هل تكفي الحوافز الضريبية لإطلاق طاقة البورصة المصرية؟
حزمة جديدة تستهدف تنشيط البورصة المصرية
تسعى الحكومة المصرية إلى فتح صفحة جديدة مع سوق المال عبر حزمة من التيسيرات الضريبية والتشريعية، في محاولة لتحسين جاذبية البورصة المصرية أمام الشركات والمستثمرين المحليين والأجانب. ويبرز في قلب هذه التحركات إعلان وزارة المالية بقيادة أحمد كجوك عن إدراج حافز استثماري لمدة 3 سنوات لتشجيع قيد الشركات بالبورصة، إلى جانب التحول من ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية المقيدة إلى ضريبة دمغة على التعاملات، وهو ما قدمته الحكومة باعتباره خطوة تستهدف خفض الأعباء وتنشيط التداول.
هذا التوجه جاء ضمن ملامح الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية التي استعرضها مجلس الوزراء في 17 فبراير 2026، ثم عاد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لعرضها مجددًا في يوليو 2026، مع التأكيد على أن الملف يستهدف دعم الاستثمار وزيادة السيولة في السوق المالي، وليس مجرد تعديل فني في المعاملة الضريبية.
ما الذي تغير في المعاملة الضريبية؟
أهم نقطة لفتت انتباه المتعاملين في البورصة المصرية هي الاتجاه الرسمي إلى استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة دمغة نسبية على التعاملات في الأوراق المالية المقيدة. كما أكدت مصلحة الضرائب المصرية أخيرًا أن الحوافز الجديدة شملت أيضًا إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة، واستبعاد بيع الأوراق المالية غير المقيدة من الخضوع لهذه الضريبة والاكتفاء بخضوعها لضريبة الدخل، بما يهدف إلى تقليل الازدواج الضريبي وتحسين كفاءة السوق.
اقتصاديًا، تبدو الرسالة واضحة: المستثمر يفضل في العادة نظامًا ضريبيًا أكثر بساطة وقابلية للتنبؤ، حتى لو لم يكن الأقل تكلفة في كل الحالات. ولذلك فإن الانتقال إلى آلية أوضح في احتساب الضريبة قد يزيل جزءًا من الضبابية التي أحاطت لسنوات بالاستثمار في الأسهم المقيدة.
لماذا لا تكفي الضرائب وحدها؟
رغم أهمية الحوافز الضريبية، فإن إطلاق إمكانات البورصة المصرية يحتاج إلى منظومة أوسع. فالسوق لا ينمو فقط بتخفيف العبء الضريبي، بل أيضًا عبر زيادة عدد الشركات الجيدة المتاحة للتداول، ورفع نسب التداول الحر، وتحسين الإفصاح والحوكمة، وتوسيع قاعدة المستثمرين.
الهيئة العامة للرقابة المالية تؤكد في عرضها المحدث لسوق رأس المال أن السوق المصري حقق بالفعل نتائج قوية خلال 2025. فقد ارتفع رأس المال السوقي للأسهم المقيدة إلى 2.999 تريليون جنيه بنهاية 2025 مقابل 2.170 تريليون جنيه بنهاية 2024، بنمو سنوي 38.2%. كما صعدت قيمة تداول الأسهم إلى 1.351 تريليون جنيه خلال 2025 مقابل 1.198 تريليون جنيه في 2024، بينما بلغ إجمالي قيمة التداول في السوق 17.087 تريليون جنيه مدفوعًا أيضًا بنشاط أدوات الدين الحكومية.
هذه الأرقام تعكس تحسنًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن تعميق السوق يتطلب توسيع قاعدة الأدوات والقطاعات والشركات المدرجة، حتى لا يظل النشاط مركزًا في عدد محدود من الأسهم أو متأثرًا بدورات السيولة قصيرة الأجل.
القيد والطروحات: الاختبار الحقيقي للحزمة
إذا كانت الحوافز الجديدة تستهدف جذب شركات إلى القيد، فإن معيار النجاح لن يكون فقط في صدور التشريعات، بل في عدد الشركات التي تنتقل فعليًا من مرحلة النية إلى مرحلة الطرح والتداول. وفي هذا السياق، تتحرك الجهات التنظيمية بالفعل على أكثر من مسار.
