الإقتصادي

هل عاد نموذج الفيدرالي لتقييم الأسهم إلى الواجهة؟

لماذا عاد نموذج الفيدرالي لتقييم الأسهم إلى النقاش من جديد؟

عاد ما يُعرف في الأسواق باسم Fed Model أو "نموذج الفيدرالي لتقييم الأسهم" إلى الواجهة في أغسطس 2026، بعدما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى مستويات لم تعد بعيدة عن عائد أرباح الأسهم في مؤشر S&P 500. الفكرة الأساسية للنموذج بسيطة: مقارنة عائد أرباح الشركات المتوقعة في السوق الأمريكية بعائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، باعتبار أن المستثمر يقارن عمليًا بين ما يمكن أن يجنيه من الأسهم وما يحصل عليه من أداة حكومية شبه خالية من المخاطر.

الاهتمام المتجدد بالنموذج جاء بعد ملاحظة طرحها Yardeni Research بأن المؤشر ربما استعاد بعض جدواه الآن، مع تراجع أثر سياسات التيسير الكمي التي كانت تضغط عوائد السندات لسنوات وتجعل المقارنة بين الأسهم والسندات أقل دقة. ووفق الرسم المنشور من الشركة، بلغ عائد أرباح S&P 500 الآجل 5.02% في بيانات 17 أغسطس 2026، مقابل 4.68% لعائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات في 14 أغسطس 2026، ما يعني أن الفجوة بين الاثنين أصبحت ضيقة لكنها ما زالت تميل لمصلحة الأسهم نظريًا.

كيف يعمل النموذج في تقييم الشركات؟

يقيس النموذج ما إذا كانت الأسهم الأمريكية تبدو جاذبة مقارنة بالسندات. فإذا كان عائد أرباح الشركات أعلى من عائد السندات الحكومية، يمكن اعتبار الأسهم أقل تكلفة نسبيًا من ناحية التقييم. أما إذا تجاوزت عوائد السندات عائد أرباح السوق، فقد تصبح السندات منافسًا أقوى على أموال المستثمرين، خصوصًا بالنسبة إلى المحافظ الكبيرة وشركات إدارة الأصول.

في التطبيق العملي، يعتمد النموذج على مقلوب مضاعف الربحية الآجل. فعندما ينخفض مضاعف الربحية، يرتفع عائد الأرباح، والعكس صحيح. لذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الأسهم دون تحسن موازٍ في الأرباح يضعف جاذبية السوق وفق هذا المقياس. أما إذا تسارعت أرباح الشركات، فقد تحافظ الأسهم على تقييماتها حتى مع ارتفاع العائد على السندات.

ما الذي تغيّر في 2026؟

الأهم هذا العام أن عوائد السندات الأمريكية صعدت بقوة. ووفق بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إصدار H.15 المنشور في 18 أغسطس 2026، تحرك عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات في نطاق 4.63% إلى 4.72% خلال الأيام المدرجة في الجدول نفسه، بينما أظهرت تغطية إخبارية حديثة أن السوق لامس نحو 4.69% في 20 أغسطس. كما أشارت تقارير حديثة إلى أن مزاد السندات لأجل 10 سنوات تم عند 4.683%، وهو الأعلى في نحو 19 عامًا، في حين بلغ عائد السندات لأجل 30 عامًا 5.216%، وهو أعلى مستوى في 25 عامًا تقريبًا.

هذه الأرقام مهمة للغاية لقطاع الشركات ونتائج الأعمال، لأن ارتفاع العائد الخالي من المخاطر يعيد تسعير كل شيء تقريبًا: تكلفة التمويل، مضاعفات الأسهم، شهية المستثمرين للاكتتابات، وحتى تقييمات شركات التكنولوجيا والنمو. وفي بيئة كهذه، لا تعود السوق قادرة على تجاهل السندات كما حدث في فترات الفائدة المنخفضة جدًا.

هل يعني ذلك أن الأسهم الأمريكية أصبحت رخيصة؟

ليس بالضرورة. صحيح أن مقارنة عائد أرباح S&P 500 بعائد السندات توحي بأن الأسهم ليست منفصلة تمامًا عن الأساسيات، لكن هذا لا يكفي وحده للحكم بأن السوق رخيصة. حتى الأوساط الأكاديمية والرقابية الأمريكية تتعامل بحذر مع هذا النوع من المؤشرات. فقد أشار الاحتياطي الفيدرالي في تقارير الاستقرار المالي إلى استخدام فروق بين عائد الأرباح والعائد الحقيقي على السندات كأحد مؤشرات تقييم الأصول، لكن ضمن حزمة أوسع من المقاييس، لا كمؤشر وحيد لاتخاذ القرار.

