الإقتصادي

هل تضخم الذكاء الاصطناعي مؤقت أم خطر ممتد للأسواق؟

هل أصبح الذكاء الاصطناعي مصدرًا جديدًا للتضخم؟

عاد الجدل بقوة في الأسواق العالمية حول ما إذا كانت موجة الإنفاق الضخمة على الذكاء الاصطناعي تخلق ضغوطًا تضخمية عابرة، أم أنها قد تتحول إلى عامل أكثر ثباتًا يؤخر هبوط الأسعار عالميًا. هذا النقاش تصاعد بعد قراءة بحثية نقلها Investing.com في 4 يوليو 2026 عن محللي CIBC Capital Markets، وفي مقدمتهم كبير الاقتصاديين أفيري شينفيلد، والتي خلصت إلى أن طفرة الاستثمار الحالية ترفع التكاليف عبر سلاسل الإمداد وسوق العمل، لكنها قد تهدأ لاحقًا إذا بدأت الشركات في جني مكاسب إنتاجية حقيقية أو إذا تراجع الحماس الاستثماري نفسه.

وبالنسبة للقارئ المصري، فالقصة هنا لا تتعلق فقط بوول ستريت أو بشركات التكنولوجيا الأمريكية. أي موجة تضخم عالمية مرتبطة بالرقائق والطاقة والشحن وتمويل الشركات الكبرى تنعكس في النهاية على تكلفة الاستيراد، وعلى شهية المستثمرين للمخاطرة، وعلى اتجاهات الفائدة عالميًا، وهي عوامل تهم الأسواق الناشئة ومن بينها مصر.

كيف يرفع الذكاء الاصطناعي الأسعار الآن؟

وفقًا لما أورده تقرير Investing.com نقلًا عن CIBC Capital Markets، فإن الإنفاق المتسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأ يخلق اختناقات واضحة في عدة بنود: رسوم النقل والشحن، مواد البناء، رقائق الذاكرة التي تنتقل تكلفتها إلى أجهزة الكمبيوتر، إضافة إلى ضيق سوق العمل في بعض الوظائف التقنية والإنشائية. وترى المؤسسة أن هذه التكاليف فاقت حتى الآن أي وفر مباشر في الأجور كان يمكن أن تحققه أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات.

هذا التوصيف يتقاطع مع ما ورد في تقرير بنك التسويات الدولية BIS السنوي الصادر في 28 يونيو 2026، والذي أشار إلى أن التفاؤل المرتبط بالذكاء الاصطناعي دعم الاستثمارات والنمو، لكنه في الوقت نفسه زاد المخاطر المحيطة باستدامة هذا الإنفاق وباحتمال بقاء التضخم أعلى من المستويات المستهدفة لبعض الوقت. كما شدد التقرير على أن الآثار النهائية للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية وسوق العمل والتضخم ما زالت غير محسومة.

ومن زاوية أخرى، أظهر بحث لصندوق النقد الدولي نُشر في أبريل 2025 بعنوان Power Hungry: How AI Will Drive Energy Demand أن توسع مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يرفع استهلاك الكهرباء وأسعارها في بعض الاقتصادات، بما يضيف قناة تضخمية جديدة عبر الطاقة. وهذه نقطة شديدة الحساسية للأسواق الناشئة التي تتأثر سريعًا بتقلبات تكاليف الطاقة والتمويل.

لماذا يراهن البعض على أن الأثر مؤقت؟

الفكرة الأساسية لدى CIBC هي أن تضخم الذكاء الاصطناعي قد يكون مرحليًا لا دائمًا. ففي السيناريو المتفائل، إذا تحولت الاستثمارات الحالية إلى استخدامات فعالة داخل الشركات خلال عام إضافي تقريبًا، فقد تبدأ المؤسسات في تحقيق وفورات حقيقية في العمالة والإنتاج، بما يخفف ضغوط الأجور ويخفض الحاجة إلى التوظيف في بعض الوظائف المتكررة. عندها، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا مساعدًا على خفض التكاليف بدلًا من رفعها.

وتقول القراءة نفسها إن إنفاق مراكز البيانات ومحطات الكهرباء قد يتباطأ مع مرور الوقت بعد مرحلة البناء المكثف الأولى، وهو ما قد يخفف الضغط على أسعار الرقائق والمعدات. كما أن التحول من الاعتماد على أعمال إنشاء محلية ضخمة إلى استيراد تجهيزات جاهزة قد يخفف الاختناقات داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه.

هذا التصور يجد دعمًا غير مباشر في خطابات وسياسات أوروبية حديثة. فقد أوضح البنك المركزي الأوروبي في مارس 2026 أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة التبني وحجم خفض التكلفة الذي يحققه في المهام القابلة للأتمتة. كما أظهرت بياناته أن نسبة العاملين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ارتفعت من 26% في 2024 إلى 40% في 2025 داخل عينة المسح التي يتابعها البنك، ما يشير إلى أن التحول جارٍ بالفعل، لكن أثره الكامل على الإنتاجية لم يتبلور بعد.

وماذا لو خاب الرهان على الذكاء الاصطناعي؟

السيناريو الثاني لا يقل أهمية: ماذا لو لم تحقق هذه الاستثمارات العائد المأمول؟ هنا ترى CIBC أن الضغوط السعرية قد تتراجع أيضًا، ولكن بطريقة مختلفة. فإذا بدأت الشركات في تقليص الإنفاق على أدوات ذكاء اصطناعي ضعيفة العائد، أو إذا أعادت الأسواق تقييم الفرضية الاستثمارية بأكملها، فقد تهبط الميزانيات المخصصة للمشروعات الجديدة، ويتراجع الطلب الكلي على المعدات والإنشاءات والتمويل، وهو ما يخفف الضغط على سلاسل الإمداد.

لكن هذا السيناريو يحمل تكلفة أعلى على الأسواق؛ إذ إن أي تصحيح حاد في أسهم التكنولوجيا أو في شهية المستثمرين لتمويل الطفرة الحالية قد يضغط على الاستهلاك والاستثمار معًا. وقد لفت BIS في تقريره لعام 2026 إلى أن استدامة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت واحدة من نقاط الضعف التي تستحق المتابعة، خاصة مع اتساع الإنفاق الرأسمالي وازدياد الاعتماد على التمويل.

ما الذي يعنيه ذلك للفيدرالي والأسواق؟

بحسب تقرير Investing.com، فإن CIBC لا تتوقع في سيناريوها الأساسي رفعًا جديدًا للفائدة الأمريكية خلال 2026، لكنها حذرت من أن هذا التقدير يبقى مشروطًا ببيانات النمو والتضخم القادمة. الرسالة الأهم هنا هي أن البنوك المركزية قد لا تستطيع تجاهل ارتفاع التضخم الأساسي إذا ظل مرتفعًا لفترة أطول، حتى لو كانت تتوقع أن يهدأ لاحقًا بفعل تحسن الإنتاجية أو تراجع زخم الاستثمار.

وهذا يتماشى مع تحذيرات أوسع من صناع السياسات. ففي مارس 2026، أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن التعويل على تفاؤل الذكاء الاصطناعي لدعم الطلب بينما يظل التضخم مرتفعًا قد يضر بمصداقية السياسة النقدية إذا عادت الأسعار للتسارع. كما أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تناول في أكثر من مناسبة خلال 2026 فكرة أن أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والإنتاجية ما زال غير يقيني، ما يعني أن السياسة النقدية ستظل محكومة بالبيانات لا بالوعود التقنية.

لماذا يهم هذا المشهد المستثمر المصري؟

رغم أن الموضوع عالمي الطابع، فإن انعكاساته مهمة للمستثمرين في مصر لثلاثة أسباب رئيسية:

  • أولًا: إذا أبقى تضخم الذكاء الاصطناعي الأسعار مرتفعة في الولايات المتحدة وأوروبا، فقد يطيل ذلك دورة الفائدة المرتفعة عالميًا ويؤثر على تدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة.
  • ثانيًا: ارتفاع أسعار الرقائق والطاقة ومعدات مراكز البيانات قد يزيد تكلفة التكنولوجيا المستوردة على الشركات، وهو ما قد ينعكس على قطاعات الاتصالات والخدمات الرقمية والتصنيع.
  • ثالثًا: أي تصحيح قوي في أسهم التكنولوجيا العالمية قد يغير مزاج المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، بما فيها بعض أدوات وأسهم الأسواق الناشئة.

الخلاصة: تضخم مؤقت... لكن ليس بلا مخاطر

المحصلة أن السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يسبب تضخمًا الآن؛ فالأدلة المتاحة تشير إلى أن طفرة الإنفاق الحالية ترفع تكاليف حقيقية في الرقائق والطاقة والبناء والعمالة. السؤال الأهم هو: هل يستمر هذا الأثر؟ حتى الآن، تميل بعض بيوت الأبحاث والمؤسسات الدولية إلى أن الجواب قد يكون لا على المدى المتوسط، سواء لأن الإنتاجية ستتحسن في النهاية، أو لأن الأسواق ستفرض انضباطًا على الاستثمارات إذا تباطأ العائد.

لكن بين اليوم ونهاية 2027، وهي النقطة التي أشارت إليها تقديرات CIBC كأفق محتمل لتهدئة الضغوط، تبقى الطريق غير مضمونة. فإذا استمرت الاستثمارات في التسارع قبل ظهور مكاسب إنتاجية واسعة، فقد يظل أثر الذكاء الاصطناعي تضخميًا لفترة أطول مما تتمنى الأسواق. أما إذا تحولت التقنية من موجة إنفاق إلى موجة كفاءة، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحل بدلًا من أن يكون جزءًا من المشكلة.