ففي يوليو 2026 أطلقت الهيئة العامة للرقابة المالية برنامجًا لتدريب وتأهيل الشركات المستهدفة بالقيد والطرح، يشمل مسؤولين تنفيذيين وماليين ومسؤولي الإفصاح وعلاقات المستثمرين. كما أشارت الهيئة إلى أن 20 شركة مملوكة للدولة تم قيدها قيدًا مؤقتًا في البورصة المصرية، وكان آخرها شركات من قطاع البترول والسياحة. ويعني ذلك أن الدولة تحاول تجهيز خط إمداد جديد من الطروحات، وهو عنصر جوهري إذا كانت تريد بالفعل تحويل البورصة إلى منصة تمويل للاقتصاد الحقيقي لا مجرد سوق ثانوية للتداول.
من هنا، تبدو الحوافز الضريبية عاملًا مساعدًا أكثر منها حلًا كاملًا. فالشركات تنظر أيضًا إلى تقييماتها السوقية، وسهولة التغطية، وكلفة الامتثال، ووضوح قواعد الإفصاح، واستقرار السياسات الاقتصادية والنقدية.
تنويع الأدوات يرفع جاذبية السوق
جانب آخر مهم في تقييم مستقبل البورصة المصرية هو تنويع الأدوات الاستثمارية. ففي 2026 اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية خطوات لدعم سوق المشتقات المالية، بما في ذلك تحديد المقابل المالي لخدمات تسوية العقود الآجلة مع إعفاء بعض الخدمات لمدة عام في مرحلة الإطلاق. وتراهن الجهات المنظمة على أن هذه الأدوات ترفع كفاءة إدارة المخاطر وتجذب شرائح أوسع من المستثمرين والمؤسسات.
كذلك تظهر بيانات الهيئة أن عدد صناديق الاستثمار العاملة في مصر بلغ 172 صندوقًا بنهاية 2025، مع وصول صافي القيمة السوقية لوثائق الصناديق إلى 316 مليار جنيه. وهذا يشير إلى أن تعميق السوق لا يقتصر على الأسهم فقط، بل يرتبط أيضًا بتوسيع قنوات الادخار والاستثمار غير المباشر، وهو مسار مهم لجذب المدخرات المحلية إلى سوق المال بدلًا من بقائها خارج المنظومة.
كيف يقرأ المستثمر المصري الرسالة؟
بالنسبة للمستثمر الفرد في مصر، فإن الرسالة الأساسية من الحزمة الجديدة هي أن الدولة تريد سوقًا أكثر نشاطًا وأقل تعقيدًا ضريبيًا. لكن المستثمر سيبحث عمليًا عن نتائج ملموسة: هل سترتفع أحجام التداول؟ هل ستأتي شركات قوية بقطاعات جديدة؟ هل سيتحسن التسعير والشفافية؟ وهل ستصبح البورصة وجهة ادخار واستثمار أكثر تنافسية مقارنة بالعقار أو الذهب أو الودائع؟
أما بالنسبة للمؤسسات، فالمعيار الأهم سيكون قدرة الحكومة على الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات دون تراجع، وربط ملف الضرائب بملفات أخرى مثل تسريع الطروحات الحكومية، وتحسين الحوكمة، وتوسيع قاعدة المستثمرين الأجانب، والحفاظ على استقرار البيئة التنظيمية.
فرصة حقيقية.. بشروط
الحزمة المصرية الجديدة تحمل إشارات إيجابية بلا شك، خصوصًا مع وجود حافز قيد لثلاث سنوات، وتبسيط المعاملة الضريبية، وتطوير أدوات جديدة في السوق، وتدريب الشركات المستهدفة بالطرح. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه الإجراءات جيدة في حد ذاتها، بل ما إذا كانت ستُترجم إلى زيادة فعلية في عدد الشركات المقيدة، وارتفاع السيولة، واتساع قاعدة الملكية، وتحسن ثقة المستثمرين.
الخلاصة أن إطلاق طاقة البورصة المصرية لن يتحقق بالإعفاءات الضريبية وحدها. النجاح يتطلب حزمة متكاملة تشمل الضرائب، والطروحات، والتشريعات، والحوكمة، وتنويع الأدوات، والترويج الاستثماري. وإذا نجحت الحكومة في جمع هذه العناصر معًا خلال 2026 و2027، فقد تتحول البورصة من سوق واعدة إلى قناة تمويل أكثر تأثيرًا في النمو الاقتصادي المصري.
- أبرز ملامح الحزمة: حافز لقيد الشركات بالبورصة لمدة 3 سنوات.
- التغيير الضريبي الأهم: استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة على الأوراق المالية المقيدة.
- دعم إضافي: إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة.
- مؤشر على الزخم: رأس المال السوقي للأسهم المقيدة بلغ 2.999 تريليون جنيه بنهاية 2025.
- الاختبار الحقيقي: تحويل القيد المؤقت والطروحات المخطط لها إلى إدراجات فعلية وتداول نشط.