بمعنى آخر، النموذج قد يكون مفيدًا الآن أكثر من السنوات التي شوّه فيها التيسير الكمي تسعير السندات، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى أداة توقيت دقيقة لحركة السوق. هذا مهم للقارئ المصري، لأن متابعة وول ستريت لا تتعلق فقط بالمضاربة على الأسهم الأمريكية، بل أيضًا بما تعكسه من اتجاهات في تكلفة الدولار، وتدفقات المحافظ العالمية، وتقييمات الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على الأسواق الناشئة.

ما علاقة ذلك بنتائج أعمال الشركات؟

العلاقة مباشرة. عندما ترتفع عوائد السندات، تصبح السوق أكثر صرامة في تسعير الشركات، خصوصًا تلك التي تتداول على مضاعفات مرتفعة وتعتمد على أرباح مستقبلية بعيدة. في المقابل، تستفيد الشركات التي تظهر زخمًا واضحًا في الأرباح وتملك تدفقات نقدية قوية وقدرة على تمرير التكاليف إلى العملاء.

وبحسب بيانات منشورة حديثًا من جهات متابعة للسوق، فإن مضاعف الربحية الآجل لمؤشر S&P 500 دار قرب مستوى 20 مرة في أغسطس 2026، مع تقديرات أرباح آجلة قرب 384.63 دولارًا للسهم على مستوى المؤشر، وهو ما يعكس أن الأسواق ما زالت تسعّر نموًا معتبرًا في أرباح الشركات. لذا فإن بقاء الأسهم متماسكة رغم ارتفاع العائد على السندات يرتبط أساسًا بقناعة المستثمرين بأن أرباح الشركات الكبيرة ما زالت قادرة على دعم التقييمات.

ماذا يراقب المستثمرون الآن؟

  • عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات: لأنه المرجع الأساسي في نموذج الفيدرالي.
  • توقعات الأرباح الآجلة للشركات: أي تراجع فيها قد يضغط على عائد الأرباح ويجعل الأسهم أقل جاذبية.
  • سياسة الفيدرالي الأمريكي: ليس فقط سعر الفائدة، بل أيضًا أثر السياسة النقدية على منحنى العائد.
  • التضخم وأسعار الطاقة: لأن أي صدمة تضخمية جديدة قد تدفع العوائد إلى مزيد من الصعود.

زاوية مهمة للمستثمر في مصر

بالنسبة للمستثمر المصري، فإن عودة هذا النموذج للنقاش ليست مسألة نظرية تخص وول ستريت فقط. ارتفاع العائد على السندات الأمريكية يزيد المنافسة على السيولة العالمية، وقد يرفع العائد المطلوب على الأصول عالية المخاطر حول العالم. وهذا ينعكس على تقييمات الشركات، وعلى تكلفة التمويل الخارجي، وعلى قرارات الاستثمار بين الأسهم والدخل الثابت.

كما أن الشركات المصرية أو الإقليمية التي تتابع الأسواق العالمية عند التخطيط للطروحات أو التوسعات أو الاقتراض، تراقب هذه التحركات عن كثب. فكلما ارتفع العائد الأمريكي، أصبحت شهية المستثمر الأجنبي أكثر انتقائية، وأصبح التركيز أكبر على الشركات ذات الأرباح الواضحة والميزانيات الأقوى.

الخلاصة

الرسالة الأساسية من عودة نموذج الفيدرالي إلى الواجهة هي أن السوق الأمريكية دخلت مرحلة أصبحت فيها عوائد السندات عنصرًا لا يمكن تجاهله في تقييم أسهم الشركات. الفجوة الحالية بين عائد أرباح S&P 500 البالغ 5.02% وعائد السندات لأجل 10 سنوات عند 4.68% تشير إلى أن الأسهم لم تفقد جاذبيتها بالكامل، لكنها أيضًا لم تعد تتمتع بالمساحة المريحة نفسها التي وفرتها سنوات الفائدة شديدة الانخفاض. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أقل تسامحًا مع التقييمات المبالغ فيها، وأكثر مكافأة للشركات التي تثبت نتائج أعمال قوية ونموًا حقيقيًا في الأرباح.

أما الشخصية الأبرز المرتبطة بالملف فهي جيروم باول، المحافظ في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي يظهر في الصورة الرسمية المنشورة من Federal Reserve. ولم يتسنَّ التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي شخصي له، لذلك لم يتم إدراج أي معرّف إنستغرام باسمه.