الإقتصادي

هل تستطيع هيرشي الاستحواذ على مونديليز فعلاً؟

هل يمكن أن تعود فكرة الصفقة إلى الواجهة؟

يثير عنوان من نوع "هل تستطيع هيرشي شراء مونديليز؟" اهتمام المستثمرين فوراً، لأننا نتحدث عن شركتين من الأسماء الثقيلة في صناعة الوجبات الخفيفة والحلوى عالمياً. لكن عند فحص الصورة بالأرقام، يتحول السؤال من كونه مثيراً إلى كونه معقداً للغاية. فشركة هيرشي الأمريكية، التي يقودها حالياً كيرك تانر، أعلنت أن صافي مبيعاتها خلال عام 2025 بلغ 11.69 مليار دولار. في المقابل، سجلت مونديليز إنترناشيونال، بقيادة ديرك فان دي بوت، إيرادات سنوية بنحو 38.54 مليار دولار في 2025، ما يوضح فجوة الحجم بين الطرفين.

هذه الفجوة هي جوهر القصة: أي استحواذ من هيرشي على مونديليز لن يكون مجرد صفقة توسع عادية، بل عملية ضخمة تحتاج إلى تمويل هائل، وهيكل ملكية يسمح بالموافقة، وتبرير استراتيجي يقنع الأسواق والمساهمين والجهات التنظيمية.

ما الذي تقوله الأرقام عن قدرة هيرشي؟

أحدث البيانات الرسمية المتاحة تظهر أن هيرشي حققت في 2025 مبيعات بقيمة 11.692 مليار دولار، مع صافي ربح مُعلن قدره 883.3 مليون دولار. كما سجلت في الربع الرابع من العام نفسه مبيعات بلغت 3.091 مليارات دولار. هذه الأرقام تعكس شركة قوية في السوق الأمريكية للحلوى والوجبات الخفيفة، لكنها تظل أصغر بكثير من مونديليز من حيث الانتشار العالمي والحجم المالي.

أما مونديليز، فقد أنهت 2025 بإيرادات 38.537 مليار دولار، وتدفقات نقدية من العمليات بنحو 4.5 مليارات دولار، وتدفق نقدي حر عند 3.2 مليارات دولار. الشركة تعمل عبر أكثر من 150 دولة وتمتلك مجموعة علامات واسعة تشمل Oreo وCadbury Dairy Milk وToblerone وMilka وRitz وLU. وبذلك، فإن مونديليز ليست مجرد هدف استحواذ كبير، بل منصة عالمية متشعبة يصعب ابتلاعها دون كلفة تمويلية وتنظيمية استثنائية.

فارق الحجم ليس تفصيلاً

إذا قارنا إيرادات الشركتين فقط، نجد أن حجم أعمال مونديليز يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف على هيرشي تقريباً. وهذا لا يعني وحده استحالة الصفقة، لكنه يعني أن أي عرض شراء محتمل سيحتاج غالباً إلى مزيج ثقيل من الديون وربما الأسهم، وهو ما قد يضغط على ميزانية هيرشي ويغير ملامحها كشركة دفاعية مفضلة لدى كثير من المستثمرين في قطاع السلع الاستهلاكية.

لماذا تبدو مونديليز جذابة أصلاً؟

المنطق الاستراتيجي خلف الفكرة واضح: هيرشي قوية تاريخياً في الولايات المتحدة، خصوصاً في الحلويات والشوكولاتة، بينما تتمتع مونديليز بحضور دولي أوسع بكثير وقاعدة علامات عالمية متنوعة في البسكويت والشوكولاتة والعلكة والوجبات الخفيفة. من هذه الزاوية، فإن الاستحواذ - لو حدث نظرياً - قد يمنح هيرشي توسعاً عالمياً سريعاً بدلاً من بناء هذا الانتشار تدريجياً.

لكن الجاذبية الاستراتيجية لا تكفي وحدها. الأسواق تنظر أيضاً إلى تكلفة الصفقة، وقدرة المشتري على دمج العمليات، ومدى وجود تداخلات احتكارية في بعض الفئات والبلدان، فضلاً عن موقف المساهمين الكبار. لذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل ستستفيد هيرشي؟ بل: هل تستطيع تحمّل الثمن والمخاطر؟

ما أهمية الخبر للقارئ في مصر؟

رغم أن الموضوع عالمي، فإنه يهم السوق المصري بشكل مباشر لأن مونديليز مصر لاعب صناعي واستهلاكي حاضر بقوة. ووفق الموقع الرسمي للشركة، تمتلك مونديليز في مصر ثلاثة مصانع وتنتج أكثر من 13 إلى 14 علامة دولية ومحلية في فئات الشوكولاتة والعلكة والحلوى والبسكويت والمشروبات المسحوقة، من بينها Cadbury Dairy Milk وOreo وTUC وTang وHalls وClorets. هذا يعني أن أي تغير كبير في ملكية الشركة الأم قد يظل محل متابعة من المستثمرين والموردين وتجار التجزئة في مصر، حتى لو لم تظهر آثار تشغيلية مباشرة على المدى القصير.

