المشهد مشابه ولكن بحجم أكبر من حيث الرهان الوطني. الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) تقود تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، فيما اعتمد مجلس الوزراء في 10 مارس 2026 تسمية هذا العام «عام الذكاء الاصطناعي» في المملكة. القرار لم يكن رمزياً فقط، بل جاء ضمن مسار يربط التقنية بالتنويع الاقتصادي ورفع كفاءة الخدمات وتطوير القدرات المحلية.

كما تدفع السعودية بقوة في ملف النماذج اللغوية العربية. فقد واصلت سدايا الترويج لنموذج ALLaM بوصفه أحد أبرز المشاريع السعودية في الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع توسيع حضوره عبر شراكات تقنية ومنصات سحابية دولية، إلى جانب إطلاق مركز التميز للذكاء الاصطناعي التوليدي خلال 2026. وهذا يوضح أن المنافسة الإقليمية لم تعد فقط على استخدام أدوات أجنبية، بل على امتلاك نماذج وبنية معرفية باللغة العربية.

ومن منظور الأسواق، فإن هذا التوجه مهم لدول المنطقة كلها، بما فيها مصر، لأن بناء نماذج عربية أكثر دقة وملاءمة قد يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة في البنوك، التعليم، خدمة العملاء، التجارة الإلكترونية، والإعلام الرقمي.

من أين تأتي المخاوف إذاً؟

المخاوف التي يتحدث عنها المستثمرون عالمياً لا تقتصر على سيناريوهات كارثية بعيدة، بل تشمل قضايا عملية ومباشرة مثل:

  • التنظيم: هل تفرض الحكومات قيوداً أوسع على استخدام بعض النماذج أو تصدير الرقائق المتقدمة؟
  • السلامة: كيف يمكن منع الهلاوس البرمجية، والتزييف العميق، وسوء استخدام الأنظمة التوليدية؟
  • العائد على الاستثمار: هل يبرر الإنفاق الضخم على البنية التحتية الحالية الأرباح المنتظرة؟
  • الطاقة والبنية التحتية: مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية تحتاج تمويلاً كبيراً وكهرباء وتبريداً ومساحات تشغيل.

لكن في الخليج، يبدو أن هذه المخاوف تُقرأ بطريقة مختلفة. فبدلاً من التراجع، يجري تحويلها إلى مبرر لتعميق الاستثمار المحلي، وخصوصاً في المرافق التي تمنح الدول قدراً أكبر من الاستقلال التقني. لذلك نرى التركيز على مراكز البيانات، والحوسبة السحابية السيادية، والتشريعات المنظمة، وتدريب الكفاءات الوطنية.

هل يؤثر ذلك على أسهم التكنولوجيا العالمية؟ نعم.. لكن المنطقة تتحرك بمنطق مختلف

لا يمكن فصل المشهد الإقليمي عن المزاج العالمي في البورصات. فالطفرة في الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين دعمت شركات الرقائق والحوسبة السحابية وموردي البنية التحتية الرقمية، وفي مقدمتها Nvidia وغيرها من الأسماء المرتبطة بمراكز البيانات. غير أن السؤال الذي تطرحه المؤسسات البحثية مثل BCA Research يتمحور حول ما إذا كانت التقييمات الحالية سبقت الواقع الاقتصادي الفعلي.

في الشرق الأوسط، المسألة مختلفة نسبياً: الحكومات لا تستثمر فقط بحثاً عن عائد سوقي قصير الأجل، بل لأنها تعتبر الذكاء الاصطناعي جزءاً من الأمن الاقتصادي والتنافسية الإقليمية. هذا يعني أن أي تصحيح في وول ستريت أو تباطؤ في شهية المخاطرة عالمياً قد يؤثر على المعنويات، لكنه ليس كافياً وحده لإلغاء خطط الإنفاق الحكومية طويلة الأجل في الخليج.

ماذا يعني ذلك لمصر والقارئ العربي؟

بالنسبة للقارئ في مصر، فإن تطورات الخليج في الذكاء الاصطناعي ليست خبراً بعيداً. فالسوق المصرية ترتبط بالمنطقة عبر الاستثمار، والخدمات الرقمية، وتدفقات الشركات الناشئة، وسوق العمل التقني. وكلما توسعت السعودية والإمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، زادت فرص التعاون الإقليمي في التعهيد، وتطوير البرمجيات، والحلول العربية، والتدريب، وحتى الإعلام المالي والتجاري المعتمد على التحليلات الذكية.

لكن الرسالة الأهم هي أن مرحلة الاندفاع غير المشروط قد تكون انتهت. المرحلة الجديدة تبدو أقرب إلى «طفرة منضبطة»: إنفاق كبير نعم، ولكن مصحوب بمتطلبات أعلى للامتثال والشفافية والأمان والجدوى الاقتصادية. وهذا ليس خبراً سلبياً بالضرورة؛ بل قد يكون هو الشرط اللازم لاستمرار الطفرة بدلاً من انفجار فقاعة قصيرة الأجل.

الخلاصة: الخوف لن يقتل الطفرة.. بل سيعيد تسعيرها

الاستنتاج الأقرب للواقع في أسواق الخليج والشرق الأوسط هو أن الحديث عن «هلاك الذكاء الاصطناعي» لن يُنهي موجة التوسع، لكنه سيُعيد ترتيب أولوياتها. الإمارات تبني مؤسسات وهيئات جديدة، وأبوظبي ترصد 13 مليار درهم لتحولها الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي، والسعودية أعلنت 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي وتدفع بنماذج عربية ومراكز تميز وبنية تحتية وطنية.

لذلك، إذا كانت الأسواق العالمية تناقش ما إذا كانت المخاوف ستُنهي الازدهار، فإن الإجابة في منطقتنا تبدو مختلفة: الازدهار مستمر، لكن بشروط أشد صرامة، ومع فائزين جدد في مجالات الحوكمة والبيانات والأمن الرقمي والبنية التحتية. وهذا تحديداً ما ينبغي أن يراقبه المستثمرون في الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة.