الإقتصادي

هل تنجح أوروبا في إنعاش صناعة البطاريات ومنافسة الصين؟

أوروبا تبحث عن فرصة جديدة في سباق البطاريات

تخوض أوروبا معركة صناعية معقدة لإعادة بناء قطاع البطاريات، وهو قطاع بات محورياً ليس فقط لصناعة السيارات الكهربائية، بل أيضاً لأمن الطاقة والتنافسية الصناعية. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تستطيع القارة تعويض الفجوة التي اتسعت لصالح الشركات الصينية، أم أن الوقت أصبح متأخراً؟

الملف يهم القارئ في مصر والمنطقة العربية أكثر مما يبدو للوهلة الأولى، لأن مستقبل البطاريات في أوروبا ينعكس على أسعار السيارات الكهربائية، وعلى سلاسل الإمداد العالمية، وعلى فرص الشراكات الصناعية مع أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة مع صعود مشاريع صناعية جديدة في الجوار المتوسطي.

هيمنة صينية يصعب تجاهلها

الأرقام توضح حجم الفارق. شركة CATL الصينية، أكبر منتج لبطاريات السيارات الكهربائية في العالم، قالت في تقريرها السنوي لعام 2025 نقلاً عن بيانات SNE Research إن حصتها من سوق بطاريات الدفع الكهربائية عالمياً ارتفعت إلى 39.2% في 2025، كما بلغت حصتها في الأسواق الخارجية 30%. وفي المقابل، جاءت BYD في المركز الثاني بحصة تقارب 16.4% وفق تقديرات السوق المنشورة في 2026. هذا يعني أن شركتين صينيتين فقط استحوذتا معاً على أكثر من نصف السوق العالمية تقريباً.

هذا التفوق لا يرتبط فقط بانخفاض التكلفة، بل أيضاً بامتلاك الصين منظومة أكثر تكاملاً تشمل التعدين والتكرير والتصنيع والتجميع، ما يمنحها أفضلية يصعب على أوروبا مجاراتها بسرعة. والمفوضية الأوروبية نفسها أقرت بأن ظروف النمو تغيرت بسبب فائض الطاقة الإنتاجية العالمي وغياب تكافؤ الفرص التنافسي على المستوى الدولي.

تعثر الحلم الأوروبي بعد أزمة نورثفولت

أكبر ضربة معنوية تلقاها المشروع الأوروبي جاءت من شركة Northvolt السويدية، التي كانت تُقدَّم لسنوات باعتبارها أبرز مرشح أوروبي لصناعة بطل محلي في البطاريات. الشركة أعلنت التقدم بطلب إفلاس في السويد يوم 12 مارس 2025، في خطوة اعتبرتها تقارير دولية نهايةً فعليةً لأهم رهان أوروبي مستقل في هذا المجال. كما أُعلن لاحقاً في 7 أغسطس 2025 عن صفقة للاستحواذ على الأصول المتبقية في السويد وألمانيا من جانب شركة Lyten الأميركية الناشئة.

ومن هنا برز اسم بيتر كارلسون، الرئيس التنفيذي الشريك المؤسس السابق لـNorthvolt، بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بهذه القصة الصناعية، ليس كشخصية إعلامية بل كرمز لمحاولة أوروبا بناء لاعب محلي ثم تعثره. ورغم أن الشركة امتلكت طموحاً كبيراً ومشروعات في السويد وألمانيا، فإن ضغوط التمويل والتشغيل والطلب وضعت النموذج الأوروبي تحت اختبار قاسٍ.

بروكسل ترد بحزم دعم جديدة

الرد الأوروبي لم يتأخر. ففي 5 مارس 2025 طرحت المفوضية الأوروبية خطة عمل لمستقبل قطاع السيارات، وجعلت من البطاريات ركناً أساسياً فيها، مع هدف واضح هو جعل خلايا البطاريات ومكوناتها المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على المنافسة من حيث التكلفة. كما خصصت المفوضية ما وصفته بحزمة Battery Booster لدعم الصناعة المحلية.

وبحسب التقرير العام للاتحاد الأوروبي عن 2025، فإن حزمة الدعم هذه أتاحت 1.8 مليار يورو لمساعدة المصنعين الأوروبيين على التوسع وزيادة الطاقة الإنتاجية. ثم جرى في 9 يونيو 2026 الإعلان عن إنشاء آلية جديدة يمكن أن تعبئ ما يصل إلى 1.5 مليار يورو من عائدات نظام تداول الانبعاثات عبر صندوق الابتكار، مع إضافة 200 مليون يورو عبر آلية ضمان ضمن InvestEU بالتعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي.

الرسالة من بروكسل واضحة: أوروبا لم تعد تريد الاكتفاء بالتنظيم ووضع المعايير البيئية، بل تسعى أيضاً إلى تمويل التصنيع نفسه، بعدما تبين أن المنافسة مع آسيا لا يمكن كسبها بالشعارات الخضراء وحدها.

التنظيم الأوروبي: ميزة أم عبء إضافي؟

في موازاة الدعم المالي، يعتمد الاتحاد الأوروبي على تشريعاته الجديدة لبناء سوق أكثر استدامة وشفافية. لائحة البطاريات الأوروبية التي دخلت حيز النفاذ في 17 أغسطس 2023 تفرض متطلبات تتعلق بالبصمة الكربونية، والمحتوى المعاد تدويره، وإتاحة المعلومات عبر جواز سفر البطارية الرقمي. وتشير المفوضية إلى أن هذا الجواز بات جزءاً من النظام التقني الرقمي الأوروبي، مع تحديثات منشورة حتى 15 أغسطس 2026.

لكن هذه الأفضلية التنظيمية تحمل مفارقة. فمن ناحية، قد تمنح المنتج الأوروبي ميزة في الأسواق التي تعطي وزناً للاستدامة والتتبع. ومن ناحية أخرى، قد ترفع التكلفة على الشركات الأوروبية في وقت تحاول فيه اللحاق بمنافسين يتمتعون باقتصاديات حجم أوسع وسلاسل توريد أقل كلفة.

الاستثمارات موجودة… لكن التنفيذ متعثر

أوروبا لا تبدأ من الصفر. فبحسب استراتيجية Battery Booster الصادرة في 2026، ارتفعت القدرة التصنيعية لخلايا البطاريات في أوروبا من 1 جيجاواط/ساعة فقط في 2017 إلى أكثر من 200 جيجاواط/ساعة، مع استثمارات بنحو 33 مليار يورو في مصانع البطاريات وحدها بحلول 2025.

لكن المشكلة ليست في إعلان المشروعات فقط، بل في تحويلها إلى إنتاج مستقر وواسع النطاق. فشركة ACC، المشروع المشترك بين Stellantis وMercedes-Benz وTotalEnergies، بدأت بالفعل تشغيل مصنعها في بيلي-بيركلو/دوفران بفرنسا منذ مايو 2023، إلا أن خططها لمصنعين إضافيين في ألمانيا وإيطاليا جرى التخلي عنها أو تجميدها في 2026 بسبب ضعف الطلب على السيارات الكهربائية مقارنة بالتوقعات السابقة.

وفي المقابل، تواصل الشركات الآسيوية التمدد داخل أوروبا نفسها. شركة CATL أعلنت منذ 2022 استثمار 7.34 مليار يورو في مصنع ضخم بقدرة 100 جيجاواط/ساعة في ديبرتسن بالمجر، وهو ما يكشف أن جزءاً من “القدرة الأوروبية” في البطاريات قد يُبنى فعلياً برأسمال وخبرة صينيين، وليس بالضرورة عبر أبطال أوروبيين خالصين.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة؟

بالنسبة لمصر وأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن مسار البطاريات في أوروبا يتجاوز حدود القارة. أي تحسن في الإنتاج الأوروبي قد يخفف لاحقاً من مخاطر الاعتماد على مورد واحد، وقد يدعم استقرار الإمدادات للسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة التي تتوسع تدريجياً في المنطقة. كما أن صعود المغرب في هذا المجال، مع تمويل لمشروع وُصف بأنه أول مصنع متكامل لبطاريات السيارات الكهربائية في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال يوليو 2026، يظهر أن الجوار الإقليمي أصبح جزءاً من الخريطة الصناعية الجديدة.

ومن زاوية مصرية، فإن أي إعادة تموضع في سلاسل توريد البطاريات قد تفتح مستقبلاً فرصاً في التجميع، والخدمات اللوجستية، ومكونات التنقل الكهربائي، خاصة إذا تحولت منطقة المتوسط إلى محور صناعي أقرب إلى أوروبا من شرق آسيا من حيث زمن الشحن وتكلفة النقل.

هل تستطيع أوروبا اللحاق؟

الإجابة المختصرة: نعم، ولكن بشروط صعبة. أوروبا لا تزال تمتلك قدرات بحثية وتقنية مهمة، ومنظومة تنظيمية متقدمة، ودعماً مالياً يتزايد تدريجياً. لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من الابتكار: تحتاج إلى مصانع تعمل بكفاءة، وأسعار منافسة، وتوريد آمن للمواد الخام، وطلب محلي قوي على السيارات الكهربائية.

السنوات من 2025 إلى 2026 أظهرت بوضوح أن القارة انتقلت من مرحلة الطموح النظري إلى مرحلة الإنقاذ الصناعي الفعلي. فإذا نجحت حزم الدعم، وتحولت القواعد البيئية إلى ميزة تجارية لا إلى عبء، فقد تبني أوروبا قطاعاً أكثر صلابة. أما إذا استمرت التعثرات التشغيلية، فقد تجد نفسها تستهلك بطاريات “مصنوعة في أوروبا” لكن بتكنولوجيا وتمويل وسلاسل قيمة تقودها الصين من الخلف.

وفي كل الأحوال، فإن معركة البطاريات لم تعد قصة أوروبية داخلية، بل جزء من إعادة رسم خريطة الصناعة والطاقة والنقل على امتداد أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.