وبالنسبة لقطاع التجزئة المصري، فإن الشركات العالمية الكبرى في الأغذية لا تُقاس فقط بحجم مبيعاتها العالمية، بل أيضاً بمرونة سلاسل الإمداد، واستراتيجيات التسعير، وتوزيع الاستثمارات بين الأسواق. ومن ثم فإن أي صفقة ضخمة في هذا القطاع تستحق المتابعة لأنها قد تؤثر لاحقاً في القرارات المتعلقة بالتصنيع المحلي، والاستيراد، والإنفاق التسويقي، وتطوير المنتجات.

من يقود الشركتين الآن؟

دخلت هيرشي مرحلة قيادية جديدة مع تولي كيرك تانر منصب الرئيس التنفيذي في أغسطس 2025 بعد مسيرة طويلة في قطاع الأغذية والمشروبات. في المقابل، يقود ديرك فان دي بوت مونديليز منذ نوفمبر 2017، وأصبح رئيس مجلس الإدارة في أبريل 2018. هذا مهم لأن أي صفقة تحولية من هذا النوع ترتبط عادة بشهية الإدارة للمخاطرة، وبأولوياتها بين النمو العضوي والاستحواذات الكبرى.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية منشورة من الشركتين تفيد بوجود عرض استحواذ قائم أو مفاوضات معلنة بينهما. لذلك، فإن الحديث يدور في نطاق التحليل المالي والسيناريوهات المحتملة أكثر من كونه خبراً تنفيذياً عن صفقة وشيكة.

أين تكمن العقبات الأساسية؟

  • التمويل: شراء شركة بحجم مونديليز يتطلب موارد ضخمة قد تعني اقتراضاً كبيراً أو إصدار أسهم، وكلاهما قد يضغط على مساهمي هيرشي.
  • التقييم: الشركات الاستهلاكية العالمية ذات العلامات القوية غالباً ما تتداول عند تقييمات مرتفعة، ما يرفع علاوة الاستحواذ المطلوبة.
  • التنظيم والمنافسة: وجود علامات قوية في الشوكولاتة والبسكويت والوجبات الخفيفة قد يستدعي مراجعات من سلطات المنافسة في أكثر من سوق.
  • الاندماج التشغيلي: الجمع بين شبكتين عالميتين في التصنيع والتوزيع والتسويق ليس مهمة بسيطة، خصوصاً مع اختلاف مراكز الثقل الجغرافية لكل شركة.

ماذا عن هيرشي نفسها؟

هيرشي ليست شركة صغيرة بالتأكيد. فالموقع الرسمي لعلاقات المستثمرين يصفها بأنها صاحبة مبيعات سنوية بنحو 11.7 مليار دولار ويشير إلى قاعدة توظيف تقارب 20 ألف موظف. كما تمتلك محفظة معروفة تشمل Hershey’s وReese’s وJolly Rancher وIce Breakers وSkinnyPop، إضافة إلى حقوق تسويق KIT KAT داخل الولايات المتحدة. لكن حتى مع هذا الثقل، يبقى الفرق واضحاً بينها وبين مونديليز التي تُعد من أكبر شركات التسالي في العالم.

الخلاصة: هل تستطيع هيرشي شراء مونديليز؟

من الناحية النظرية، لا يوجد ما يمنع أي شركة من السعي وراء صفقة أكبر منها إذا توافر التمويل والموافقة التنظيمية والدعم من المساهمين. لكن من الناحية العملية، تبدو مهمة استحواذ هيرشي على مونديليز شديدة الصعوبة وفق المعطيات الحالية. السبب ليس غياب المنطق الاستراتيجي، بل ضخامـة الفجوة في الحجم، وكلفة التنفيذ، وتعقيد الدمج عبر أسواق متعددة.

بالنسبة للقارئ في مصر، الأهم هو أن مونديليز تظل شركة ذات حضور صناعي وتسويقي ملموس محلياً، وبالتالي فإن أي تحرك كبير حولها عالمياً سيبقى محل اهتمام في قطاع الأغذية والتجزئة. وحتى تظهر مؤشرات رسمية على صفقة فعلية، فإن السؤال الأنسب ليس ما إذا كانت هيرشي ترغب في شراء مونديليز، بل ما إذا كانت قادرة على تنفيذ ذلك من دون أن تتحول الصفقة نفسها إلى عبء ثقيل على ميزانيتها ومستثمريها.